اطبع هذه الصفحة


الفقيد أحمد الحلو تضحية وآلام

أيمن الشعبان
@aiman_alshaban

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


كان أول لقاء لي بالشاب الخلوق، ذو الهمة العالية وصاحب القضية؛ في مجمع البلديات عندما حضر مع صديق له عراقي، وهما يبحثان عن شخصيات فلسطينية في المجمع لهم دور في، حيث كنت مع بعض الأصدقاء خارج منزلي ثم التقينا بهم قرب نادي حيفا وبعدها جلسنا في المنزل.
تبين أن صديقه كان موفد أحد الشخصيات المسؤولة في البرلمان العراقي والمتعاطفين مع الفلسطينيين، وقدموا إلى المجمع للوقوف على أبرز المستجدات وما هو واقع الفلسطينيين الحقيقي، وكان لأحمد رحمه الله دورا واضحا في ذلك وكان متحمسا لأي أمر فيه خير لعامة الفلسطينيين، فمنذ ذلك الوقت - منتصف عام 2006 - أصبحت علاقتي به متينة مع بعد السكن بيننا، إلا أن الهم الذي نحمله سويا بخصوص ما حل بأهلنا من مآسي وويلات وانتهاكات كأننا نعرف بعضنا منذ سنوات.
اللقاء الأول بيننا تحدثنا فيه عن كثير من القضايا، وكان متفاعلا ومهتما بتقديم أي خدمة لأجل أبناء شعبه، ثم انصرفوا وبقيت ملامح الشاب الوسيم صاحب الدعابة في مخيلتي، واتفقنا على التواصل باستمرار، إلا أن القدر فرقنا أكثر بحكمة من الله عز وجل والأمور بدأت تتعقد، وكل له ظرفه ومشكلته وهمومه.
رحل أحمد أواخر عام 2006 كسائر الفلسطينيين الذين غادروا العراق بعد كثرة الانتهاكات وضيق الحال ليصل إلى شبه القارة الهندية بتاريخ 26/12/2006 كخيار كل له مبرره ووجهة نظره في ذلك، لينضم إلى أعداد من الفلسطينيين النازحين صوب الهند.
ذهب أحمد رحمه الله بتاريخ 28/12/2006 إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين للتقديم وتثبيت وجوده كلاجئ ليعطى موعدا للمقابلة، كحال الجميع مثله في بادئ الأمر للتوثق والتأكد من شخصيته وهويته وسبب قدومه، كان الموعد بتاريخ 10/5/2007 وهذه تعتبر مدة زمنية طويلة إلا أن هذا هو الدارج في معظم مكاتب المفوضية أينما وجدوا.
قرر أحمد السفر إلى دمشق في مطلع عام 2007 وأخبر أصحابه بأنه سيرجع قبل المقابلة بأيام، وبعد وصوله إلى الأراضي السورية ببضعة أسابيع حصلت له وعكة صحية تبين وجود حصوة في الكلية، أجرى على أثرها عملية جراحية ليقضي بقية وقته في دمشق حتى الرجوع مرة أخرى إلى الهند.
فعلا أخذ أدراجه وعاد إلى الهند بتاريخ 2/5/2007 ليلتحق بقرابة 237 فلسطيني، ثم ذهب بحسب الموعد المحدد له إلى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، وقابل ليقبل كلاجئ بتاريخ 17/5/2007 وحصل على شهادة دولية بذلك.
بعد ذلك بدأت مرحلة عصيبة على أحمد لم ينج منها عموم اللاجئين هناك، فراق الأهل والأحباب .. وترك للديار والأوطان التي نشأوا فيها.. ليصلوا إلى مكان لم يكن في الحسبان.. مختلف علينا بعاداته وتقاليده.. بعيد عنا جغرافيا.. بيئة جديدة ولغة أخرى، قلة في البلاد الشاسعة الواسعة الكبيرة.. هذا بالطبع لسان حالهم، مع ما يضاف من صعوبة المعيشة وقلة الزاد والمعين بعد الله عز وجل،
بدأت رحلة من المعاناة وحقبة قاسية، لم تمر عليهم حتى في العراق لكن من جوانب أخرى، أحمد معاناته تزداد لبعده عن عائلته جزء منها في العراق وآخر في قبرص وهكذا.
أنا عن نفسي سمعت متأخرا عن خبر وجود أحمد في الهند لأسباب طارئة، إلا أننا بدأنا نتواصل مع بعضنا البعض عبر الإنترنت وكنا نتكلم بأمور كثيرة، تخص أهلنا هناك وكان متحمسا لتقديم أي خدمة أو عمل فيه خير لعامة الفلسطينيين، واستمر التواصل بيننا لغاية شهر نيسان من هذا العام تقريبا ثم انقطعت أخباره عني.
أحمد رحمه الله وجدته مؤدبا خلوقا محافظا على أداء الصلاة متواضعا بشوشا، محبوبا من قبل الجميع، ولا أبالغ إذا قلت بأنه كل من رآه أو التقى به لأول وهله يحبه مباشرة، وهذا ما حصل معي حقيقة، فقد دخل قلبي في ذلك اللقاء الأول وأحسست وكأنني أعرفه منذ مدة طويلة مع وجود صلة قرابة بيننا عن بعد من جهة والدته، كان الله في عونها وألهمها الصبر والسلوان والثبات على هذا الفراق الصعب لفلذة كبدها وأخلفها الله خيرا.
أحمد شاب في مقتبل عمره لم يتجاوز ثلاثا وعشرين عاما، إلا أن همته وبشاشته وعلاقته الاجتماعية بعموم الناس جعلته أكبر من ذلك، إذ كان محبوبا من قبل الصغير والكبير فهو اسم على مسمى كما يقال، فهو حلو المذاق كثير المزاح وجلساته ممتعة ومشوقة بشهادة رفاقه وأصدقائه الذين عاشوا معه عن قرب في الهند.
يقول أحد أصدقائه المقربين له: أحمد رحمه الله خدم الجميع هنا في الهند بحسب استطاعته، وعندما كنا نذهب لعمل اعتصام بين الحين والآخر أمام المفوضية كان يترجم لنا ويتصل بالمراسلين ويأتي بهم إلى بيوت اللاجئين لينقل تلك المعاناة التي ألمت بنا، وقد عمل في إحدى فروع المفوضية التي تعنى بشؤون الصحة والتعليم للاجئين كمدرس فيها للغة الإنجليزية ( Y.M.C.A ) وكان يبذل قصارى جهده لتعليم اللاجئين الفلسطينيين في الهند لحاجتهم للغة وأهميتها.
بقي في مجال التعليم تقريبا ثلاثة أشهر ليعمل بعدها كمترجم في مستشفى ( ابولو ) ليترجم للمرضى العرب المتواجدين في المستشفى، وقد خدم الكثير هناك من العرب منهم الإماراتيين واليمانيين والكويتيين وعلى وجه خاص العراقيين!
كان هدفه خدمة الناس ومساعدة الجميع من غير أي تفريق مذهبي أو طائفي أو عرقي، حتى أسلمت على يديه عائلة بوذية بحسن أدبه وتعامله معهم، وكان رحمه الله قد أباح لي بذلك في إحدى محادثاتي معه، إلا أنه أخبرني بضرورة عدم التحدث بذلك لأي شخص آخر، من شدة إخلاصه رحمه الله، ولكي يستمر في نصحهم وإرشادهم لتعاليم الدين وسماحة الإسلام، فرحمك الله يا أحمد برحمته الواسعة وأثابك خيرا على ما قدمت.
كان رحمه الله معطاءا يبذل الغالي والنفيس لأجل الناس، وقد ضحى بأغلى ما يملك وذاد به من خلال تبرعه المستمر والمتكرر بالدم للعديد من المرضى، مع أن لديه فقر في الدم وكثرة التبرع أثرت عليه وحصل عنده نقص في صفيحات الدم، لتكون سببا في تدهور وضعه الصحي في أواخر شهر أيار من هذا العام، ليقضي الله أمرا كان مفعولا قال سبحانه ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) وقال عز وجل ( لكل أجل كتاب ).
كان رحمه الله له علاقات طيبة مع العديد من السفارات العربية بحسب وظيفته الإنسانية المميزة، إذ بدأت معاناته مع المرض بتاريخ 28/5/2008 وتم نقله إلى مستشفى (A.I.I.M.S. ) وهي من أكبر المستشفيات الحكومية في الهند ليتلقى العلاج المناسب لحالته، بعد ذلك بشهر تقريبا فجعت بسماع خبر مكثه في المستشفى ومرضه فتألمت كثيرا وتأثرت، لكن قدر الله وما شاء فعل ولا نقول إلا الحمد لله على كل حال.
سرعان ما وصل خبر مرضه لوالده سارع وبذل جهدا كبيرا للذهاب عنده، وفعلا سافر إلى الهند لمحاولة إنقاذ ولده إلا أن أمر الله أكبر، وكنت متابعا لحالته مع أصحابنا وأحبابنا المتواجدين هناك والذين في الحقيقة يستحقون كل الشكر والتقدير لوقفتهم وشهامتهم التي ليس لها نظير.
بعد إجراء الفحوصات اللازمة له من قبل الأطباء نقل إلى قسم خاص للحالات المستعصية، وطلب الدكتور بضرورة التبرع بالدم له فسارع أهلنا هناك كما هي مواقفهم دوما بالتبرع له واحدا تلو الآخر، لعل الله عز وجل أن يخفف عنه أو يكون لهم سببا في إنقاذ حياته.
استمر هذا التبرع للدم وكريات الدم البيضاء من قبل العديد من الشباب، وعدد من زملائه العرب وتبرع السفارة الفلسطينية والإماراتية بالمال، إلا أن الله عز وجل ارتضى بأخذ أمانته في يوم السبت الموافق 28/6/2008 ، ليكون أول فلسطيني نازح ومهجر من العراق يدفن في الهند.
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا أحمد لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الرب، إنا لله وإنا إليه راجعون ...
اللهم ارحمه برحمتك الواسعة وتقبله في عداد الشهداء وتجاوز عن سيئاته واجعل مثواه الجنة ...

21/7/2008
 

أيمن الشعبان