اطبع هذه الصفحة


ولاية المتغلب (3) : الدليل الثاني: يقودكم بكتاب الله ويقيم فيكم الدين

أبو محمد بن عبدالله


في المقالة السابقة هــــنا ذكرنا أصل وجوب الطاعة، وأنه لا يُطاع من الحكام إلا مَن كان مِنَّا، وأنه «لا طاعة لمن عصى الله» أصلًا، وفي هذه مع الدليل الثاني؛ وهو يتضمن الشرط الثاني للطاعة، مع ملاحظة أن الشروط تعمل مع بعضها مجتمعة، وتَخَلُّفُ واحدٌ منها مانعٌ من الطاعة.

الدليل الثاني: يقودكم بكتاب الله


في الحلقة السابقة تكلمنا عن شرط الآية في الحاكم والأمير {منكم}، وبيَّنا أن المقصود هو أن يكون في طاعة الله وكطاعة رسوله منفذ للشريعة، وإلا لم تثبت له طاعة أصلا. ولقائل متملص متمحِّلٍ أن يقول: الآية تقول: {وأولي الأمر منكم} فهم منَّا وإن لم يحكموا بالشريعة، ولا يرى الأمر بالصراحة الصادمة، فإليه الدليل الثاتي التالي:

: فأضف إلى ذلك شرط الولاية الذي وضعه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أُمِّر عليكم عبدٌ مجدَّع - حسبتها قالت أسود- يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا»( مسلم، صحيح مسلم، كتاب الإمارة (33)، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية (8)، حديث (1838)، 2، 892) وفي ألفاظه الأخرى الصحيحة كلها:«ما قادكم بكتاب الله»، «ما أقام لكم كتاب الله». وقد وجدتُ صاحب "التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" ينسبه للبخاري حيث قال: "والذي في البخاري من حديث أنس بلفظ: «ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله»، ولم أجد هذا اللفظ عند البخاري، فالله أعلم، ويكفينا أنه في صحيح مسلم كما سبق. وفي السنن والمسانيد وفي ألفاظه أيضًا: «ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل» و «مَا أَقَامَ لَكُمْ دِينَ اللَّهِ».

وهذا الحديث يبين أن الحاكم المتغلب مِمَّا يشترط لصحة طاعته أن يقود الأمة بكتاب الله، ويدعوها إليه، وهذا واضح في كل روايات الحديث بدون استثناء: «ما قادكم بكتاب الله»، «ما أقام لكم كتاب الله»، «يقودكم بكتاب الله»، «ما أقام فيكم كتاب الله عز وجل»، «مَا أَقَامَ لَكُمْ دِينَ اللَّهِ،» ووجه الدلالة منه أنه متغلب أن في الحديث: «أُمِّر عليكم»، ولم يقل أمرتموه، فليس باختيارنا، وإنما بالغلبة علينا، وإن كان هذا الاستدلال ليس قويًّا، لأنه يمكن أن يقصد أمَّره عليكم أهل الحل والعقد، فوجبت طاعته على الجميع. والوجه الثاني وهو أقوى: أنه عبد حبشي، والعبيد لا يجوز للأمة أن توليهم أمرها مختارة، ولا أن تقدمهم عليها راضية، بل لا يُعدل عن القرشي ما وُجِد لذلك سبيلا، وإلا كبَّ الله مُنازعَهم على وجهه في النار كما في الحديث، فكونه عبدًا حبشيًّا متأمِّرا، فمعناه أنه شغل هذا المنصب غصبًا عن المسلمين وقهرًا لهم، فهو متغلب، ومع ذلك لا يُقَرُّ ولا يصبر عليه إلا أن يقودَنا بكتاب الله ويقيمه فينا، فعندئذ وعندئذ فقط نسمع له ونطيع، إخمادًا للفتنة، ولو استطعنا أن نغيره بغير فتنة ولا مفسدة غيرناه ونولِّي قرشيًّا، ولو قادنا بكتاب الله، حتى لا يحكمنا العبيد! فما بالك إذا كان حكامنا عبيد يهود أو عملاء لهم-أو أمهاتهم يهوديات-، يُنفَذون فينا مخططاتهم لا كتاب الله، ويقيمون فينا ويقودوننا بالياسق والفاسق من قوانين الكفر والضلال، كما كان قديمًا جنكزخان، والآن السيسيخان ومباركخان والملكخان والأميرخان، والرئيسخان والوزيرخان وحتى الشَّيخَّان والقسيسخان.. وكل من خان؟!.. خان اللهَ ورسولَه والأمانات والمؤمنين!

قال النووي في شرحه: "فأمر صلى الله عليه وسلم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى، قال العلماء : معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم، ولا يشق عليهم العصا.ا هـ". وتلاحظ في الحديث أنه يمكن أن يحكمَ المسلمين ويقودهم الأعبدُ والسودُ، مهما كانت أصولهم وألوانهم، -رغم أنها مخالفة- لكن الشرط الذي لا تنازل عنه هو الحكم بالإسلام والقيادة بكتاب الله، لا بالقوانين الوضعية المضادة له، فهو يفقد شرعيته بمجرد أن يترك كتابَ الله فلا يحكم به بين رعيته، حتى لو كان قرشيًّا.. كم في الدليل التالي:

الدليل الثالث: ما أقاموا الدين


يُشترط لطاعة الحاكم أو الأمر أن يقيم الدين في الأمة، وهي مهمته الأساسية في السلطة؛ حتى لو كان قرشيًّا حُرًّا– في قمة العرب الأقحاح-، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين»(البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المناقب(61) باب مناقب قريش (2) حديث (3500)، 2، 504.).ومع أن كثيرًا من الأحاديث "جعلت الإمامة في قريش، ولكن في بعضها زيادة مقبولة تقطع بأن الأمر لم يُجعل في قريش مطلقًا من كل قيد، وإنما هو لقريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره، فإذا عصوه سقط حقهم في الإمامة"[عبد القادر عودة (-1375هـ/ 1954م)، الإسلام وأوضاعنا السياسية، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1401هـ/ 1981م، 143، 144].

قال ابن حجر في الفتح في «ما أقاموا الدي»: "أي مدة إقامتهم أمور الدين، قيل يحتمل أن يكون مفهومه فإذا لم يقيموه لا يسمع لهم، وقيل يحتمل أن لا يقام عليهم وإن كان لا يجوز إبقاؤهم على ذلك، ذكرهما ابن التين". وعندئذ يرجح المفضول عليهم، إذا أقام الدين وقاد الأمة بكتاب الله. وقال مصطفى ديب البغا «ما أقاموا الدين»: أي تجب طاعتهم وعدم منازعتهم طالما أنهم يقيمون شرع الله عز وجل ويلتزمون حدوده فإن قصَّروا في ذلك أو تجاوزوه جازت منازعتهم وسقطت طاعتهم" [في التعليق على البخاري:(3/1289) حديث 3309].
و(ما) هنا تحمل معنى الشرط، اي بشرط أن يقيموا الدين، فأولئك (ما) أقاموا الدين شرطًا، أي:إذا أقاموه، وهؤلاء (ما) أقاموا الدين نفيًا، أي: لم يقيموه؛ فشتان شتان.

وقال ابن بطال وقوله عليه السلام: «اسمع وأطع» يدل على أن طاعة المتغلب واجبة؛ لأنه لما قال «حبشى»، وقد قال: «الخلافة فى قريش»، دل أن الحبشي إنما يكون متغلبًا، والفقهاء مجمعون على أن طاعة المتغلب واجبة ما أقــام على الجمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم في الأغلب"[ابن بطال، شرح صحيح البخاري:2/ 327]. فلاحِظوا يا رعاكم الله- كيف أوجب طاعة المتغلب، ثم بين من هو المتغلب المطاع؛ (ما أقام على الجمعات والأعياد والجهاد وأنصف المظلوم في الأغلب) أي أقام الدين وأقام كتاب الله وقاد به ورفع رايو الجهاد لتحرير الإنسان والأوطان؛ كما في الأحاديث السابقة، وليس أي متغلب كما يزعم الزاعمون! فكيف إذا كان يحاصر المجاهدين ويقتلهم كما في غزة؟!

فأي صفة من هذه الصفات أو شرط منها تحقق في هذا المنقلب المتغلب، أو في أي متغلب آخر ممن يجثمون على صدور أمة التوحيد والإسلام؟
فهل أقام الجمعة أم أنه أغلق المساجد وأحرقها ومن فيها، وهم آمنون يدعون الله ويطالبون بحقوقهم سلميًّا؟
هل أنصف الناس أم قسَّمهم أنصافًا، وسلط بعضهم على بعض؟ بالإعلام والإعدام؟!
هل أوقف الدخولُ تحت طاعته الدماءَ، أم أنها جرت أنهارًا؟
هل صِينت الأعراض أم أنها ضاعت بالنهب والاغتصاب؟
وقال المهلب قوله: «اسمع وأطع لحبشي»، يريد في المعروف لا في المعاصي، فتسمع له وتطيع في الحق، وتعفو عما يرتكب في نفسه من المعاصي ما لم يأمر بنقض شريعة، ولا بهتك حرمة لله تعالى، فإذا فعل ذلك فعلى الناس الإنكار عليه بقدر الاستطاعة، فإن لم يستطيعوا لزموا بيوتهم أو خرجوا من البلدة إلى موضع الحق إن كان موجودًا"[انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال: 2/328]
وهنا يقول: "ما لم يأمر بنقض الشريعة" "ولا بِهَتْكِ حرمة الله تعالى"، فقل لـي بربك:
أيّ شريعة لم ينقضوها؟ هل أقاموا منها حكما أو حدًّا واحدًا؟
وأيّ حرمة حرَّمَها الله لم ينتهكوها؟ في الأموال والأعراض والضرورات الخمس؟
وأيّ حدٍّ من حدود الله لم يعطلوه؟
وكم من وكرٍ للدعاة والخمر والخلاعة أغلقوه؟
وأي شاطئ عارٍ كسوه أو كنسوه أو وكسوه ؟
وأيّ راية للجهاد رفعوها، بل أي راية رفعها الشباب للجهاد ولم ينكسوها ويحاربوها مع الكفار الأصليين، كما في فلسطين مثلا؟
أيّ جيوش جيَّشوها من جيوش الأمصار (العظيمة) لتحرير المعتقلات والأسيرات فضلا عن الأسرى والمعتقلين؟
أيّ أرض مسلمة حرَّروها، من قصر الحمراء في الروس إلى الأندلس؟!
أي قدس شريف قدَّسوه بعد أن جاء يهود فدنَّسوه؟
أية علاقة مع صهيوني محارب قطعوها؟
أي نخامة المعتصم فضلا عن نخوته، جاءوا بمثلها، والتي قال فيها القائل:

ربّ وامعتصماه انطلقت --- ملء أفواه (الضحايا) اليُتَّمِ
لامست أسماعهم، لكنها --- لم تلامس نخوة المعتصم

فأما المعتصم- رحمه الله- فقد جيَّش الجيوش(العظيمة) وجنَّد الجند الكثيرة، لصرخة امرأة... لصرخة أَمَةٍ واحدة، لا صرخة أُمَّةٍ كاملة! وأما هؤلاء (المُتَعَصِّمون المتغلبون) فالأُمَّة تصرخ تحت أقدامهم! والأَمَة تغتصب في زنازنهم!

أيْنَك يا أمير رسول الله؟


ثم نعود إلى الحديث الأول، الذي أوردناه في المقال السابقة، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم:«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني»(متفق عليه).
فهل هذا هو أمير رسول الله الذي أمرنا بطاعته، فتكون طاعة لله سبحانه؟! وهل ترضون أن تنسبوا إلى رسول الله أمثال هؤلاء الأنذال؟ وهل يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون أمراؤه يحاربون الشريعة، ويقتلون المطالبين بتطبيقها؟ هل أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين نسبهم إلى نفسه وأمرنا بطاعتهم هم الذين يعطلون الشريعة، بحدودها وأحكامها. هل أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين نسبهم إلى نفسه وأمرنا بطاعتهم هم الذين يحرقون المساجد ويهدمونها على رؤوس من فيها، بينما هم يبنون ما انهدم من كنائس النصارى على حساب ميزانية الجيش المصري العظيم؟! بل بمال الشعب المسلم الهضيم الكظيم! هل أمراء الرسول صلى الله عليه وسلم الذين نسبهم إلى نفسه وأمرنا بطاعتهم هم الذين يعينون أمثال هؤلاء على الانقلاب على حكامهم المنتخَبين وقتل معارضيهم؟!
وبعد أن أذكركم ونفسي بالحياء من رسول الله وإجلاله، أترك لكم الإجابة عن هذه الأسئلة وأمثالها.

وهذا الدليل وهذا الشرط السابق يُلزِم حتى الذِّين لا يُكفِّرون بترك الحكم بما أنزل الله واستبداله بغيره من زبالات الأذهان من القوانين الوضعية. فحتى باعتبار هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله مسلمين فإنه يشترط للسمع لهم والطاعة حكمُهم بشريعة الله. أمَّا إذا كانت الأخرى فقد تركناها الأخيرة.

كــــان هذا في الشرط الأول والأساس في طاعة أي حاكم، منتخبًا كان أو مُعيَّنا فضلا عن يكون متغلبًا منقلبًا..

وفي حلقتنا التالية-إن شاء الله تعالى- نستكمل مع الشروط.. ففضلا منكم انتظرونا وتَحمَّلونا ولا تُحَمِّلونا.

اللهم هل بلَّغت.. اللهم فاشهد

ويُتبع إن شاء الله ببقية الشروط والضوابط، (4): استتباب الأمن وسكون الدهماء

يمكن مراجعة المقالات السابقة من هذه السلسلة:


ولاية المتغلب (1) من هو المتغلب؟ وما ولايته؟

ولاية المتغلب (2): من هو الحاكم المطاع؟

ولاية المتغلب (3): الدليل الثاني: يقودكم بكتاب الله ويقيم فيكم الدين

ولاية المتغلب (4) استتبابُ الأمن وسكونُ الدهماء

ولاية المتغلب (5): الخليفة الثاني والطالب الحريص

ولاية المتغلب(6): المتغلب على حي والمتغلب في فراغ

ولاية المتغلب (7): حملوا السلاح علينا. فليسوا مِنَّا

ولاية المتغلب (8): شرط الإسلام في الولاية

ولاية المتغلب (9): ملخص شروط وموانع طاعة المتغلب

ولاية المتغلب (10): على هامش ولاية المتغلب

ولاية المتغلب (11): ومِن التشبُّه بالكفار!

 

أبومحمدعبدالله
  • المقالات
  • سلاسل علمية
  • الصفحة الرئيسية