اطبع هذه الصفحة


ماذا صنعتِ بي يا قناة المجد ؟!

بدر بن علي بن طامي العتيبي

 
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين :
أما بعد :
ففي ليلة من الليلة تابعت في قناة المجد في برنامج [ حياة إنسان ] سيرة طيبة شيّقة للإمام العلامة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى .
فأعجبني إجادة الأخ عبدالرحمن العمري في الجمع ، والإخراج ، وانتقاء الشخصيات التي تتكلم عن ذلك الإمام ...
مع أن من تركوه ، ومن فاتهم من خاصة الشيخ وطلابه كثير ، وهم بيننا أحياء يحملون في صدورهم أخباراً ومآثرَ وقصصاً عجيبة عن ذلك الإمام ...

وبعد أن تم البرنامج أعددت خطاباً لأرسله إلى الأخ العمري في قناة المجد ويضم أربعة أمور :

الأول : الشكر والتقدير على إعداد هذا البرنامج ، وما يضم من جمع وتوثيق طيب لسير أولئك العلماء .

الثاني : العتاب على الاقتضاب مع وجود المساحة الزمانية الكافية في وقت البرنامج ، وكنت أود أن يحشدوا أكبر قدرٍ من اللقاءات مع من هم أهل الشيخ وخاصته من طلابه وأحبابه ، وإنني أعلم منهم الكثير ، وقرأت على جماعة منهم وهم أحياء يرزقون اليوم فيا ليتهم جمعوا العدد الأكبر من هذه الشخصيات وتوثيق كلامهم في الشيخ على تنوّع ما عندهم من فوائد وفرائد عن ذلك الإمام .

الثالث : الدلالة على أسماء علماء السنة المتأخرين الذين ينبغي أن تجدد قناة المجد نشر محاسنهم وبيان سيرتهم للناس ولعلهم سيأتون كالشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع ، والشيخ سليمان بن عبدالرحمن الحمدان ، والشيخ عبدالرحمن بن سعدي ، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي ، والشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم ، وابنه الشيخ محمد بن عبدالرحمن ، والشيخ عبدالله بن محمد بن حميد ، رحمهم الله ، وجماعات لا يحصون ممن تتوق أمنيات العديد من المسلمين في معرفة القدر الأكبر من أخبارهم ، ذكرت هناك جملة منهم ، ولم أذكر إلا من بقي من طلابه جماعة فواتهم عن توثيق التاريخ خسارة كبيرة.

الرابع : عرض الخدمة والمشاركة فيما لو أرادوا أن يصدروا برنامجاً عن شيخي الإمام العلامة شيخ الإسلام عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى ، في هذا البرنامج [ حياة إنسان ]، وهذا هو موجب طرح هذا الموضوع الآن ، فكنت أود أن أساهم ولو باليسير في ذكر مناقب شيخنا وخصاله وبعض عجائب علمه وسيرته ...

حتى وردتني – هذه الليلة - رسالة من أخٍ كريم نصّها :
( حلقة عن شيخك ابن باز رحمه الله في قناة المجد ) ، فقطعت المجلس الذي كنت فيه من محل إقامتي المؤقت ، والتمست قناة المجد حتى وقفت على البرنامج :
فصادفت الشيخ عبدالله التركي وهو يتكلم عن الشيخ ..
ثم تسلسلت أحداث البرنامج ، وأنا ساكن القلب ..
مستقر الأعضاء بغير إرادة ...
حاد النظر للبرنامج ..
مع سبح الذهن في حياة الشيخ ..
مع صوره التي بدأت تتنوع في خاطري في كل لحظة ..
وهو يطأطئ رأسه .
وهو يهذب لحيته ...
وهو يفتل طرف شماغه بيده ...
وهو يضحك ...
وهو يفكر ...
وهو يأكل ...
وهو يتوضأ ....
وهو يصغي لكلام من حدثه ...
وهو حاسر الرأس يؤانس من حوله في مجلس الخاص ...
وهو في البيت ...
وهو في المكتب ..
وهو على عرش المجد والتعليم ...
وهو يتألم من مرضٍ أبكاني لما رأيته يتوجع منه ويمسك برأسه بسببه ولي معه فيه قصة ...
لحظات ... وذكريات مرت في خاطري والبرنامج يُعرض أرى نفسي في كل عبارة من عباراتهم ، وثناء من ثناءاتهم ..
وكأني أنا المتحدث ولا أقول إلا :
صــدق والله [ أعني المتحدث ] ...
رحـمـه الله [ أعني شيخنا ] ....
حتى جاءت لحظة سرد ساعاته الأخيرة ، وأنا أذكرها تلك الليلة :
ليلة الخميس ...
وما ليلة الخميس ...
بعد دخولٍ وخروجٍ من وإلى المستشفى ، وبعد أن شرع شيخنا في درسه أول قدمته إلى الطائف ثم توقف ..
قدمت من سفرٍ قبيل مغرب ذلك اليوم ...
مررت ببيت الوالد وسلمت على الوالدين ، وبعد صلاة المغرب بفترة اتجهت إلى الطائف وفي النية قصد مجلس الشيخ والسلام عليه والسؤال عن حاله !!
أذّن المؤذن قبل أن أصل إلى [ حي عودة ] الذي يسكن فيه الشيخ ..
قلت : أدركه بعد صلاة العشاء إن شاء الله ..
وقفت عند مسجد شيخنا ...
ولما اتجهت إلى باب المسجد رأيت باب منزل الشيخ مفتوح ...
ولا يزال بعض الناس في داخل البيت ..
فعلمت أن الشيخ لا يزال جالساً ...
فقلت لنفسي : لمَ لا أذهب إلى الشيخ وألحق السلام عليه ، وأصحبه إلى المسجد ...
أسرعت ، ودخلت مجلس شيخنا فإذا هو جالس تُقرأ عليه بعض قضايا الطلاق ..
سلمت عليه ... وقبلته بين عينيه ...
وأيم الله عرفني بصوتي ..... وناداني باسمي ... وقال : فلان ؟ .
قلت : نعم ...
وسألني عن الحال بصوت فيه حشرجة المرض ...
ثم جلست فما لبثت إلا وتأهب الشيخ للقيام ...
فقربوا له العربة لتحمله إلى داخل المنزل ...
وربي لقد كانت تلك النظرات منّي للشيخ تبادلها هواجيس وظنون وتقول :
هل آن أن يتحقق دعائي في آخر رمضان !! .
ولسائل أن يسأل وماذا كان ؟! .
فأقول : لعلمي بمرض الشيخ من قبل ، وشدة تعلقي به ، ومحبتي له ، ومحبته لي أيضاً - ولله الحمد - ، رفعت يدي إلى السماء ذات مرة ...
وقلت : اللهم إن أردت أن تقضي بموت شيخنا ابن باز ، اللهم فاجعل وفاته في الطائف ...
خشية أن تفوتني الصلاة عليه ، وملازمته حتى نودعه في قبره ..
عوداً لتصوير آخر نظرة أشاهد الشيخ فيها ...
وكانت الساعة الثامنة تقريباً على قرب إقامة صلاة العشاء ...
ركب على العربة ، وسحبها ابنه أحمد متراجعاً به وبها إلى الوراء حتى دخل إلى الغرفة المجاورة إلى مجلس العامة ..
وأنا واقف أنظر ..
لا أدري عن سبب ذلك الوقوف ....
هل هي نظرة تأمل ؟ .
هل هي نظرة وداع ؟
هل هناك إحساس بفراق ؟
لا أدري ..
المهم أنني وقفت أنظر فيه حتى أغلقوا الباب من دونه ...
خرجت مسرعاً إلى المسجد لأوافق الشيخ حين دخوله للمسجد وأمشي معه حتى أكسب بذلك الوقوف بجانبه .. والصلاة بجواره ... وخدمته ..
وقفت عند باب المسجد ..
انتظرت حتى أقيمت الصلاة .. وكانت الانتظار قصيراً ...
لم تحضر سيارة الشيخ ...
دخلت المسجد ، وبعد الصلاة نظرت لعل الشيخ تأخر لمانع ، فيصلي متأخراً ...
لم أره ...
عرفت أن الشيخ ثقل به المرض ، وأنه عاجز عن شهود الجماعة ..
ركبت سيارتي بعد الصلاة ، وعدت إلى بيت الوالد في مدينة الحوية ...
وتلك الليلة غير أي ليلة من الليالي في سكونها العجيب ، وهدوئها الغريب ..
أقول هذا من واقع الحال .... لا من نسج الخيال .... ولا من حشو المقال ..
فقد وقفت تلك الليلة في ساعة متأخرة من الليلة على نافذة شقتي في الدور الثاني فجأة - والله - من غير قصد ، وقد أشرت إلى ذلك في المرثية التي أنشدتها بعد وفاته ونشرت في الصحف حيث قلت في مطلعها :

يهيم الطرف يتبعه ارتـئـابُ **** بلـيـل والظلام له حـجـاب
ويسأل عن إمـــام بات فينا **** عـلـيلاً يُرتجى فيه الـثـواب

فلا أدري موجب تلك النظرة التأملية في سكون تلك الليلة ..
نمت تلك الليلة ...
وبعد صلاة الفجر .. أردت أن أطرح عن نفسي بعض عناء السفر والسهر فاضطجعت ...
فما إن شرقت الشمس وإلا ويرد عليّ اتصالٌ من أحد المشايخ الفضلاء من بلدٍ آخر ...
وبعد السلام : سألني هل بلغك خبر وفاة الشيخ ابن باز ؟! .
فنفيت ذلك ، وذكرت بأنني كنت عنده ليلة البارحة ، وأنه بخير وقد خرج من المستشفى قبلها بيوم .
فقال : وردني اتصال بأن الشيخ قد مات ، وقالوا بأنه خبر مؤكد .
أقفلت خط الاتصال ، وركبت سيارتي ، واتجهت إلى داخل البلد الطائف ..
ولما وصلت إلى بيت الشيخ واتجهت إلى الباب وكان مقفلاً مع هدوء أمام البيت يوحي بأن لا خبر صحيح !!! ..
وافق وقوفي عند الباب وقوف تلك السيارة فينزل منها شخصان فإذا هما :
شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان .
والشيخ العلامة بكر بن عبدالله أبو زيد .
فسلمت عليهما ، وسألت الشيخ صالح الفوزان : هل الخبر صحيح يا شيخ ؟ ....
فلا أدري : هل قال : لا أدري ، والآن نتأكد ...
أو قال : نعم ، والآن نتأكد ...
وأجزم أنه قال : الله المستعان .
طرقت الباب مواصلاً لطرقي السابق ...
وفُتح لنا ، فدخل المشايخ ودخلت فإذا بالبيت مغتصٌ من خاصة الشيخ في المكتب والمجلس ...
ولا أسمع إلا : عبارات العزاء ، والترحم على الشيخ ، وعيون الجميع تسكب على فراق هذا الإمام ...
وجلست في المكتب مع شيخنا الفوزان وجماعة وأخذ يسأل أحمد عن موته ، وعن غسله والصلاة عليه ، وما دار بين أحمد وخادم الحرمين من قضية وقت الصلاة عليه ودفنه ...
خرجت والقلب يتقطع حسرة على فراق ذلك الإمام ....
وفقدته فقد الابن لأبيه ...
والطالب لمربيه ...
حتى جاءت تلك اللحظات العظام من الصلاة على الشيخ في قصة يطول ذكرها ولعلها تأتي لاحقاً ...
وإنما أردت من ذلك كله بيان آخر لحظاتٍ جمعتني بالشيخ قبل وفاته بثمان ساعات وأثرها في نفسي ...

****

غير أن ذلك البرنامج [ حياة إنسان ] حرك من قلبي كل ما سكن ....
وطرد عن عيني كل وسن ....
وأعاد تلك الليالي في لحظات قلائل ...
ولا أخفي الجميع بأنني بكيت هذه الليلة بكاء شديداً على تلك اللحظات ...
وتلك السنوات التي صحبت فيها الشيخ ....
وذلك المصاب الجلل الذي حل بالعالم الإسلامي بفقده ....
وتلك الثلمة العظيمة التي لا تجد من يسد مكانها ....
وذلك العلم الذي قُبض بموته ...
فكم كان أماناً لأهل الأرض بعلمه ودعائه واقتداء الناس به في الخير ، وقوة رأيه ، ومحبة القلوب له ولفتواه .
فما بالي أخفي دمعتي على من كان في مقام أبي ؟! .
أيلام الرجل في البكاء على أبيه ؟ .
وما بالي أخفي نحيبي على فراق شيخي ؟! .
أيلام طالب العلم على فراق شيخه مربيه ؟! .
فرحمه الله رحمة واسعة ، وجمعنا الله وإياه و والدينا ومشايخنا وأزواجنا وإخواننا وذريتنا وإياكم في جنات النعيم ..
مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ..
والشكر يعود إلى قناة المجد على هذه الخطوة المباركة ، وللأخ عبدالرحمن العمري إن كان يبلغه شكري وسلامي ، والله ولي التوفيق .


كتبه
الفقير إلى ربه العلي
بدر بن علي بن طامي العتيبي

 

أبو ريان الطائفي
  • رسائل
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية