اطبع هذه الصفحة


يومَ فقدتُ أمي .

عادل بن عبدالعزيز المحلاوي
@adelalmhlawi


لم أظنَّ يومًا من الأيام أني سأكتب عن وفاة أمي - رحمها الله - وكيف تكتب عن روحك ونور بصرك ودم فؤادك ، وأصلٌ أنت قطعة منه ؟!
لكنّه قضاء الله وقدره الذي رضينا به وآمنا به " وكل قضاء ربنا خير "

أيقن يا أخي وأيقني أخيتي ..
أنّ أعظم الفقد فقد الأمِّ ، ولن يُسلّي المرء في فقدها إلا تذكّر رحمة الله بأهل الإسلام وإكرامه لهم ، وأنّ ما عنده خيرٌ لهم من بقية الدنيا .

أعظم المصائب رحيل من لا تُعوّض بأهل الدنيا كلهم ، ولا يسد مكانها أحدٌ من البشر .
وأشد الآلام يوم تجد نفسك وقد فقدت من كانت تملأ عليك الدنيا ، وتهوّن عليك كل جلل ، وتنير دنياك دعواتها ، وترى بركة حياتها في حياتك ، وتعيش معها لحظات الأنس والرضا .

ألمٌ شديد لن يشعر به الفاقد لأمّه على الحقيقة إلا يوم يفقدها على أرض الواقع - أطال الله في أعمار أمهاتكم - وإذا كان الله قد سمى الموت بحقيقته العامّة " مصيبة " فكيف هو بفقد الأمّ ؟!

سيبحث هذا الفاقد لأمِّه عن أجمل وجه في الوجود فلا يجده ، وسيتمنى هذا الموجوع أن يمسّ جسدها الطاهر فلا يتمكن منه .
سيمضي - كعادته إن كان موفقًا - لمجلسها العامر الذي كان يجتمع فيه معها فيجده خاليًا منها .. فيا للوعة قلبه ، ويا لحزن فؤاده !!!
فأي مصاب بالله عليكم أعظم من هذا المُصاب ؟!
وأي حرمان أشدُّ من هذا الحرمان ؟!

إذا فقد المرء أمه فقد أُغلق دونه باب للجنّة كان مفتوحًا له - وهذا أعظم مايحزّ في القلب - ولكنّ الله يعوّضه بجريان أعمال البِّر بعد الممات .

بفقد الأم ، يفقد الابن أصدق دعاء كان يُرفع له إلى السماء - وهذا الذي لا يُعوّض بحال - .
يفقد الحبيبة التي تُعطي دون انتظار رد ، وتُحسن دون مِنّة ، وتسعى السعي الحثيث لنفع ولدها دون انتظار مقابل .
تأخذ اللقمة من فمها لتُعطيه ، وتنزع من روحها السعادة لتدفعها إليه ، فقل لي بربك من أين لك هذا العوض ؟!

الحياة مع الأم والقرب منها حياة تختلف في لحظاتها ، والجلوس معها ليس كالجلوس مع من سواها .
إذا جلست معها تشعر بالأمان والطمأنينة ، فأحسن في الجلوس معها ولا تنصرف عنها بحال .

أيها المتمكّن من البِّر اليوم ، زد فيه زيادة لا تندم معها يوم يُغلق في وجهك الباب .
متّع بصرك بإدامة النظر إلى قسمات وجهها الطاهر .
رطّب سمعك بسماع صوتها الرخيم .
اجلس معها وآثرها على كلِّ جليس .
أحسن إليها بجميع أنواع الإحسان ( القولي والفعلي والنفسي والمالي ) آنس وحشتها واملأ وحدتها خصوصًا إذا ذهب عنها أكثر أولادها .
أنفق عليها ؛ فالنفقة عليها بركة لك في حياتك ومالك .

فقدتُ أمي عصر يوم الخميس ، الخامس عشر من ربيع الآخر لعام ألف وأربع مئة وواحد وأربعين بعد معاناة شديدة مع المرض ، وكانت صابرة محتسبة .
لا أذكر أنَّها أظهرت شكوى لمرضها أو أبدت اعتراضًا على قضاء الله وقدره ، بل الاستسلام المطلق ، والصبر الجميل الذي لاشكوى معه .
وممّا هوّن الفقد لأمنا علمنا أنّها قد وفدت على كريم رحيم أرحم بها منّا ، وقد اختارها لجواره ، وثناء النّاس عليها ، وذكرها الطيب في العالمين ، وما ختم الله لها به من الوفاة ليلة الجمعة لتأمن برحمة الله من عذاب القبر ، وجنازتها المشهودة العظيمة حتى قال لي بعض الإخوة لم يجتمع لأحد قبلها مثل هذا الجمع .

فاللهم اغفر لأمي وارفع درجتها في المهديين ، وافسح لها في قبرها ونوّر لها فيه ، واجعلها من أهل فردوسك الأعلى .
اللهم اجعل هذا المقال صدقةً جارية لها ما انتفع به منتفع ، وسبباً لإحسان الأبناء لأمهاتهم ، وطريقًا لزيادة المحسن البار ، وتذكرة للمعرض المقصّر .
اللهم آمين .


كتبه حامدًا لربه مصليًّا على نبيه عليه الصلاة والسلام / عادل بن عبدالعزيز المحلاوي ١٤٤١/٤/٢٤ هجري .

 

عادل المحلاوي
  • رسائل دعوية
  • مقالات موسمية
  • كتب
  • مقالات أسرية
  • خطب الجمعة
  • الصفحة الرئيسية