اطبع هذه الصفحة


80 فائدة من حديث الرجل الذي جامع في نهار رمضان

عقيل بن سالم الشمري

 
الحمد لله وكفى ، وصلاة وسلام على النبي المصطفى ، وبعد :
فإكمالا لسلسة الفوائد المستنبطة من الأحاديث النبوية ، ونظرا لقرب شهر رمضان فأحببت أن أذكر الفوائد المستنبطة من حديث الرجل الذي جامع في نهار رمضان .

نص الحديث :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال : يا رسول الله ، هلكت ، قال : مالك ؟ ، قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم ، وفي رواية : أصبت أهلي في رمضان ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها ؟ قال : لا ، قال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال : لا ، قال : فهل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ قال : لا ، قال : فمكث النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر ، والعرق : المكتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين السائل ؟ قال : أنا ، قال :خذ هذا فتصدق به ، فقال الرجل : على أفقر مني يا رسول الله ،؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ، ثم قال : أطعمه اهلك " متفق عليه ، أخرجه البخاري برقم (1936) ومسلم (1111) .

الفوائد المستنبطة :
1ـ دل الحديث على الجلوس عند أهل الفضل والعلم ، لقول الراوي " بينما نحن جلوس عند رسول الله " وهذا الجلوس له فوائده التي لا تخفى .
2ـ ظاهر الحديث ترك الرجل للسلام ، ولعل السبب يرجع إلى ذهوله عن السلام لخطورة ما ارتكبه من الجماع .
3ـ في الحديث دلالة على أن المستفتي يذهب إلى المفتي في مكانه ، ويسعى حتى يصل إليه لأن الأمر يتعلق بدينه ، فالرجل ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم .
4ـ الرجل قطع كلام أهل ذلك المجلس ، وعلى هذا يجوز قطع الحديث ن كان هناك ما يستدعي كما في قصة هذا الرجل .
5ـ دل الحديث على أن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم مفتوحا لمن أراد الدخول ، وعلى هذا ينبغي أن يكون العالم في استقباله للناس في بيته .
6ـ في الحديث دلالة على أن العالم عليه أن ينفع الناس ويفتي يف كل وقت ، فالرجل عندما وقعت عليه الواقعة ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي يستطيع الوصول إليه ، وهذا مما يجعل أناس يتعلقون بالعالم ويكون أقرب إلى قلوبهم .
7ـ عدم ذكر اسم الرجل حينما يكون له أمر محرج ، إذا لم يترتب على بيان اسمه أمر ذا بال ، ولهذا لم يذكر أبو هريرة اسم الرجل ، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم .
8ـ في الحديث جواز قول "هلكت" للنفس إن وجد سبب ذلك ، ولهذا لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل قوله ذلك .
9ـ في الحديث الاستفسار عن الكلام المبهم ، فالرجل قال : هلكت ، فاستفسر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك .
10ـ يدل على التلميح دون التصريح فيما يستحى من ذكره ويستقبح ، ولهذا قال الرجل : أصبت أهلي ، وفي رواية : وقعت على أهلي ، ولم يصرح بغيره .
11ـ قول الرجل : " هلكت " تدل على أن الرجل كان متعمدا ، لعلمه أنه فعل ما يسبب له الهلاك ، وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بعموم الحديث على أن الناسي عليه الكفارة .
12ـ فيه عرض الرجل ما يصيبه على أهل العلم .
13ـ فيه قرب العالم من الناس بحيث كلما أصابهم أمر فزعوا إليه ، وهذا لا يكون إلا مع المخالطة والقرب .
14ـ في الحديث البحث عن حل لما يواجه الإنسان من مشاكل ، وأن مجرد كتمها والسكوت عنها لا يحل المشكلة ، ولهذا الرجل لم يكتم الأمر وإنما طلب النبي صلى الله عليه وسلم لعرضها عليه .
15ـ يدل الحديث على أنه لا بأس للإنسان الذي يبحث عن حل لمشكلة أن يصرح بذنبه ، ويظهر ما خفي من أمره .
16ـ كما يدل على أن ذكر الذنب على سبيل الندم لا يذم ، وغير مستقبح .
دل قول الرجل " هلكت " وفي رواية " احترقت " على أن الوقوع في الذنوب يعتبر هلاكا ، وقد ذكر بن القيم رحمه الله في كتابه الجواب الكافي كثيرا من آثار الذنوب والمعاصي على الإنسان وهي جديرة بالمطالعة .
17ـ دل الحديث على أن المعترف بالذنب لا يلام على ذنبه ولا يعزر ، ويكتفى بندمه واعترافه وطلبه الخروج مما هو فيه .
18ـ في الحديث دلالة على أنه المذنب عليه أن يندم من ذنوبه ، ولهذا أتى الرجل نادما فقال : " هلكت " وهي كلمة تدل على ندم وحرقة في القلب ، والندم أول مراتب التوبة .
19ـ في الحديث أن العالم الذي يستفتيه الناس لا يغضب من أسئلتهم ، فهي متعددة ومتنوعة وبعضها وقوع في الحرمات وغير ذلك ، مما يستلزم على العالم أن يكون بهم رحيما
20ـ دل الحديث على أن الرجل المستفتي يصدق في قوله عن نفسه ، فإن الرجل في الحديث أدعى الفقر ، وعدم الاستطاعة على الصيام ، وعدم وجود رقبة يعتقها ، ومع ذلك لم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم البينة .
21ـ في الحديث دلالة على أن المفتي يبدأ بذكر الكفارة ما دام حكم الفعل معلوما ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر حكم الجماع في نهار رمضان لأن الرجل يعرف ذلك بدلالة الحال ، ولهذا اكتفى بذكر الكفارة .
22ـ الحديث نصٌ على أن الجماع في نهار رمضان يفطر .
الحديث نص أيضا على أن كفارة المجامع في نهار رمضان هي ثلاثة أمور " إعتاق رقبة ، فإن لم يستطع فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينا " .
23ـ دل الحديث على أن كفارة الجماع على الترتيب ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب الكفارة على الرجل ترتيبا ، ولم يضع الخيار أمامه .
وهذه مسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين ، الصحيح منهما فيما يظهر – والله أعلم – أن الكفارة على الترتيب وليست على التخيير استدلالا بواقع الحوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الرجل .
24ـ أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يعتق رقبة ، ولم يحدد له الإيمان من عدمه ، وعلى هذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة : هل يشترط الإيمان في عتق كفارة المجامع في نهار رمضان أم لا يشترط ؟
والمسألة محتملة لقوة الأدلة فيها ، وأصلها مسألة أصولية وهي :
إذا اختلف السبب واتحد الحكم ، هل يحمل المطلق على المقيد ؟
والأقرب – والله أعلم – أن المجامع في نهار رمضان يعتق رقبة مؤمنة قياسا على غيرها من الكفارات .
25ـ الحديث نص على أن الشهرين متتابعان في كفارة الجماع في نهار رمضان ، فلا يجوز قطعهما إلا بعذر ، لقوله صلى الله عليه وسلم " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين " .
26ـ الحديث أيضا نص على أن عدد المساكين ستين مسكينا ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " فهل تجد إطعام ستين مسكينا " وعلى هذا فلا يصح إطعام ثلاثين مسكينا يومين ، لأن العدد منصوص عليه .
27ـ الحديث نص على أن الذين يصرف لهم الإطعام في كفارة المجامع هم فئة المساكين .
28ـ إطلاق قول النبي صلى الله عليه وسلم " إطعام ستين مسكينا " ودعوى الرجل الفقر يدل على أن ضابط الفقر والمسكنة يرجع للعرف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق لفظ المساكين ، وأوكل فهم ذلك للأعرابي ، وبالتأكيد أنه يسفهم الكلمة حسب عادته وعرفه .
29ـ الحديث دل على أن إخبار الإنسان عن فقره ، وضعف حالته المادية ، وظروفه المعيشية لا يدخل في باب الشكوى المذمومة ، ولهذا ذكر الرجل فقره للنبي صلى الله عليه وسلم .
30ـ الحديث يدل على جواز قول "لا " للأكابر وأهل الفضل ، فقد قال الرجل : لا ، للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد كررها بتكرر السؤال .
31ـ الحديث يدل على أن المسلم يسأل عن دينه ولو كان سؤاله مما يستحى منه فلا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر .
32ـ الحديث يدل على السؤال في محضر من القوم ، فلا يشترط في السؤال الخفاء ، وإنما يجوز ذكره على الملأ من الناس ، فقد ذكر الرجل سؤاله بين أناس كثير ، كما يفهم من قول الراوي : " بينما نحن جلوس عند رسول الله " ويدل عليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أين السائل ؟ " فلو كان العدد قليلا لم يجهله النبي صلى الله عليه وسلم .
33ـ يستنبط من الحديث أنه يجوز إطالة الجلوس عند الإنسان إن كانت لا تضر ، فقد كان القوم جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل مجئ الرجل ، واستمر الرجل أيضا جالسا معهم حتى أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر ، ولا شك أن هذا الجلوس طويل نوعا ما .
34ـ دل الحديث على جواز قول" أنا " فقد قال الرجل حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم : " أين السائل " قال الرجل : أنا .
وإنما يكره قول " أنا " حينما يكون على سبيل الفخر والكبر ، كما قال إبليس " أنا خير منه " .
35ـ دل الحديث على مراعاة فقه الأولويات ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل : " خذ هذا وتصدق به " مع جود فقراء أشد فقرا من هذا الرجل ، إلا أن هذا الرجل يريد خلاص ذمته وبرأتها ، فقدمه النبي صلى الله عليه وسلم على غيره .
36ـ يؤخذ من الحديث أن أهل العلم والفضل عليهم إنهاء حاجات الناس دون تطويل أو مماطلة ، فالرجل بمجرد شكواه للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : " خذ هذا وتصدق به " .
37ـ يستفاد من الحديث حسن الطلب بالأسلوب المناسب ، فالرجل طلب طعاما لأهله بأسلوب مناسب فحصل له مقصوده ، وكم ضيع سوء الأسلوب من حق فضلا عن جلب نفع خارجي .
38ـ دل الحديث على جواز الضحك أمام الناس ما لم يخل بالآداب ، فقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بين القوم حتى بدت أنيابه .
39ـ على القول بأن ضحكه صلى الله عليه وسلم تعجبا من حال الرجل ؛ فيدل على جواز الضحك في حال التعجب ، وأن الإنسان يكتفي به عن التوبيخ .
40ـ دل الحديث على خروج الأسنان في الضحك أما الغير ، وأن ذلك لا يخل بالمروءة ، فقد خرجت أنياب النبي صلى الله عليه وسلم أمام ذلك المجلس .
41ـ دل ظاهر الحديث على جواز المسألة لمن كان محتاجا .
42ـ في الحديث بيان لخصلة يجبل عليها الإنسان وهو حب الطمع والتزود ، فالرجل بعد أن كان يسأل عن مخرج له من ذنبه الذي فعله ، أصبح يسأل لأهله الطعام ، ومع ذلك تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الموقف بما يفيد فن التعامل مع الخصال الفطرية في البشر .
43ـ في الحديث رأفة العالم بالناس واللين معهم ، بما في ذلك من وقع في الذنب وأسرف على نفسه بالمعاصي .
44ـ في الحديث دليل على أن للذنب حرارة عند المؤمن ، ولهذا قال الرجل كما في بعض الروايات : " احترقت " وهكذا حال المؤمن مع الذنوب فيرى أنها تحرقه ، ولأنها مهلكة كما قال الرجل : " هلكت " وهذا الشعور هو الذي يجعل المؤمن كلما وقع في الذنب تاب وأناب ورجع واستغفر ، على النقيض من ذلك الرجل متبلد الحس يتهاون بذنوبه مما يجعلها تستمر وتكثر ولم يلق لها بالا .
45ـ الحديث دل على جواز كثرة الأسئلة للحاجة ، فقد سأل النبي صلى الله عليه ثلاثة أسئلة متوالية " هل تجد رقبة تعتقها ؟ " ثم قال : " هل تستطيع صيام شهرين متتابعين ؟ " ثم قال : " هل تجد إطعام ستين مسكينا ؟ " وذلك للحاجة إلى ذلك .
والنهي الوارد عن كثرة الأسئلة في قوله صلى الله عليه وسلم : " نهى عن كثرة السؤال " تحمل على الأسئلة التي لا فائدة منها جمعا بين الأمرين .
46ـ يدل الحديث على جواز سؤال العالم لغيره فيما يخصه من أسرار وشؤون إن ترتب على ذلك حاجة ، فقد كانت أسئلة النبي صلى اله عليه وسلم فيما يخص الرجل من شؤون خاصة تتعلق بحالته المادية وقدرته الجسمية ، والدافع لذلك لتكون الفتوى صحيحة .
47ـ على المفتي أن يفتي غيره بالتفصيل وليس بالإجمال ، فقد فصّل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بالنسبة للرجل ، ولم تكن فتوى النبي صلى الله عليه وسلم مجملة مبهمة ، وإنما يعطي المستفتي حقه من الفهم والدراية .
48ـ دل الحديث على أن كفارة المجامع في نهار رمضان إن كانت صيام شهرين متتابعين فهي مبنية على الاستطاعة ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل :" هل تستطيع صيام شهرين متتابعين ؟ " فعلى هذا يدور الحكم مع علته وجودا وعدما ، فمن كان مستطيعا لم ينتقل إلى الإطعام ، ومن لم يستطع أطعم .
49ـ لم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب عدم الاستطاعة ، فلم يقل له : لم لا تستطيع صيام الشهرين ، مما يدل على أن الرجل مصدق في أقواله بالإضافة إلى ترك الاستفصال فيما لا داعي له .
50ـ لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن امرأة الرجل ، ولهذا اختلف أهل العلم في هذه المسألة : هل على المرأة كفارة ؟
على قولين كلاهما له حظ من النظر ، وحجة من لم يوجب هو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الاستفصال عن المرأة في هذا الحديث ، ولعل السر في ذلك أن المرأة عليها شبهة الإكراه .
51ـ في الحديث التعاون مع المذنبين ، وإيجاد حلول لذنوبهم ومشاكلهم ، فقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الرجل مذنب ، وساعده في التكفير عن ذنبه .
52ـ في الحديث رحمة الله بعبده ، فالرجل وقع في الذنب وانتهك حرمة الشهر ، ومع كل ذلك فقد رزقه الله سبحانه وتعالى ، فسبحان من لا تضره معصية العاصين ، ولا تنفعه طاعة الطائعين .
53ـ في الحديث قرب الفرج ، فكل من أصيب بهم وغم فليعلم أن فرج الله قريب ، فالرجل وقع في الذنب مع قلة في ذات اليد ، فبعد هذه الحالة الصعبة جاء فرج الله .
54ـ لله حكمٌ في تقدير الذنب على العبد لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى ، وهذا يرجع إلى اسم الله الحكيم ، ومن الحكم الظاهرة في هذا الحديث معرفة الأحكام الشرعية ، بالإضافة إلى ما رزقه الرجل من طعام لأهل بيته .
55ـ الملاحظ أن الرجل فقير فقر مدقع ، حتى أنه حلف أن ما بين لابتي المدينة أهل بيت أفقر من أهل بيته ، ومع ذلك يمارس حياته الطبيعية من جماع وغيره ، بمعنى آخر أن هم الحياة الصعبة لم يمنعه من ممارسة حياته الطبيعية ، وهذا من أنجح العلاجات لمن تراكمت عليه الهموم ألا يجعل الهم يمنعه حياته ، فإن التفاؤل والأمل وتناسي الهموم مما يخففها .
56ـ في الحديث دلالة على أساليب الأعراب مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ففي رواية أنه أعرابي ، وقرائن الأحوال من أفعال هذا الرجل تدل على أنه من الأعراب ، فمقاطعته الحديث ، ودخوله بدون استئذان ، وألفاظه "هلكت " " احترقت " ، وللأعراب قصص شيقة ، وأساليب مثيرة مع النبي صلى الله عليه وسلم .
57ـ في الحديث سكوت المفضول بين يدي الفاضل ، فالصحابة الجلوس لم يتكلم أحد منهم ، ولم يقاطع النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا أدعى لسماع العلم ووعيه .
58ـ في الحديث جواز قول "ويلك " للرجل ، ففي رواية أن النبي صلى الله علي وسلم قال للرجل : "ويلك " وعلى هذا بوب البخاري على هذا الحديث : باب قول ويلك للرجل .
59ـ في الحديث أن كثرة الحلف لا تذم إن كان لها ما يدعو ، فالرجل حلف مرتين " والذي بعثك بالحق ما أجد غيرها ، وضرب صفحة عنقه " ، ثم قال "فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي " وعلى هذا تذك كثرة الحلف فيما لا داعي له ، أو عبثا بدون فائدة .
60ـ العَرَق يساوي (15) صاعا ، والصاع أربعة أمداد ، وعلى هذا فلكل مسكين (مد) لأن عدد المساكين (60) ، وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة :
ما مقدار الإطعام الوارد في الكفارة ؟
فمن قال المقدار هو (مد) لكل مسكين يستدل بهذه الرواية ، ومن قال بأن العبرة بمطلق الإطعام فيستدل بتعدد روايات العَرَق التي وردت ، مما يدل على أن المراد إطعام المساكين بدون تحديد مقدار معين ، والأمر سهل في ذلك بإذن الله .
61ـ الحديث يدل على أن المجامع في نهار رمضان يقتصر على الثلاثة الخصال في الكفارة ولا يجب عليه غيرها .
62ـ في الحديث حرص المسلم على براءة ذمة إخوانه ، وسعيه في تخليصها ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتف بالفتوى للرجل المجامع في نهار رمضان ، وإنما سعى في تخليص ذمته مما علق فيها من حق لله ، وقال : " خذ هذا وتصدق به " ، وهكذا يكون المسلم مع إخوانه ، وهذا مما يتعبد فيه المرء لربه .
63ـ في الحديث على المفتي أن يذكر الحكم ويستفصل تأكيدا ، ولا يستدل بظاهر حال المستفتي ، فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل الرجل : هل تجد رقبة ، هل تجد إطعام ستين مسكينا ، مع أن الرجل ظاهره الفقر ، فلم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بظاهر الحال لوجود احتمال ، وإنما سأله عن قدرته .
64ـ دل الحديث على عظم ذنب المجامع في نهار رمضان ، فقد رتبت عليه الشريعة كفارة مغلظة ، فنعوذ بالله من الذنوب .
65ـ دل الحديث على أن الكفارة تخرج الإنسان من الذنب ، وهذا من رحمة الله بعباده .
66ـ دل الحديث على أن الإنسان يملك صدقته ، ويتصرف بها كيفما يشاء ، فالرجل قال له النبي صلى الله عليه وسلم : خذ هذا وتصدق به " مع أنه في الأصل هو صدقة على الرجل .
67ـ في الحديث جواز مساعدة الرجل في كفارته ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرجل عَرَق لأجل أن يكفر عن ذنبه .
68ـ دل الحديث عل أن حدود المدينة النبوية ما بين الحرتين ، لقوله " ما بين لابتيها –يريد الحرتين " .
69ـ في الحديث دلالة على أن الراوي يبين معنى الكلمات الغريبة ليفهما سامعها وقارئها ، فقد قال الراوي : " لابتيها – يريد الحرتين " فهذا بيان لمعنى غريب .
70ـ في الحديث جواز الإدخار ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل : " أطعمه أهلك " ومعلوم أن العَرَق لا يمكن الفراغ منه إلا في عدة أيام .
71ـ في الحديث جواز الهبة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وهب الرجل العرق من التمر .
72ـ دل الحديث على أن الهبة تملك بالقبض من غير صيغة قولية .
73ـ في الحديث دلالة على أن أهل الفضل والكرم يطمع بكرمهم ، فعليهم أن يزدادوا ويتحلوا بمكارم الأخلاق .
74ـ يجوز للإنسان أن يصرح بلفظ الفقر عن نفسه وأهل بيته ما دام كلامه صحيحا ، ولهذا قال الرجل : " ما بيت لابيتها أهل بيت أفقر من أهل بيتي " .
75ـ في الحديث جواز الحلف بدون استحلاف ، وأن النهي عن كثرة الحلف تنصرف إلى ما لا فائدة منه ، فالرجل حلف " والذي بعثك بالحق " من غير أن يطلب النبي صلى الله عليه وسلم منه اليمين .
76ـ في الحديث جواز الإلحاح إن كانت الحاجة داعية ، فالرجل ألح على النبي صلى الله عليه وسلم في إعطائه الصدقة وذلك لفقره .
78ـ في الحديث جواز إظهار المعصية لمن يرجو تخليصه منها ، فالرجل أظهر معصيته وأمام الناس أيضا إلا أن ذلك في سبيل التخلص منها .
79ـ وفي الحديث أيضا وجوب السؤال عما يفعله الإنسان مخالفا لأوامر الشريعة ، فلا يجوز للإنسان أن يترك دينه من غير سؤال إذ قد يترتب على فعله أمور لا يحسن تركها .
80ـ اختلف أهل العلم في مسألة ، وهي :
إن لم يستطع المجامع الخصال الثلاثة فهل تسقط الكفارة ؟ أم تبقى دينا في رقبته ؟
على قولين ، ومن يقول بأن الكفارة تسقط يستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر للرجل شيئا بعد أن ذكر الرجل أنه لا يستطيع .
فهذه ثمانون فائدة من هذا الحديث العظيم ، سائلا الله أن ينفعني به ، وأن يشرح صدري للنور والهدى ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


أخوكم / عقيل بن سالم الشمري

 

عقيل الشمري
  • مقالات ورسائل
  • الصفحة الرئيسية