اطبع هذه الصفحة


لنعمل للنجاة منها

عادل بن عبدالعزيز المحلاوي
@adelalmhlawi



✍️ الحمد لله العليم الحكيم ، اللطيف الخبير ، والصلاة والسلام على الناصح الأمين ، محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد /

فكثيرون لا يقرؤون عن النار وعذابها ( بل ربما أنت الأن ستتوقف عن القراءة ) لأنّك لا تريد ذكرها يطوف بخاطرك - فضلاً عن أن تقرأ عنها - ولكنّ هذا المسلك غير سديد ، ومنهج غير رشيد ، فقد ذكرها الله في كتابه كثيراً لنتعرّف عليها ونحذرها ، ونعمل للنجاة منها ، بل جعل التعريف ببعض صور عذابها مِنّة من مننه على العباد ، فقال في سورة الرحمن - وقد ذكر عذاب أهلها فيها - :
" يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ " .

وشأن العاقل في أموره كلِّها أن يسعى في نفع نفسه وإبعاد الشر عنها ، فكيف إذا كان في أعظم مخوِّف خوّف الله به العباد !؟ قال تعالى " فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ " .

فجدير بالعاقل أن يقرأ وهذا لاشك خير له من الغفلة عنها ، لأنّ الجهل بها لا يجعله يعمل للنجاة فيكثر تفريطه ، واقتحامه الذنوب ، ويعرّض نفسه لعذابها وحرها - أعاذنا الله من شرها - .

استوقفتني هذه الآية وهي قوله تعالى :
" وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ " ( سورة طه : 127 ) تأملها - بالله عليك - جيداً ، وأعد قراءتها مراراً :
" وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ "

العذاب مؤلم ولو كان قليلاً وبسيطاً ، فكيف بعذاب شديد وطويل بل ربما سرمدي أبدي - عافنا يا الله - .

نار الآخرة : شديد حرها ، بعيد قعرها ، قد جمعت جميع صنوف العذاب ، فهي نارٌ محرقة تنضج من شدة حرها الأجساد ، وتسوّد من بالغ لظاها الوجوه .

ألمها لا يُطاق ، والهروب منها مُحال ، والخروج منها قد أيس منه أهلُها ، ف ( هم فيها خالدون ) .

ماظنك بألم نار أهلها هم من يوقدها ، وتُشعلها أجسادهم !

وكيف تصوّرك لعذاب لا ينتهي لحظة ، ولا يرتاح معه أهله ساعة !
قال بعض السلف لبعض إخوانه :
" احذرك طول السهر مع عذاب الخلود "

يصيبُ أهلها - أعاذنا الله منها - حرُ نار تلتهب ، وعطش أجواف لا ينقطع ، وجوع بطون لا ينتهي ، وطول سهر في عذاب لا ينقضي .

عذابٌ قد بلغ في الألم منتهاه ، وفي شدته مداها ، أليست نارُ دنيانا محرقة ومؤلمة ؟ فما ظنّك بنارٍ قد ضوعف حرها عليها بتسع وستين ضِعفاً - هذه وربي نار الآخرة - .

يصيب الجوعُ أهل النّار - أجارنا اللهُ منها - فيطلبون الطعام فلا يجدون إلا قيح ودم ، وطعام تتقطع معه أشداقهم ، وتتشقق له أفواههم .

وتطلب نفوسُهم الماء فيُغاثون بماء شديد قد اشتد حره وتعدت درجة غليانه بمالايُقاس حتى إذا قرّبه شاربُه من فمه سقطت فروة وجهه فيشرب لشدة الحاجة فتنصهر له أمعاؤه .

لباس أهلها عذاب من أنواع العذاب يُضاف لعذابهم ، فالمرء يطلب اللباس للزينة والترفيه فإذا به زيادة من العذاب ، فأنّى الراحة لتلك الأجساد !؟

السلاسل والأغلال قد قُيّد بها أهل النّار فلا هروب ولا حركة ولا تحوّل ولا تخفّف من العذاب .
سلاسلٌ قدرُ بعضها سبعون ذراعاً تدخل من فِيه وتخرج من دبره .

وأغلال تُغل اليدين إلى الأعناق ، وحديد من نار قد التصق بتلك الأبدان ، فلِما المغامرة بهذه الأجساد !؟

أهل النّار لضعفهم يدفعون النار بوجوههم - والوجه هو أشرف شيء ، وألطف شيء ، وأشد جزءًا في الجسد ألماً - ومع ذا فهو الذي يُدفع به العذاب ، فنعوذ بالله من هذا العذاب ، قال تعالى :
" أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ " ( سورة الزمر : 24) فما أصبر أهل النّار عليها !

من عذاب أهل النار - وكل حياتهم فيها عذاب - أنّهم لا يعرفون للنوم طريقاً ، ولا للراحة سبيلاً ، فهم يتقلبون بين أصناف العذاب في كل وقت وآن ، فأي حال سيكونون عليها !؟

ماظنّك بدار لا يُقال لأهلها إلا :
" فلن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا " !؟

وماظنّك بمسكن قد مُلأ على أهلُه ناراً ، وأُطبق عليهم بإطباق محكم ، وإغلاق لا يُفتح ، فانشغل كلُّ واحد بنفسه " لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ " (سورة الأنبياء : 100)

يُنادي أهلُ النّار أهلَ الجنّة بأن يسقوهم ماءً فقد تقطعت أكبادُهم ، فيأتيهم الجواب :
" إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافرين "
ثمّ يُنادون ملآئكة النار ويسألونهم أن يخفّف الله عنهم يوماً - تخيّل يريدون يرتاحون يوماً من العذاب - فلا يُجابون لأنّهم كانوا مستكبرين عن دعوة الرسل ، والإستجابة لأمر ربهم ، فتجيبهم الملآئكةُ أنّ دعاءكم في ضلال ولن تجدوا له مجيباً .

وينادون مالكاً - خازن جهنم - بأن يقضي عليهم ربهم ، فيأتي الجواب - الذي لو قُدّر لأحد أن يموت عند سماعه لمات - : " إِنَّكُم مَّاكِثُونَ " ( سورة الزخرف : 77) .

فيلجأون في آخر أمرهم لربهم وينادونه ليُخرجهم ليعملوا صالحاً - وقد كذبوا - فقد جاءتهم الرسل والنذر ولكنّهم تكبروا عن أوامر الله ، فلم يوحدوا ربهم ولم يصلوا له ولم يطيعوه ، فيأتيهم الجواب القاطع لكل أمل :
" اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ " (سورة المؤمنون : 108)

فأي عاقل يسمع بمثل هذا العذاب ولا يسع لفكاك رقبته منه !
وأي ناصح لنفسه يُقحم نفسه أسباب هذا العذاب .

أيها الخائف من هذه النار :


* توحيدك وبعدك عن الشرك ينجيك من النار .
* صلاتك وأداؤها في وقتها ، والإهتمام بها وقاية من النار .
* زكاتك وإخراج حق المال في سبيل الله ، والصدقة والإحسان منج لك من النار .
* بِرك لوالديك وإحسانك إليهم حماية لك من النار .
* بعدك عن الحرام بجميع صوره - خصوصاً الكبائر - حافظٌ لك من النار .
* سترك وعفافك - أيتها المرأة - سبب لنجاتك من النار .
* حفظ لسانك عن الغيبة والنميمة وقول الزور والباطل يباعدك عن النار .

فلنعمل جميعاً للنجاة من هذه الدار .

اللهم أجرنا منها يارحمن .

كتبه /
عادل بن عبدالعزيز المحلاوي
١٤٤١/١١/١٧ هجري


 

عادل المحلاوي
  • رسائل دعوية
  • مقالات موسمية
  • كتب
  • مقالات أسرية
  • خطب الجمعة
  • الصفحة الرئيسية