اطبع هذه الصفحة


وماذا بعد المصالحة الفلسطينية؟

أيمن الشعبان

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


بعد مخاض عسير وصراع مرير، دام لأربع سنوات من السجال والشحناء والبغضاء بل والدماء، بين الأشقاء وأبناء القضية الواحدة والبلد الواحد بل الدين الواحد؛ وبعد طول انتظار حصلت المصالحة، التي انتظرها ملايين الفلسطينيين فضلا عن محبي الخير والمتعاطفين من قضيتنا.

كنت أقول في نفسي عندما أسمع، التصريحات النارية والاتهامات المتبادلة بين الفريقين – مع انتقادي للطرفين بما حصل-؛ هل سيأتي اليوم الذي يتبادل بها الطرفان الابتسامات والمصافحات الحارة، بل يقول أحدهما للآخر الأخ فلان وسيادة الأخ فلان، بدلا من ... ؟!!
لكن هذا قد حصل بين أتقى الناس بعد الأنبياء، وأبرهم قلوبا وهم صحابة النبي عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم، ووقع آلاف القتلى من الطرفين، لكن سرعان ما انتهت المعارك، صلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، على قتلى الفريقين، وسد باب استدراج الشيطان الذي أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام.
بغض النظر عن الضغوطات، والظروف التي ألجئت الفرقاء للمصالحة، فهي خطوة بالطريق الصحيح سواء بالمقاييس الشرعية أو العقلية أو المنطقية، بعد تقهقر القضية وتراجعها في السنوات الأخيرة، وقد لعب الانقسام والتصارع دورا سلبيا في ذلك، ويمكن تدارك العديد من الأخطاء، والمراجعة العملية لكل المتعلقات، ومحاسبة النفس مع نكران الذات، والصدق في النوايا، ووضع المصلحة العليا للقضية على حساب جميع المصالح الفردية والحزبية والفصائلية والفئوية.

لا شك أن التفرق ضعف والتنازع شر، والأعداء يعتمدون على قاعدة " فرق تسد " وقد نجحوا إلى حد ما في زرع الشحناء والبغضاء وإثارة الفتن، وربنا عز وجل حذرنا من ذلك فقال سبحانه ( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )[1]، والفشل يعني التخاذل والجبن وانحطاط القوة، الذي يقود إلى الهزيمة والوهن.
{ وتذهب ريحُكم } أي: ريح نصركم بانقطاع دولتكم، شبه النصر والدولة بهبوب الريح؛ من حيث إنها تمشي على مرادها ، لا يقدر أحد أن يردها[2]، وتذهب ريحكم أي: أي تذهبَ دولتُكم وشَوْكتُكم فإنها مستعارةٌ للدولة من حيث إنها في تمشّي أمرِها ونفاذِه مشبهةٌ بها في هُبوبها وجَرَيانها[3].

مع اختلاف الرؤى والبرامج المطروحة، وكثرة التقلبات والمتغيرات، وتقاطعها في كثير من الأحيان، واحتمالية وجود خفايا وأشياء وراء الكواليس، تجعلنا نتوجس أو نخشى من إيجابية المصالحة المطلقة، لكن لابد من التعامل مع هذا الحدث بكل حيثياته بإيجابية وحكمة ودقة ووعي، بعيدا عن السلبية والاندفاع والتهور والعشوائية.

في ظل التغييرات الجذرية التي طرأت على المنطقة برمتها، مع إعادة رسم خريطة جديدة، على المستويات الجغرافية والسياسية والاقتصادية بل والدينية والاجتماعية، ولسنا بمعزل عن كل ذلك، فلابد من إعادة النظر في الهيكلية الفلسطينية في إدارة الصراع، وتقييم السياسة السابقة وتهذيبها وتصحيح مسارها، ومراجعة الحُقب الماضية وتشخيص الأمراض التي حرفت مسار القضية، وفقدت هيبتها وأضاعت الكثير من الثوابت الشرعية، مع إيجاد حلول ناجحة وعلاجات ناجعة تعيد لقضيتنا توازنها وتسترد ثقلها الدولي والإقليمي فضلا عن مكانتها إسلاميا وعربيا.

إن الابتعاد عن السياسة الشرعية الفعلية، بعيدا عن الشعارات والادعاءات واليافطات العريضة؛ في ظل تعقيدات إدارة دفة الأحداث، لهو سبب رئيسي في التقهقر بل وتسلط الأعداء وغيرهم، وتمرير العديد من المشاريع من توسع المغتصبات التي يسمونها " مستوطنات " وتزايد ملحوظ في تهويد الكثير من المناطق، واستمرار الحفريا تحت المسجد الأقصى، وطرد عوائل مقدسية والاستيلاء على منازل وأراضي وتضييق الخناق على قطاع غزة، وتحييد العديد من القوى الإسلامية والعربية بل والدولية عن دعم القضية بشتى الجوانب.

فوالله وبالله وتالله لن تجدي نفعا سياسة الخنوع والخضوع والاستسلام، ولن نسترد حقوقنا الضائعة إلا بسياسة شرعية قائمة على أدلة وبراهين وضوابط مع فقه حقيقي للواقع، وتعامل متزن ودقيق مع جميع القضايا، وما أُخذ بالقوة لا يستدر إلا بالقوة، مع إيماننا وتسليمنا بالمرحلية والتكتيك المتطابق مع جميع الحقوق والثوابت الشرعية.

للأسف بدلا من أن تكون سياسة شرعية منضبطة ومثمرة، أصبحت شرعة للسياسة وتخبط وتنازل تدار بحسب المصالح الضيقة، اختلط فيها الحابل بالنابل وكثر الكذب على حساب الصدق، إذ يجيز الكثير في " فن الممكن " كل شيء حتى لو تعارضت مع عقيدة وسلوك وأخلاقيات الإسلام، ولله در الشيخ محمد سالم البيحاني رحمه الله إذ يقول في تلك السياسة:

يدور مع الزجاجة حيث دارت *** ويلبس للسياسة الف لَبسِ
ترا فيه الصلاح وهو نِدٌ *** وعن (ماركس) يحفظ الف درسِ
فبين المسلمين يكون منهم *** ويأخذ قسطه من كل خٌمسِ
وعند الإنجليز يصير منهم *** وفي باريس تحسبه فرنسي


آن الأوان لأن يكون شرع الله عز وجل، في قضيتنا المقدسة التي تهم جميع المسلمين، هو المصدر والمنبع والمنهج وطريق الهداية لا غير، بعد فشل جميع الوسائل والأيديولوجيات والمفاهيم الضيقة والحزبيات المقيتة والشعارات المزيفة والدعاوى الفضفاضة، فلن تُسترد فلسطين بكامل أراضيها وتعاد لحياض المسلمين إلا بجباه ساجدة ووجوه متوضئة وأيدي بيضاء وقلوب نقية.
يقول العلامة ابن القيم رحمه الله ( لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما وعدلوا الى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ عرض لهم من ذلك فساد في فطرهم وظلمة فى قلوبهم وكدر فى أفهامهم ومحق فى عقولهم وعمتهم هذه الأمور وغلبت عليهم حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير فلم يروها مكرا فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن والنفس مقام العقل والهوى مقام الرشد والضلال مقام الهدى والمنكر مقام المعروف والجهل مقام العلم والرياء مقام الاخلاص والباطل مقام الحق والكذب مقام الصدق والمداهنة مقام النصيحة والظلم مقام العدل فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور وأهلها هم المشار اليهم وكانت قبل ذلك لاضدادها وكان أهلها هم المشار اليهم.
 فاذا رأيت دولة هذه الأمور قد أقبلت وراياتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت فبطن الارض والله خير من ظهرها وقلل الجبال خير من السهول ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس ).[4]

وحتى تتحقق فرحة المصالحة، ونستنشق عبير الأمل والتفاؤل من جديد، وتعاد القضية لهيبتها، يجب مراعاة ما يلي:


1-    تحكيم شرع الله عز وجل بكل صغيرة وكبيرة، والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى رجوعا حقيقيا على مستوى الأفراد والمؤسسات والأحزاب والفصائل والحركات والساسة والقيادات، فما نزل بلاء إلا بذنب وما رُفع إلا بتوبة.

2-    صدق نوايا جميع الأطراف، والإخلاص المترجم عمليا على أرض الواقع، وتقديم المصالح العامة على المصالح الحزبية والفئوية الضيقة.

3-    الحفاظ على الثوابت الشرعية لقضية فلسطين، وعدم التنازل عن أي منها، وعدم الانصياع لأي من الضغوط الأمريكية أو الأوربية أو الإقليمية المضرة بقضيتنا.

4-    لابد من اليقين بأن التصدر والزعامة والرياسة والقيادة؛ هي مغرم لا مغنم، وهي تكليف لا تشريف، فليتقي الله كل مسؤول عما استرعاه الله عليه.

5-    العدل أساس قيام الدول واستمرار المجتمعات، قال سبحانه ( وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا )[5]، فلابد من العدل بكل شيء والابتعاد عن المحسوبيات والقرابات أوالحمية القبلية أو العشائرية أو المناطقية أو الحزبية .

6-    ضرورة محاربة الفساد والمفسدين في جميع المؤسسات وعدم تصدرهم أو تقلدهم لأي منصب أو مكانة، لأنهم لا يستحقون الحديث نيابة عن شعبهم.

7-    مع عدم سيادتها ونقصها الواضح في ظل الاحتلال اليهودي؛ لابد من تشكيل حكومة فلسطينية تحافظ على كينونة المجتمع الفلسطيني في الداخل والخارج، وتدير الصراع وتتحمل المسؤولية وتطالب بحقوق الجميع من غير تمييز، والابتعاد عن المحاصصة الفصائلية، واختيار الكفاءات والأكاديميين ووضع الرجل المناسب بالمكان المناسب.

8-    التأكيد على الحقوق الكاملة في استرداد كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948 عاصمتها القدس، وحق جميع اللاجئين العودة لأراضيهم المحتلة، وعدم التنازل عن أي من ذلك وعدم الموافقة على أنصاف الحلول.

9-    العمل الجاد على تقليص دائرة الخلافات وانحسار رقعة التقاطعات، والنظر لمصلحة القضية، والحوار بالتي هي أحسن والتفاهم دون التخوين، والإنصاف في إصدار الأحكام على الآخرين، مع ضرورة تقديم إحسان الظن وعدم شماتة الأعداء من خلال تزايد الشحناء والبغضاء.
يقول أبو عبد الله بن أبي عتبة المهلبي في هول وعظيم شماتة الأعداء:

كل المصائب قد تمر على الفتى *** فتهون غير شماتة الأعداء


10- عدم الهيمنة والتسلط والتفرد بالقرار، فقد ولى زمن القطب الواحد ونظام الوصاية، ومصادرة جهود وآراء الآخرين والتحدث باسم الجميع، لاسيما فيما يخص الأمور المصيرية لأبناء الشعب الفلسطيني.

11- يجب أن نبتعد عن السلبية والانشغال بعيوب الآخرين، والاهتمام بكل ما يخدم قضيتنا على جميع الأصعدة وكل في مكانه، فنحن مأمورون بالعمل والإصلاح بعيدا عن التقاعس والانتكاس، فلئن تضيء شمعة خير لك من لعن الظلام ألف لعنة.

12- حرص الجميع على بذل الأسباب المباحة، لتقوية الأواصر وتمتين العلاقات، وتذويب وإزالة كل ما من شأنه تعكير الأجواء وتفتيت الروابط، والبدأ بالقواسم المشتركة مع ضرورة تقويتها وتنميتها.

13- الاهتمام الفعلي والجدي من كل مسؤول أو صاحب قرار، بأحوال اللاجئين الفلسطينيين والنظر بقضاياهم وإعطائها أولوية عن غيرها، والضغط على جميع الدول العربية لتحسين أحوالهم والسماح بتنقلهم من غير إهانة أو إذلال وتقييد، لاسيما قضية الفلسطينيين في لبنان والعراق.
 
أيمن الشعبان
9/5/2011

-----------------------------
[1] ( الأنفال:46 ).
[2] تفسير ابن عجيبة.
[3] تفسير أبو السعود.
[4] الفوائد (1/88) ط دار البيان.
[5] (الكهف:59).

 

أيمن الشعبان