اطبع هذه الصفحة


فلسطينيو العراق في سوق النخاسة

أيمن الشعبان
@aiman_alshaban

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


في السنوات الأخيرة بدأنا نلاحظ أشبه بثورة هائلة، من الشعارات والمقولات الوديعة في ظاهرها، من خلال حملات حقوق الإنسان، وضرورة احترام الفرد وإعطاءه كامل المستحقات وعدم التفريق بين جنس وآخر، بل بدأنا نسمع بجمعيات الرفق بالحيوان والاهتمام الكبير فيها، بل تقوم الدنيا ولا تقعد إذا تم جرح يهودي أو أسره أو قتل شخص ما في أوربا أو أمريكا!
ظاهر الأمر أن هنالك عولمة في كل شيء باعتبار أن العالم أصبح كقرية صغيرة، من خلال إيصال وسائل الإغاثة والمساعدات لأي منطقة منكوبة، والاهتمام بأي حدث حتى لو كان بأقصى الكرة الأرضية، وهذا في الظاهر فيه من الإيجابيات الشيء الكثير، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أين كل تلك الشعارات والاهتمامات من أقلية عاشت ولا تزال حقبة مظلمة اسمها ( فلسطينيو العراق ) ؟! وهذا السؤال بالحقيقة يوجه بالبداية إلى الدول الإسلامية والعربية ثم هلم جرا!
كنا نقرأ ونسمع عن أسواق النخاسة والرقيق التي يباع ويشترى فيها العبيد، بحيث يكون تبعا لسيده ومالكه، ولم نكن نتصور أننا نعيش تلك الفترات أو نمر بمرحلة منها، لا سيما في ظل التطور الهائل والترف الإعلامي والإسراف في تبديد الثروات، ينبغي أن تندثر مثل تلك الأسواق، لكن الناظر لحال أهلنا من الفلسطينيين في العراق يجد هذه الحقيقة.
هل حقا أصبحنا سلعة رخيصة نباع ونشترى كالرقيق في أسواق النخاسة؟! قد يقول قائل بلسان مقاله: كلا، فهذه إفرازات طبيعية لأقلية مرت بتلك المحن، لكن نقول بأن لسان الحال هنا أنطق من لسان المقال، فحقيقة لا نريد الهروب من الواقع المؤلم الذي نعيشه، وما أريد قوله هو تشخيص لواقع مرير نمر به ولا زالت مسلسلاته مستمرة.
مخيم الرويشد لأكثر من أربع سنوات هم أشبه بسجن، وفي نهاية المطاف جاءت كندا وأمريكا والبرازيل لتشتري كل منهم ما يحلو لهم من هؤلاء الرقيق - وعذرا على هذا الوصف لكن لابد من وضع النقاط على الحروف ومعرفة ما هو موقعنا من الإعراب – والأمة الإسلامية والعربية إلا من رحم الله للأسف أصبحوا كالسماسرة في سوق النخاسة!
فعلى مرأى ومسمع من العرب والمسلمين من ساستهم وقادتهم وتجارهم وأثريائهم، يحدث ذلك ولا أحد يحرك ساكنا، بل في كثير من الأحيان يتم تسهيل تلك الصفقات من خلالهم، لأننا أصبحنا عبئا عليهم!
ولا زال السوق مفتوحا ولم يغلق أبوابه لحد هذه اللحظة، فهنالك مخيم الهول في الحسكة وفيه أعداد ينتظرون الدول التي ترغب بالرقيق! كي تنتقي منهم ما تريد فهذه تأخذ الحالات المرضية باعتبارها تهتم بالنواحي الإنسانية! وتلك ترغب الأرامل وأخرى تريد أصحاب الكفاءات، وهكذا إلى أن يصبحوا شذر مذر في غضون أعوام قليلة والله المستعان.
هنالك أسواق فيها أعداد أكبر كمخيمي التنف والوليد، ينتظران مزيدا من تجار هذه الأسواق لإنقاذهم مما هم فيه، من ضنك العيش وقلة الحيلة وضعف المعونة في أزمتهم هذه، فالتنف ذهب جزءا منهم إلى تشيلي! وينتظر أعداد منهم السويد ولا يعلم حتى الآن أي من الدول ستأتي بعد ذلك، قد تكون الأرجنتين أو كندا أو النروج أو الدنمارك! لا ندري لكن هذه هي الحقيقة المرة بأننا أصبحنا كالرقيق نباع ونشترى في أسواق المخيمات الصحراوية – النخاسة – حتى وصل الحال لتمني الكثير من المتواجدين في بغداد إلى تمني مثل هذه الأماكن!
وتأكيدا لكلامي أن أهلنا الذين يذهبون إلى تلك الدول، يصبحوا مقيدين سيما في السنتين الأولى، ثم بشكل تلقائي يكون التأقلم مع عادات وتقاليد وقوانين تلك البيئة فممكن تتغير الطباع شيئا فشيئا.
وهكذا هذا الكلام الآن أصبح ينطبق على معظم الفلسطينيين في العراق، فالكثير من الذين كانوا يرغبون الوصول إلى السويد كحل لمشكلتهم وما تعرضوا له، قدر الله لهم دول أخرى وبعضهم لم يتوفق بذلك، وهذا أيضا ينطبق على الذين يتواجدون الآن في قبرص فمصيرهم مجهول ولا يعلم أي من الدول ستأتي لتأخذهم أم أنهم سيبقون في تلك الجزيرة!
لابد هنا من القول حتى لا تذهب الظنون بأهلها بعيدا، إن ما ذكرته هو عبارة عن تشخيص وتحليل لحالة حقيقية وواقعية لما يجري لنا جميعا، مع أنها مؤلمة إلا أن هذا هو الواقع، ونحن هنا لا نلوم تلك العوائل التي وصلت إلى أي من تلك الدول فالضرورة هي التي ألجأتهم لها، لكن اللوم كل اللوم على المتسبب في كل تلك المعاناة، سواء الميليشيات التي لاحقت الفلسطينيين في العراق والذين يدعون العروبة والإسلام !! أو المحتل الأمريكي والحكومة العراقية فهما المتسبب الرئيس، أو الدول العربية والإسلامية التي وقفت موقف المتفرج بل في بعض الأحيان لعبوا دورا كالوسيط في بيعنا وشراءنا!
ولا زلنا نسمع بين الحين والآخر بأنه قبل أيام غادرت أربع عوائل إلى الولايات المتحدة الأمريكية من مخيم الوليد، وهنالك قرابة 30 فلسطيني سيغادرون إلى آيسلندا، ولا ننسى أهلنا في الهند الذين طالما عانوا من وجودهم هناك سينتقلون إلى السويد وهكذا.
فأصبحنا كما ضرب الله عز وجل مثلا في عبدين أحدهما مالكه واحد والآخر له عدد من الشركاء الذين يتحكمون فيه، فهذا يقول له: تعال وذاك يقول: لا تأتي وهكذا، هل يستويان مثلا؟! قال تعالى ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا ).
على الرغم من ذلك كله لابد وأن ننظر إلى العديد من القدوات بعد أن كانوا عبيدا، بفضل إسلامهم والثبات على مبادئهم أصبحوا أحرارا يضرب بهم المثل كبلال رضي الله عنه وغيره.
لذلك لابد من أخذ العبر والتأمل في واقعنا، والاستفادة منه ومن محنه ففي المحن تأتي المنح، والملمات تصنع الرجال، فعلينا أن لا نيأس وأن نكون خير رسل للثبات على المبادئ ونشر الحق الذي نحمله أينما كنا ووصلنا، وأن لا يكن همنا أنفسنا فحسب، فهنالك أعداد من أهلنا وأقربائنا وأحبابنا لا زالوا يعانون الأمرين في بغداد أو المخيمات الصحراوية كل بحسب معاناته، فالمآسي تعددت لكن المشكلة واحدة.

6/8/2008

 

أيمن الشعبان