اطبع هذه الصفحة


الفقيد جمال فيصل عبد الحفيظ الماضي ذكريات ومآسي

أيمن الشعبان
@aiman_alshaban

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


بينما الذهن شارد ومشتت في محاولة للملمة الجراح وتجميع الأفكار، والجرأة على نسيان المآسي، إلا أن هول الفاجعة ومفارقة الأهل والأحباب تحول دون ذلك، وملامح الذكريات تلاحقنا وصور ومواقف الضحايا الأبرياء مرسومة في مخيلتنا .
في بعض الأوقات نمر بصراع مع النفس، بمن نبدأ وبقصة من نسطر هذا التاريخ المؤلم، فالكل عزيز والجميع قد تعرض للظلم، وتلك الكلمات التي نكتبها هي أقل ما نواسي به أنفسنا ونعزي بها ذوي الشهداء بإذنه تعالى، عسى أن تصبرهم وتعيننا على الاستفادة من كل جراحاتنا .

من أولئك أخ لا تقل معزته عنا من غير مبالغة، حيث عرفته عن قرب بحسن خلقه وهدوءه وتواضعه، ولم أبالغ إذا وصفنا حال وصول خبر مصرعه بالفاجعة، ذلك الفقيد جمال فيصل عبد الحفيظ الماضي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وتقبله في عداد الشهداء .
الفقيد جمال ولد في منطقة بغداد الجديدة عام 1961 وله خمسة من الأخوة لأب وتسعة أشقاء هو أحدهم، عاش في هذه المنطقة الشعبية وترعرع فيها في مختلف مراحل حياته الطفولة والشباب، وكان محبا للرياضة خصوصا لعبة كرة القدم.

جمال رحمه الله قد سطر حقيقة ولاء الفلسطينيين في العراق، لتلك البلاد التي نشأوا فيها وتربوا وقد جسد هذا الولاء من خلال تعلقه وحبه لمنتخبات كرة القدم العراقية، حيث كان يحب انتصارهم وفوزهم في المباريات حبا كبيرا .

فهذا نموذج رائع يسطر هذه الحقيقة التي قد يتهم الفلسطيني بعكسها، جمال كان رجلا بسيطا بعيدا عن أي مشاكل واشتغل في أعمال حرة عديدة، فعمل في البناء وعدد من المطاعم استقر به المطاف للعمل في دكان ابن خاله .

لم يعرف عنه أي انتماء لأي حزب أو تكتل أو جهة كان مستقلا طيلة حياته، ويذكر لي أحد المقربين عليه أنه طلب منه أن يكون مخبرا عن أقرانه لصالح مديرية الإقامة في زمن النظام السابق، فرفض ذلك بشكل قطعي وأخبرهم: لن أكون جاسوسا على أهلي، ما جعلهم يؤخرون إصدار وثيقة سفره خمس سنوات! وهذا الموقف يدل على ثباته على المبدأ وعدم مداهنته في أصعب الظروف .

تزوج من ابنة خاله التي هي شقيقة الفقيد رائد عبد نافع الذي لقي مصرعه بتاريخ 17/7/2006 عندما أراد ستر جثة جاره في العمل، فانفجرت عبوة ناسفة كانت مزروعة بالقرب من الجثة فسقط شهيدا بإذن الله تعالى، ليكون هذا الحدث فاجعة ونكسة لجمال، وبمجرد سماعه الخبر سارع إليه فوجده صريعا حتى صدم من أثر هذا المشهد المروع لعدة أيام .

رزقه الله تعالى بعد زواجه بست سنوات " محمد " وقدر الله أن يتوفى بعد ستة أشهر من ولادته بمرض تكسر كريات الدم الحمراء، فاحتسبه وصبر حتى رزقه الله الطفلة"تمارة" بعد عام وهي مع أمها الآن وجدتها أم جمال .
الفقيد أيضا يكون عم الشهيد بإذنه تعالى الشاب محمود سالم فيصل، الذي لقي مصرعه بتاريخ 4/4/2003 في منطقة بسمايه ضمن محافظة الكوت، في ظروف غامضة يرجح قيام قوات الاحتلال الأمريكي بقتله مع اثنين من أصدقائه .
في تمام الساعة الرابعة من عصر السبت الموافق 14/1/2007 اقتحمت مجموعة مسلحة من ميليشيا جيش المهدي مجمع الفلسطينيين في بغداد الجديدة، وبينما كان جمال في الدكان الذي يعمل فيه، حاول المسلحون اعتقال عدد من أهالي المنطقة ومن ضمنهم جمال، فرفض الانصياع لهم، وعندما حاولوا سحبه بالقوة قاومهم بيديه لتيقنه بأن الموت في منطقته أهون عليه من الذهاب معهم، ثم تعذيبه بأشد أنواع العذاب قبل قتله ثم إلقاء جثته في إحدى المزابل وقد يصل إليها ذووه وقد لا يصلون!
فما كان من أشقاهم وآمرهم إلا أن قال لهم خلو سبيله، فلما أعطاهم ظهره وأراد الذهاب أطلقوا عليه رصاصات الغدر في رأسه فأردوه صريعا، أمام الدكان الذي يعمل به لتأتي سيارة الإسعاف بدم بارد وتقله إلى المستشفى!
ثم اختطفوا عددا من شباب المنطقة وجرح عدد آخر من ضمنهم فلسطينيين، وعندما ذهب أخوته وأقاربه لاستلام الجثة من مشرحة الطب العدلي طلبوا منهم مبلغ قدره ( 500 دولار ) مقابل تسليمهم الجثة، وهذه الحالة تكررت للعديد من الجثث بل بعضها لم يتسن لذويهم استلامها .

يفيد أحد أقاربه بأن عائلة جمال وأقرباءه كسائر الفلسطينيين في العراق، مشتتين مبعثرين في عدد من الدول والمخيمات، فبعضهم في بغداد والبعض الآخر في مخيم الوليد، وآخرين في الأردن واليمن وقبرص والسويد، وهكذا حتى أصبح هذا الوصف ملازما لمعظم العوائل الفلسطينية التي قضت عدة عقود في العراق، لتبدأ رحلة جديدة من الشتات والغربة وضنك العيش وتشرذم في أكثر من ثلاثين دولة، غالبيتها للأسف الشديد في أوربا الشرقية والغربية وأمريكا اللاتينية وكندا وأستراليا وبعض من دول آسيا!

28/8/2008
 

أيمن الشعبان