اطبع هذه الصفحة


السلوك الفطري وأثره في تسييس المراكز الصيفية

محمد البطاح

 
تحوي المراكز الصيفية – في مجموعها – سلماً معيناً معلوماً في التنظيم والأداء، يمكن اختزاله في طائفتين اثنتين، هما:
1 – الجهات المشرفة المسؤولة عن المركز.
2 – الجهات الفاعلة والضرورية لكل مركز.

وقد اصطلح على تسمية الجهة الأولى بالمشرفين أو الإدرايين – وتحت هذا الاسم والإطلاق تتعدد المناصب، وتتوزع الحقائب، كلٌّ حسب مواصفاته، وما يمكنه توقعه منه من نجاح وتميُّز، دون تهيئة سابقة، أو دراسة فاعلة، أما الجهة الثانية فهي جهة الأفراد أو الطلبة، والتي تشكل لحناً غالباً، وتتطلع دوماً لجهد الجهة الأولى، بدافع الرغبة العارمة في المرح والمتعة، وما بين الجهة الأولى والثانية يبرز السلوك الفطري الطبيعي في كل منه كنتاج مألوف للنفس البشرية، فالذات الحليمة المميزة لشخص ما، هي الذات الحليمة المميزة لشخص آخر، والنفس العجولة بحرارتها واندفاعها في ذات معينة، هي النفس العجولة ذاتها بتفاوت يسير لدى ذات أخرى، وكذا الحكم في سائر الصفات والأحوال، إذ السمات الطبيعية مشتركة، والحوادث متكررة، والحاجة داعية لتأمل الأجناس البشرية، وسَبْر الغور، بما يحقق حلاً ناجعاً لغالبية الأحداث بإذن الله. لذا كانت الوقفة السريعة، والتأمل البسيط على الطائفتين المذكورتين على نحو موجز.

أولاً: جهة المشرفين: هم مجموعة متفاوتة في الصفات والمقاصد والأعمار يجمع بينها هَمٌّ مشترك، وباعث إيجابي كامن، جِماعه حب الدعوة والتأثير الخيِّر ما أمكن تجاه الجهة المقصودة والمستهدفة أساساً، وهم الطلبة المشاركون.

وتلك الحقيقة الجامعة بينهم أغلبية، وهي نسبية في مقصدها الشريف، ومرادها الأساسي.
إذ منهم من ألف العادة وألفته، واستروح الركون إلى المراكز الصيفية، بدافع مكرور قوامه تمضية الأوقات وشغلها بما ينفع ولا يضر، ومنهم من أحب المراكز لأفرادها، وأنس إلى عشرته وصحبته، وقصدهم – في مراكزهم – وعاونهم محبةً لهم، ورغبةً في إمضاء الوقت الغالب معهم، دون احتساب للأجر والمثوبة.
ومنهم من كان دافعه غير ذلك، ويكفي من القلادة ما زان العنق.

بيد أن الغالب في المشرفين أنهم عتقاء هوى، أخيار صالحون، يقيسون عملهم من منظور آخرتهم، وأكرم بذاك من قياس، وأكرم بجهدهم من جهد، فهو الفوز والذخر الكبير _بإذن الله_، إذ الحسنات تتسلسل وتتتابع على المؤثر الأول، متى وجد المتأثرون.

وإن كانت ثمة مثلمة على الجهات الإشرافية فهي كالتالي:
1 – من المؤسف جداً أن غالبية المراكز تدار بعقلية التجارب الشخصية، والقناعات الخاصة، دون إخضاعها للمسلمات العلمية النفسية، والرؤى الأكاديمية الملائمة، وأخشى أن تصل المراكز إلى المسلمات العلمية بعد لأيٍ زمني، كان من الممكن اختصاره بالمستشرفات العلمية المناسبة إن قُصد أربابها.

2 – من المعايب: ما يسود بعض المراكز من ارتجالية في القرار، وارتجالية في البرامج، ومفاجأة سلبية دائمة للأفراد، وهذا بحد ذاته تنفير منظم، وسير أكيد تجاه هاوية القناعات الشخصية لدى المجتمع – إن عممت النظرة -.

3 – غياب الهدف: وهذا أخطر الأدواء، وأطم المساوئ، وإن عذرنا أنفسنا بقلته وندرته حالياً، فالخشية مستقبلاً من طغيانه واستشرائه.
إن الهدف الفعلي من المراكز الصيفية: تربية النشء وإعداده الإعداد الأمثل ليكون لبنةً صالحة في المجتمع، لا سيما وأن صلاح الأفراد، صلاح للمجتمعات، وصلاح المجتمعات رقي بالدول، وتقدمها، وتسنّمها منصب الأفضلية المطلقة، وهذا ما ننشده جميعاً.

4 – القناعة بالماضي والذب عنه، دون سعي لتطور أو تحديث:
نتفق أن الهجوم المسيَّر تجاه المراكز هجوم ظالم، ونظر أحادي قاصر، غُلِّب فيه الهوى على نظر العقل، وغُلِّب فيه العاطفة على حكم المنطق، ولكن ذلك لا يبرر التصرفات الوقتية التي برزت وسعت للدفاع، وأسدته جهدها وقوتها، وقدرتها – حد المجاملة أحياناً – ولما حانت لحظات المراكز الأولى، إذا بالهمم قد فترت، والبرامج المعدة المهيأة، هي ذات البرامج السابقة، لا جديد فيها إلا الغبار الذي يعلوها.
لسنا نتكل على الماضي فقط، ولسنا ننظر إلى المستقبل نظر المبتور بل نسعى للمستقبل بخطوات "ماضية"، وهمم متقدة، وقناعة حاضرة راسخة، وإيمان بالله قوي، قوي جداً.

5 – الأنظمة الخاطئة: تفخر بعض المراكز بسنها القوانين التي تعدها مصيبة في بابها، فريدة في عصرها، وقد يسلم لها الفخر، ويسلم لها النظام، ما دامت المخرجات منه سليمة، وما دام المقصود منه متحقق، لكن أن يكون القانون المُسن معول هدم لذاته، أو مسماراً في نعش بقائه، فذاك ما نعارضه ونجافيه، خذوا مثالاً: أكثر ما جال في ذهني من القوانين الشبابية قانون الفصل، ورغم تسليمي بنجاعته وإفادته حيناً، لكن يقيني بفشله وانعكاساته الخطيرة صيرني مكرهاً للكتابة عنه، لا سيما وأنه قانون شُرِّع ليبقى، ونُفذ في الاجتماعات الشبابية، بما فيها المراكز الصيفية.

سؤالي البريء: هل الطرد والفصل دلالة الشدة والحزم والسعي لإعداد جيل مثالي يسعى لإصلاح مجتمعه؟!، هل هو آخر العلاج؟ أشك في ذلك، لأني أعلم قانون المحبة والأخوة، وأعلم دوام تكرار ذلك القانون الأخير، والتذكير به، وأعلم الدعوة الدائمة الدائبة عليه، أعلم قانون الأخوة كعلمي بالشمس الحارقة، والعين الباصرة، أعلم حديث المصطفى «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً»، وأعلم قوله: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، أعلم أن لكل داء دواءً، وما كان أبداً العلاج الفصل فقط.

ليت نفسي وشِعري وكُلي لو تأملنا دلالات الفشل والضياع، والمستلزمات السلبية على قانون الطرد، وليت فؤادي لو وعى، وصوتي لو علا، منبهاً لأرتال الإثم المحمولة على الأعناق تباعاً من ذلك الطرد – لو حصل الانتكاس وكثيرٌ ما هو للشخص المرفود -.

إن الفصل دثار فشل في التعامل مع الفرد والمعاني الإنسانية وما فصلك أخي المسؤول إلا لعجزك عن فهم مكنونات أخيك المطرود، واتجاهاته الفكرية.

طردته لعصيانه، ولحصول التعب الفعلي منه، لكن أما ذكرت أن المجد لا ينال إلا على أعتاب الكلل والجهد المتواصل.
طردته لتأثيره السلبي على غيره، أما كان تأثيره على غيره مؤشر سحر في التعامل لديه، وما أوتيته أنت، هلا كان ذلك باعثاً لك للتحلي بالخلق الكريم المؤثر.
طردته لغيابه، وما بحثت حقيقة غيابه وسببه، بل ما تأملت – من منظور آخر – علة غيابه التي قد تعني فشلك أنت في جذب الشخص المقصود، وإقامة البرامج الجاذبة.
طردته لتهاونه: أما نميت فيه جانب الهمة والعزم، وبعثت من داخلة قواه الخفية، وفجرتها له تفجيراً.
وهلا كنت مثالاً حقيقياً في الجدة ليُحتذى بك فعلاً.

أنا لا أنكر الهجر والطرد إذا كان بعد دراسة واستشارة مع مربين فضلاء لهم باع في الدعوة والتربية، وأصبح المطرود داءً يتفشى وينقل العدوى،وفوق هذا أعطي نصائح وتوجيهات والعلاجات اللازمة ولم يفد كل ذلك معه .
ومما يؤلمني طريقة الفصل - من بعضهم – إذ صيروا المفصول عدواً شرساً ولو كان الفصل مغلفا بالمحبة والنصح والخوف على البقية مع الإقناع والبحث عن مجموعة أخرى له لكان أفضل؟

لا تنس أخي المسؤول: أن طردك لا يحمل مضامين قوةٍ فيك، بل ما كانت لك منّة فيمن طردت، بل المنة منه إذ حضر إليك.
وأذكرك جازماً بالانعكاسات السلبية الخطيرة المستقبلية، والتي تعني لي دوماً الشيء الكثير.
ليس بصحيح أنا نبحث عن الأفضل لنضمن مخرجاتنا المستقبلية، بل إن الدعوة الإسلامية ما قامت منذ انطلاقة الفجر إلا على أكتاف الضعفاء.
وتأكد أن الأفضل الذي تراه ملائماً لك، يراه غيرك – في الطرف الآخر – ملائماً له، وما تدري ما مخبوءات المستقبل لك وله.
أقر أني ضد الطرد قلباً وقالباً، وأقر أن الحل الناجح عسير كَدِر، لكنه موجود، وسأتحدث عنه في ثنايا المثلب القادم.

6 – الفردية: ولها زاويتان: الأولى: فردية في القرار والتعامل والنظرة والهدف، وهذه قليلة في الأفراد بحمد الله.
الثانية: فردية في المراكز نفسها، وأَنَفِها من التعامل مع المراكز الأخرى، وهذا الداء مع شناعته قبيحٌ في منظره نتن، والمأساة الفعلية انتشاره.

ويكأنا ما ذكرنا دعوة الكتاب والسنة للتعاون على البر والتقوى.

وإن مما يزيد القلب حرقةً وكمداً أن التعاون العام لو تحقق بين المراكز، فلا معنى لذلك سوى النجاح الكامل، ولا يحمل من المضامين إلا التميز التام الحقيقي لكل مركز، لما يبعثه في المراكز كلها من همّة وحماس، يحيل الليل نوراً، والنهار ناراً، وينهي مساء الأخوة، بفجر العزم واللهفة، والارتقاب لكل يوم مركزي، وما كان للتعاون أن ينتج علقماً، وحسب التعاون أن فيه علاجاً لمثلمة الطرد والفصل؛ لأن من فشلت معه لعجزك عنه، أو ترفعك أو كرهك أو مقتك له، قد يعني الكثير جداً لشخص آخر يعمل في مركز آخر، إذ الأرواح جنود مجندة.

أقول آسفاً: إن السلبيات موجودة، والمآخذ مازالت، كل يمد يده ليؤخذ، لكن ما ذكرت أحسبه الأبرز، ولا أزعم أن المراكز كلها مآخذ، لكن إبراز الداء والتذكير به، مع وجود الألم في ذلك، أنجع وأصدق من التغافل والسكوت عنه، فينمو ويستفحل، حتى يزداد الألم أو يعسر العلاج.

سلبيات الجهة الثانية: وهم الأفراد، وتتميز سلبياتهم بكثرتها، وعظمتها وتجددها، لكن تحملها والسعي لعلاجها أمر حتمي، لاسيما وأنها متفاوتة بتفاوت الشخص وطبيعة الحي.

وقد يجمع بينها كلها ما يلي:
1 – عدم الاستقامة، وعلاجه يحوي جانباً إيمانياً يدفع القلوب إلى الحق دفعاً ويسلبها آفة الانصياع لنداءات الهوى والردى، مقروناً ذلك بالأنموذج الأمثل والقدوة الحسنة التي يفترض وجودها أمامه في المركز، ومطعماً ذلك كله، بأريج الخلق، ولم أر كالخلق سحراً نافعاً لاستمالة القلوب، وجمعها من الأيدي اللاهثة، كل يعرض قلبه قانعاً راضياً ظامئاً، أخي المسؤول: هلا ابتسمت.

2 – اللاتجاوب واللاحماس: وعلاجه أيضاً سهل _بإذن الله_، فضلاً أخي المسؤول: تأمل الحي الذي أقمت مركزك به، وتأمل طبيعة سكانه ووضعهم الاجتماعي، لا يليق بك وأنت المفكر الساعي أن تقيم برنامجاً عملياً مرهقاً في بيئة مترفة خاملة، تأنف العمل وتمقته، سايسهم بما لا يضر، وانقلهم بالتدرج المتوازن تجاه مقصدك، وحذار من العجلة، فإنها مهر الفشل، وإن لحظت تجاوباً جيداً فابدأ خطوتك اللاحقة، ولا توسع الخطوة، فقد تقع أنت أو يقعوا هم، وقد يتعطل المسير.

أخي المسؤول: ضع الأمور بموازينها، وَزِنْها كما تحب على وفق قدراتك ومالك، وقوة من حولك.

3 - التأرجح وعدم الثبات: العبارة السابقة أحب العبارات إلى قلبي، لأن عدم ثبات الفرد أو الطالب – وأنت تعمل لصالحه – يعني بالضرورة أنك أثرت به، وتأثيرك عليه خلق جواً مضطرباً لديه، فهو راغب بك، نافر عنك، محب لك مبغضك، ولذا سارع باستمالة مضاعفة، زِدْ في حسن خلقك وحرصك، زد في دعائك، وأخلص نيتك، لعل عبداً – ولَكَم أتمنى ذلك – أن يهدى على يديك.

4 – التأثير السلبي: تذكر أخي المسؤول قاعدة عريضة مؤداها: نجاح غيرك بالتأثير يعني نجاحك أنت أيضاً، ولا يمكن ذلك إلا باستيعابك تماماً للتوجهات النفسية، والمداخل الممكنة على النفس البشرية، فقد لا يطيب الجد الدائم، ولا الهزل المتواصل، عليك بفقه النفس، فإنها حقاً مؤثر دائم.

وبعد: لا أزعم الإحاطة الكاملة بكل المآخذ، ولا أدعي حصرها، وحسبي أني ذكرت الأبرز، فما كان مصيباً فبتوفيق الله، وما كان خطأً فمن نفسي والشيطان.

والسلام عليكم..


المصدر : موقع المسلم
 

المراكزالصيفية

  • دورات للمشرفين
  • وسائل وأفكار
  • ملفات تنظيمية
  • أنشطة وبرامج
  • المراكز النسائية
  • تبرئة المراكز
  • الألعاب الحركية
  • مسابقات ثقافية
  • استغلال الإجازة
  • الصفحة الرئيسية