اطبع هذه الصفحة


ابن حفيظ : ينكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم !! .

بدر بن علي بن طامي العتيبي

 
قال في كتابه " مواهب المنان بشرح أحاديث نور الإيمان " في الفوائد والملحقات ص (38) عند شرح الحديث الثامن عشر حديث عائشة ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ) ، قال : (( من أقرب الأمثلة لهذا الحديث أن من في زماننا هذا من يترك الآيات المحكمات في القرآن والأحاديث المحكمة في السنة ويتبع المتشابه , ومن أصرح الأمثلة في ذلك حديث الجارية التي في رواية قال لها مرةً : من ربك ؟ قالت : الله , ومن نبيك ؟ قالت : محمد , قال أعتقها فأنها مؤمنة , وجاء في رواية [ أتشهدين أن لا أله إلا الله ] ، وجاء في رواية : [ أين الله ؟ قالت : في السماء , وجاء في رواية [ أنها أعجمية ] فقال لها : أين الله , فأشارت إلى السماء , قال من أنا فأشارت إليه بالسماء تعني أنه رسول الله ] هذه , روايات أربع , ثلاث منهن محكمات لا إشكال فيها , وواحدة هي التي فيها الإشكال وهي رواية [ أين الله قالت في السماء ] فتجد أن كثيراً تميل قلوبهم و تتعلق بواطنهم بالرواية المتشابهة وهذا إظهار لما وعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولما أخبر وعلم من أعلام نبوته [ فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ] )) ا.هـ
قلت : وهذا من كذب ابن حفيظ ، ولا غرو إذا كان ( إمام ضلالة ) بين يدي ( أتباع حماقة ! ) فغرهم بشكله وجبته وخرقته ، وذكرها مسمى الروايات ، فظنوا أنه من أهل التحقيق !!! .

فيذكر الملبس للحديث أربع روايات !! .
الأولى : رواية قال لها مرةً : من ربك ؟ قالت : الله , ومن نبيك ؟ قالت : محمد , قال أعتقها فأنها مؤمنة .
الثانية : جاء في رواية [ أتشهدين أن لا أله إلا الله ] .
الثالثة : وجاء في رواية : [ أين الله ؟ قالت : في السماء ] .
الرابعة : , وجاء في رواية [ أنها أعجمية ] فقال لها : أين الله , فأشارت إلى السماء , قال من أنا فأشارت إليه بالسماء تعني أنه رسول الله ] .
فأقول : هذا دجل وخطل ، وسوف أسوق أولاً روايات الحديث ثم أنقد قوله .

الحديث رواه مالك في " الموطأ " من حديث هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم ، ولفظه : ( فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فقالت في السماء فقال من أنا فقالت أنت رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها ) هكذا قال الإمام مالك : عمر بن الحكم ، وهو وهم .

ورواه الإمام أحمد من حديث يزيد أخبرنا المسعودي عن عون عن أخيه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة فقال لها من أنا فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها .

ورواه أبو داود الطيالسي من حديث يحي عن هلال عن عطاء عن معاوية به ولفظه : (فقال لها : أين الله ؟ ، قالت : في السماء ، قال : ومن أنا ؟ ، قالت : أنت رسول الله)

ورواه مسلم في " صحيحه " من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ، ولفظه : ( فقال لها أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة ) .

ورواه أبو داود في " سننه " من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ، ولفظه : ( فقال أين الله قالت في السماء قال من أنا قالت أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة ) .

ورواه أبو داود : من حديث يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة ، ولفظه : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله إن علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة فقال لها من أنا فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها .

ورواه النسائي في " السنن " من حديث يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة قال حدثني عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي ، ولفظه : ( فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله عز وجل قالت في السماء قال فمن أنا قالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها مؤمنة فاعتقها ) .
ورواه في " الكبرى " في كتاب ( النعوت – أي الصفات - ) بمثل ذلك .

وكذلك رواه سائر من أخرجه من الأئمة كالبخاري في " خلق أفعال العباد " ، وغيره .
قال الإمام ابن قدامة في " كتاب العلو " [ ص : 47 ] : هذا حديث صحيح ، رواه مسلم في " صحيحه " ومالك في " موطئه " وأبو داود والنسائي وأبو داود الطيالسي .

فهذه روايات الحديث عند هؤلاء الأئمة ، كلها متفقة على السؤال عن الله تعالى بـ (الأين) ، وإخبار الجارية له بـ : أن الله في السماء ، وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لها بالإيمان .
فأما الراويات التي ذكرها ابن حفيظ ! :
فالأولى ، وهي قوله صلى الله عليه وسلم : من ربكِ.
فهذا من كذبه وتلبيسه فلم يرد هذا اللفظ في حديث الجارية مطلقاً ! ، وإنما جاء في حديث آخر رواه النسائي قال : أخبرنا موسى بن سعيد قال حدثنا هشام بن عبد الملك قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد بن سويد الثقفي قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن أمي أوصت أن تعتق عنها رقبة وإن عندي جارية نوبية أفيجزئ عني أن أعتقها عنها قال ائتني بها فأتيته بها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم من ربك ؟ ، قالت : الله ، قال : من أنا ، قالت : أنت رسول الله ، قال : فأعتقها فإنها مؤمنة .

وفي رواية الإمام أحمد: عن الشريد أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة مؤمنة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : عندي جارية سوداء أو نوبية فأعتقها ، فقال ائت بها ، فدعوتها ، فجاءت فقال لها : من ربك ؟ ، قالت : الله ، قال : من أنا ؟ ، فقالت : أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة .

ومثله ما ذكره ابن حفيظ في الرواية الثانية من قوله ::ص : [ أتشهدين أن لا إله إلا الله ] ، وهي عند الإمام مالك في " الموطأ " عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجارية له سوداء فقال : يا رسول الله ، إن علي رقبة مؤمنة فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ ، قالت : نعم ، قال : أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ ، قالت : نعم ، قال : أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ ، قالت : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعتقها .

وهذه قصة مغايرة لقصة معاوية بن الحكم السابقة رواها الإمام أحمد في " المسند " والدارمي في " السنن " وسمى الصحابي وهو الشريد بن سويد ، إضافة إلى أن في القصة هنا ما يدل على المغايرة ، ففيها بيان السبب وهو أن عليه كفارة عتق رقبة ! ، أما في حديث معاوية ، فليس عليه كفارة ، وإنما أراد أن يعتقها مقابل ضربه لها .
وبقية الروايات التي ذكرها ابن حفيظ ! معناها واحد ! ، فالثالثة : هي المشهورة الواضحة ، والرابعة في ذكر الأعجمية – وإن كان سندها ضعيف – إلا أنها لا تخالف رواية الأئمة ، ففيها : (فقال لها أين الله ، فأشارت إلى السماء بأصبعها ، فقال لها فمن أنا فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء يعني أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة ) .
فسألها : أين الله ، فأشارت بأصبعها إلى السماء .

وسألها من أنا ؟ ، فأشارت بإشارتين الأولى إلى الرسول : لتحقيق معنا الرسالة ، والثانية : إلى السماء ، لتحقيق معنا : أنه مرسل من الله الذي في السماء – أي العلو والفوقية .
وكما تقدم الإشارة إليه أن هذه الرواية ضعيفة لضعف المسعودي في هذه الطريق بخاصة ، وللاختلاف عليه في إسناده ، وللمخالفة في متنه ! ، فالرواية الصحيحة في " الموطأ " و " صحيح مسلم " وغيرهما ، أنها : تكلمت ، ولم تشر بأصبعها ، وقالت : أنت رسول الله ، فتنفي صفة العجمة ! .
فمن الذي يتبع المتشابه بعد هذا ؟ .
أليس هو الذي يترك الروايات الواضحات التي رواها هؤلاء الأئمة ، ثم يلّفق على السامعين برواياتٍ لم ترد في الحديث أصلا ؟! .
ألا لعنة الله على الكاذبين .
ألا فاحذروا من يتبع المتشابه فإنه من الذين سمى الله ممن في قلوبهم زيغ والعياذ بالله .

قال الذهبي في " العلو " :
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم ، يمرونه كما جاء ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف ، وهكذا رأينا كل من يسأل : أين الله ؟ ، يبادر بفطرته ويقول : في السماء ، ففي الخبر مسالتان :
إحداهما : شرعية قول المسلم : أين الله .
الثانية : قول المسؤول : في السماء .
فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى ::ص .
انتهى كلامه .

تكرار للتنبيه : فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه وسلم .
قلت وكذا فيه : جواز الإشارة إلى السماء دلالة على علو الله تعالى ، وقد جاءت الإشارة إلى السماء دلالة على العلو في أحاديث عدة .
والله أعلم

 

أبو ريان الطائفي
  • رسائل
  • مقالات
  • الصفحة الرئيسية