اطبع هذه الصفحة


الرد على الشيخ قيس المبارك

 عبدالله بن سليمان آل مهنا

 
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ،،، أما بعــد :

فقد اطلعت في جريدة عكاظ الصادرة يوم الخميس 17/1/1432 هـ على كلام لفضيلة الشيخ الدكتور قيس بن محمد آل مبارك عضو هيئة كبار العلماء ، سهّل فيه لمسألة حضور المسلم لأعياد الكفار ، وقال إنها من مسائل الفقه التي يسع فيها الخلاف ... إلى آخر كلامه .

ولي مع فضيلة الشيخ في هذه المسألة عدة وقفات :


الأولى :


نقل ابن القيم رحمه الله اتفاق العلماء على تحريم حضور أعياد المشركين فقال : " وكما أنه لا يجوز لهم إظهاره [ أي العيد ] فلا يجوز للمسلمين ممالأتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله " . [1]

الثانية :


ليعلم فضيلة الشيخ والقراء الكرام أن أعياد الكفار قائمة على الشرك بالله تعالى ، فعلى سبيل المثال عيد الميلاد عند النصارى قائم على ذكرى ميلاد عيسى عليه السلام ، ومعلوم دعوى النصارى في عيسى وأنه ابن الله تعالى الله عن قولهم وإفكهم ، وهذا الاعتقاد اعتقاد شنيع غارت من أجله الجمادات على توحيد الله فكادت أن تميد وتنهد ، أفلا يغار المسلم لربه أكثر من غيرة الجمادات !! ،وكيف يرخَّص للمسلم في حضور محفل قائم على سب الله تعالى والكفر به !! قال الله تعالى مبيناً شناعة هذا المعتقد ( وقالوا اتخذ الرحمن ولداً لقد جئتم شيئاً إداً تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا ، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا ...الآية ) سور مريم آية 88- 95 . قال محمد بن كعب : " لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة لقوله تعالى ( تكاد السموات يتفطرن منه .... الآيات ) " [2]

الثالثة :


لم يذكر فضيلته العلماء الذين أباحوا حضور أعياد المشركين حتى نتمكن من مراجعة كلامهم في مظانه ، ونرى منزعهم في الترخيص في ذلك ، وهل هم ممن خلافه معتبر أم لا ، فإن الشيخ وفقه الله يعلم أن ليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر ، وبتتبعي الكثير في المسألة لم أجد من قال بجواز حضور أعياد الكفار ، والشيخ أورد الكلام مجملاً ، فحبذا أن يكون كلامه في هذه المسألة المهمة أكثر تفصيلاً وإيضاحاً حتى لا يقع الناس في حرج من كلامه .

الرابعة :


أن الأعياد من جملة الشرائع والمناسك لكل أمة ، كما قال تعالى ( ولكل أمة جعلنا منسكاً ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : عيدا [3] .

فمشاركتهم في عيدهم هو في الحقيقة مشاركة لهم في شعيرة من شعائر دينهم كالصلاة والذبح والقبلة ونحو ذلك ، فهل يقول أحد بجواز مشاركتهم في صلاتهم !! فإذا كانت مشاركتهم في صلاتهم ممنوعة فكذلك في العيد لأن الكل من شريعتهم.

الخامسة :


قول الشيخ – وفقه الله - : أنه لاخلاف في أن إقرار أعياد المسلمين [ هكذا ورد في موقع الجريدة وهو خطأ بلاشك والصواب غير المسلمين ] والرضى بها من أعظم المحرمات ... وهذا من الشيخ - أثابه الله - حق لا مرية فيه ، لكن ألا يرى الشيخ أن حضور أعياد المشركين ومشاهدة مظاهر الشرك بالله والاستماع إلى سب الله تعالى بنسبة الصاحبة والولد له ، والاستمتاع بما فيها من لهو محرم ، وإدخال السرور على الكفار بحضور المسلم معهم ، ولابد من تهنئته لهم بعيدهم ... إلى غير ذلكم من مظاهر المشاركة ..ألا يرى الشيخ أن ذلك نوع من الرضى الضمني بتلك المحرمات العظيمة !!

ومن المعلوم أن الله تعالى قال ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) سورة الأنعام آية 68 ، وقوله تعالى ( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم ... الآية ) سورة النساء آية : 140 ، وقد قعّد العلماء على هذه الآية أن الراضي كالفاعل ، فما حال المسلم الذي يحضر أعياد المشركين ولا ينكرها ؟ ألا يكون راضياً بما فيها ، لأن من لازم الإنكار القلبي الذي هو أدنى درجات المنكر وليس بعده من الإيمان حبة خردل مفارقة المنكر !!

السادسة :


لابد للشيخ وفقه الله أن يلاحظ أن حضور أعياد المشركين سيتبعه ولابد محرمات سيرتكبها من حضر من المسلمين ، فإما أن الشيخ - وفقه الله - يجعل احترازات لمن يفتيهم بجواز الحضور - ولا يمكن ذلك - أو سيوقعهم في جملة من المحرمات ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر :

1. تهنئتهم بعيدهم ، وهل يظن بمن حضر عيداً من أجل تأليف قلوب المشركين - على مارأى الشيخ - إلا أن يهنئهم بعيدهم !! وتهنئة المشركين بعيدهم منكر عظيم ، لأن مضمونه أن يهنئهم بالكفر بالله ، إذ تقرر سابقاً أن العيد من جملة الشرائع لكل أمة ، ولذا سئل شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني الشافعي المتوفى عام 805 هـ رحمه الله عن مسلم قال لذمي في عيد من أعيادهم : عيد مبارك ! هل يكفر أم لا ؟ فأجاب رحمه الله بقوله : " إن قال المسلم للذمي ذلك على قصد تعظيم دينهم وعيدهم حقيقة فإنه يكفر ، وإن لم يقصد ذلك وإنما جرى على لسانه فلا يكفر بما قاله من غير قصد " [4] .

فالمسألة كما ترى دائرة بين الإيمان والكفر .

وقال العلاّمة ابن القيم رحمه الله : " وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق ، مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم ، فيقول : عيد مبارك عليك ، أو تهنأ بهذا العيد ونحوه ، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات ، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب ، بل ذلك أعظم إثماً عند الله وأشد مقتاً من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه ، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل ... "[5].

2. الأكل من ذبائح أعيادهم ، وفي هذا قال الله تعالى ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ‏ ...الآية ) سورة المائدة آية : 3 ، وما ذبح على النصب غير ما أهل لغير الله ، فإذا علمنا أن ذبائح أهل الكتاب حلال لنا كما في قوله تعالى ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌ لكم ...الآية ) سورة المائدة ، آية : 5 ، تبين أن ماذبح على النصب ليس هو مما يباح لنا من ذبائح أهل الكتاب بل هو مايذبحونه في موضع أصنامهم وأعيادهم ، ولهذا ذكر النوعين في الآية : ما أهل لغير الله وما ذبح على النصب ، فدل على المغايرة بينهما .

يوضح ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ثابت بن الضحاك قال : نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا ، قال : هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم )[6].

فقول النبي صلى الله عليه وسلم ( هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ ) يقتضي أن كون البقعة مكاناً لعيدهم مانع من الذبح بها وإن نذر ، كما أن كونها موضع أوثانهم كذلك .

ولذا كره الإمام مالك رحمه الله أكل ما ذبحه أهل الكتاب لكنائسهم وأعيادهم ، وتأول قول الله تعالى ( أو فسقاً أهل لغير الله به ) سورة الأنعام آية : 145 .

قال ابن القاسم : " وكذلك ما ذبحوا وسموا عليه اسم المسيح هو بمنزلة ما ذبحوا لكنائسهم ، ولا أرى أن يؤكل "[7].

وقال عبدالملك بن حبيب من فقهاء المالكية : " وأكل ذبائح أعيادهم داخل في هذا الذي اجتمع على كراهيته ، بل هو عندي أشد "[8].

وقال حنبل : " قال عمي ( أي أحمد بن حنبل ) : أكره كل ما ذبح لغير الله ، والكنائس إذا ذبح لها ، وما ذبح أهل الكتاب على معنى الذكاة فلا بأس به ، وما ذبح يريد به غير الله فلا آكله ، وما ذبحوه في أعيادهم أكرهه " [9] .

وفي فتاوى اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية مانصه :

" الذبائح التي تذبح من أجل أعياد المشركين أو في أماكن ذبحهم البدعية لايجوز الأكل منها ولا شراؤها... ثم استدلوا بحديث ثابت بن الضحاك " [10]

ولولا خشية الإطالة لذكرت كلام العلماء في هذه المسألة ، وهو كثير .

3. من له خبرة في أعياد الكفار خصوصاً النصارى في عيد رأس السنة والميلاد وغيرهما من أعيادهم يعلم أن من مظاهرها الضرورية عندهم اللهو بالغناء والمعازف ، واحتساء الخمر بشراهة ، وإقامة المسرحيات الماجنة ، وإحياء تلك الليالي بالفرق والمغنين المشاهير ، وقيام سوق رائجة للسحرة والمنجمين وقراء المستقبل ، وبيع شعائر الكفر كالصلبان والأجراس والبيض والسلاحف وصور الحيات والعقارب وشجرة الميلاد ... وما إلى ذلكم ، فهل يرخِّص الشيخ – عفى الله عنا وعنه - للمسلم بحضور هذه المنكرات ويعرضه للإثم !!

السابعة :


قول الشيخ : أن رفض دعوة غير المسلمين لحضور أعيادهم ينفرهم ويصرفهم عن الحق ...

فالجواب : أن متابعة مايهوى الكفار من أجل تأليف قلوبهم على الإسلام لاينتهي إلى حد ، والكفار لا يرضون مهما تنازل المسلم لهم أو وافقهم فيما يهوون ، وقد بين ربنا ذلك ، فلا حاجة لنا إلى إقامة التجارب ، قال تعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ، قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ) سورة البقرة آية : 120 .

قال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله : " وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضى الله في دعائهم إلى ما بعثك الله من الحق " [11]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " فانظر كيف قال في الخبر ( ملتهم ) وقال في النهي ( أهوائهم ) لأن القوم لايرضون إلا باتباع الملة مطلقا ، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير ، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه كما تقدم ". [12]

وقال تعالى ( ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق ، لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا .. الآية ) سورة المائدة آية : 48 .

قال القرطبي رحمه الله : " يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين ، والشرعة والشريعة الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى النجاة ، والشريعة في اللغة : الطريق الذي يتوصل به إلى الماء ، والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين " [13].

قلت : وتأمل كيف أن الله تعالى لما نهى عن اتباع أهوائهم أكد على أن لكل منكم شرعة ومنهاجاً ، وقد تقدم أن الأعياد من جملة الشرائع لكل أمة ، فلا نتابعهم في شرائعهم ومناهجهم ، فإن القوم لا يرضون بغير اتباع ملتهم .

أما دعوى التأليف التي يدعو إليها الشيخ فتكون بغير المشاركة في هذا المنكر العظيم ، وقد استدل الشيخ بقوله تعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) سورة الممتحنة آية : 8 .

قال ابن كثير رحمه الله : " أي لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة الذين لا يقاتلونكم في الدين كالنساء والضعفة منهم ( أن تبروهم ) أي تحسنوا إليهم ( وتقسطوا إليهم ) أي تعدلوا ( إن الله يحب المقسطين ) [14] . فهذا هو الإحسان والقسط الذي أذن الله تعالى فيه ، فأين ما يدل في الآية على مشاركة الكفار في أعيادهم !!

الثامنة :


وهي لب البحث ، فالشيخ وفقه الله لم يقم دليلاً واحداً خاصاً على جواز ما ذهب إليه من حضور ومشاركة الكفار في أعيادهم ، ولن يجد في ذلك إلا أدلة المنع والتشديد في خطورة هذه المشاركة ، فمن الأدلة والآثار في ذلك مايلي :

الدليل الأول :

قوله تعالى في وصف المؤمنين ( والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ) سورة المؤمنون آية : 72 ، قال أبو العالية وطاووس ومحمد بن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم : هي أعياد المشركين [15].

قال ابن القيم رحمه الله : وتأمل كيف قال سبحانه ( لا يشهدون الزور ) ولم يقل بالزور ، لأن ( يشهدون ) بمعنى : يحضرون ، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور فكيف بالتكلم به وفعله !! [16]

الدليل الثاني :

عن أنس رضي الله عنه قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال ( قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما ، يوم الأضحى ويوم الفطر ) .[17]

فدل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن لأصحابه في مشاركة المشركين في أعيادهم مع كون المسلمين قلة ، وفي بداية نهضة الإسلام ، ويحتاجون إلى تأليف قلوب أعدائهم عليهم ، ومع ذلك لم يرخص لهم في ذلك .

الدليل الثالث :

عن عائشة رضي الله عنها قالت : " دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث ، قالت وليستا بمغنيتين ، فقال أبوبكر : أمزامير الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم !! وذلك في يوم عيد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { دعهما يا أبابكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا } متفق عليه . [18]

قال شيخ الإسلام رحمه الله : " قوله { إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا } فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم ، كما أن الله سبحانه قال ( ولكل وجهة هو موليها ) وقال ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم ، وذلك أن اللام تورث الاختصاص ، فإذا كان لليهود عيد وللنصارى عيد كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه ، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم ، وكذلك أيضاً على هذا لا ندعهم يشركوننا في عيدنا ". [19]

الدليل الرابع :

حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال : نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلاً ببوانة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم { هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ قالوا : لا ، قال : هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا : لا ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم } . [20]

فقوله صلى الله عليه وسلم { هل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ } يفيد أن الموضع المنذور لو كان كذلك لحصل المنع منه صلى الله عليه وسلم للخوف من إحياء أعياد الجاهلية الزمانية وتعظيم البقاع التي يعظمونها بالتعييد فيها ، فإذا كان الأمر كذلك مع أنه لا يظن بالصحابي رضي الله عنه أن يفعل ذلك لو فعله لقصد التعظيم أو الإحياء ومع ذلك احترز النبي صلى الله عليه وسلم لذلك ، فكيف بالمشاركة للكفار في أعيادهم القائمة ، لا يقول بذلك أحد يعلم هذه النصوص !!!

وأما الآثار وكلام الفقهاء :

فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم " وقال رضي الله عنه : " اجتنبوا أعداء الله في عيدهم ". [21]

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال " من بنى ببلاد الأعاجم وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة ". [22]

وورد التشديد في حضور أعياد المشركين عن فقهاء الحنفية ، ففي الفتاوى البزازية قال " الخروج إلى نيروز المجوس والموافقة معهم فيما يفعلون في ذلك اليوم كفر ، وأكثر من يفعل ذلك من كان أسلم منهم فيخرج في ذلك اليوم ويوافق معهم فيصير بذلك كافراً ولا يشعر به ".[23]

وقال عبدالملك بن حبيب من فقهاء المالكية : " وسئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه ". [24]

وقال الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسين بن منصور الطبري الفقيه الشافعي رحمه الله : " ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور ، وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له ، فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع ، نعوذ بالله من سخطه ". [25]

ونص أحمد رحمه الله على أنه لايجوز شهود أعياد اليهود والنصارى ، واحتج بقوله تعالى ( والذين لايشهدون الزور ) قال : الشعانين وأعيادهم . [26]

وقال في الإقناع : " ويحرم شهود عيد اليهود والنصارى " . [27]

وقال في المنتهى : " ويحرم قيام لهم ولمبتدع يجب هجره وتصديرهم وبداءتهم بسلام ، وبـ : كيف أصبحت ؟ أو أمسيت ؟ أو أنت ؟ أو حالك ؟ وتهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم " .[28]

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " مخالطة غير المسلمين في أعيادهم محرمة ، لما في ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان ، وقد قال الله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) ولأن هذه الأعياد إن كانت لمناسبات دينية فإن مشاركتهم فيها تقتضي إقرارهم على هذه الديانة ، والرضى بما هم عليه من الكفر .. " . [29]

التاسعة : قول الشيخ : ولا سبيل لعرض ما عندنا من هدى وخير إلا بتطييب النفوس وتهدئتها لترى الحق فتهتدي إليه ...

هكذا بأسلوب الحصر ، ولقد تحجر الشيخ واسعاً ، فالأساليب الدعوية لا تعد ولا تحصى ، أما من أعرض وتكبر من المشركين فلا يضيرنا ولا ينقصنا ، ومهمتنا البلاغ بدون تنازلات ومن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، والله غني بذاته لا ينفعه إيمان المؤمن ولايضره كفر الكافر ، كما قال تعالى عن نفسه ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ) سورة الزمر آية : 7 ، ومن علم الله فيه خيراً من الكافرين وفقه للهداية سواءً وجد من يدعوه ويطيب نفسه أو لم يجد ، قال تعالى ( ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ..الآية ) سورة الأنفال آية : 23 .

فمهمة العلماء والدعاة إلى الله تربية الناس على الاعتزاز بدينهم لا تقديم التنازلات ليرضى عنا أعداؤنا ، وهذا ما نؤمله في الشيخ وأمثاله .

وفي الختام أوصي كل مسلم ومسلمة أن يتقوا الله تعالى ولا يحضروا أعياد الكفار وأن ينأوا بأنفسهم عن مواضع سخط الله تعالى ومقته ، أسأل الله تعالى أن يوفق الشيخ للرجوع إلى الصواب في هذه المسألة وبيانه للناس ، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ، إنه تعالى خير مسؤول ، والله أعلم وصلى الله وسلم على محمد .

د. عبدالله بن سليمان آل مهنا

almohna9@gmail.com

--------------------------------
[1] أحكام أهل الذمة ( 2/722 ) .
[2] تفسير القرطبي ( 11 /158 ) .
[3] أخرجه ابن أبي حاتم ، انظر فتح القدير للشوكاني ( 3/452 -453 ) .
[4] ملحق بكتاب ( مسألة في الكنائس لابن تيمية ) ( ص 139 ) .
[5] أحكام أهل الذمة ( 1/205 ) .
[6] أخرجه أبو داود ( تهذيب 4/382 ح 3172 ) قال الحافظ ابن حجر : بسند صحيح ، التلخيص الحبير ( 4/180 ) .
[7] المدونة ( 1/417-418 ) .
[8] انظر فتاوى ابن تيمية ( 25/326 ) والاقتضاء له ( 2/524 ) .
[9] أحكام أهل الملل للخلال ( ص 372 ) .
[10] ( 22/438 ) .
[11] تفسير ابن جرير ( 2/562 ) .
[12] اقتضاء الصراط المستقيم ( 1/86 ) .
[13] تفسير القرطبي ( 3/211 ) .
[14] تفسير ابن كثير ( 8/90 ) .
[15] أحكام أهل الملل للخلال ( ص 51 ) وزاد المسير لابن الجوزي ( ص 1024 ) وتفسير ابن كثير ( 6/130 ) .
[16] إغاثة اللهفان ( 1/242 ) .
[17] أخرجه أبوداود ( رقم 1134 ) والنسائي ( 3/179 ) ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : بإسناد صحيح ، وانظر فتح الباري ( 2/513 ) .
[18] ، ( فتح 2/516 ح 952 ) ( نووي 6/182 ) .
[19] الاقتضاء ( 1/446 ) .
[20] تقدم تخريجه .
[21] أخرج الأثرين البيهقي في السنن الكبرى ( 9/234 ) قال شيخ الإسلام في الأول : بإسناد صحيح ، الاقتضاء ( 1/455 ).
[22] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( 9/234 ) .
[23] بهامش الفتاوى الهندية ( 6/333 ) .
[24] انظر : المدخل لابن الحاج ( 1/262 ) والاقتضاء لابن تيمية ( 2/524 ) .
[25] أحكام أهل الذمة ( 2/722 ) .
[26] . فتاوى ابن تيمية ( 25/326 ) .
[27] للحجاوي الحنبلي ( 2/138 ) .
[28] للفتوحي الحنبلي ( 2/244 ) .
[29] فتاوى ابن عثيمين ( 3/32-33 ) .
 



 

 عبدالله آلمهنا
  • الكتب والبحوث العلمية
  • المقالات
  • الخطب المنبرية
  • الصفحة الرئيسية