اطبع هذه الصفحة


خواطر قرآنية" سورة السجدة" ( 25-30 )

أيمن الشعبان
@aiman_alshaban

 
 بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب،  والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:
بعد أن ذكر الله سبحانه حال الفريقين في الدنيا، المؤمنين والمشركين من حيث الإيمان بأمور الغيب من البعث والحساب، فيقضي بينهم القضاء الحق فيدخل المؤمنين الجنة والكافرين النار، يقول سبحانه( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ )[1]، من الاعتقادات والأعمال.[2]
{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ} الآية فيها وجهان: أحدهما: يعني بين الأنبياء وبين قومهم , حكاه النقاش. الثاني: يقضي بين المؤمنين والمشركين فيما اختلفوا فيه من الإيمان والكفر , قاله يحيى بن سلام.[3]
وكلمة هو للتخصيص والتأكيد وان ذلك الفصل يوم القيامة ليس الا اليه وحده لا يقدر عليه أحد سواه ولا يفوّض الى من عداه.[4]
وتأمل هنا أن الله تعالى ذكر لفظ الربوبية فقال {إِنَّ رَبَّكَ. .} [السجدة: 25] ولم يقُلْ: إن الله، والربوبية كما قُلْنا عطاء وتربية، وكأنه سبحانه يقول: اطمئنوا فالذي سيتولَّى مسألة الفصل هو ربكم.[5]
فلا منظمات ومحافل دولية تتدخل، ولا رؤساء ووجهاء وغيرهم، ولا حتى أنبياء وملائكة مقربون( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ )[6].
يحكم بينهم، وعند ذلك يتبين المردود من المقبول، والمهجور من الموصول، والرضي من الغوي، والعدو من الوليّ ... فكم من بهجة دامت هنالك! وكم من مهجة ذابت عند ذلك![7]
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل. فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.[8]
وهذا باعث آخر على الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وتهديد ضمني لمن يعرض عن هداية الله التي صارت متمثلة بالقرآن بعد فقد التوراة وافتقاد الأصل الصحيح للإنجيل.[9]
قَوْلُهُ: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ هَذَا يَصْلُحُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ: وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ كَانَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَيْفَ كَانُوا يَهْدُونَ وَهُمُ اخْتَلَفُوا وَصَارُوا فِرَقًا وَسَبِيلُ الْحَقِّ وَاحِدٌ، فَقَالَ فِيهِمْ هُدَاةٌ وَاللَّهُ بَيَّنَ الْمُبْتَدِعَ مِنَ الْمُتَّبِعِ كَمَا يُبَيِّنُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ مِنَ الْأُمَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْمَنَ مَنْ آمَنَ وَإِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ، فَإِنَّ الْمُبْتَدِعَ مُعَذَّبٌ كَالْكَافِرِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ، أَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ أَشُدُّ وَآلَمُ وَأَمَدُّ وَأَدْوَمُ.[10]
والخطاب للنبي والمراد أمته تحذيرا من ذلك وإيماء إلى وجوب تجنب الاختلاف الذي لا يدعو إليه داع في مصلحة الأمة وفهم الدين.[11]
والفصل: القضاء والحكم، وهو يقتضي أن اختلافهم أوقعهم في إبطال ما جاءهم من الهدى فهو اختلاف غير مستند إلى أدلة ولا جار في مهيع أصل الشريعة ولكنه متابعة للهوى وميل لأعراض الدنيا كما وصفه القرآن في آيات كثيرة في سورة البقرة وغيرها كقوله تعالى: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) [آل عمران: 105] .[12]
الفرق بين الحكم والفصل، الحكم القضاء والفصل أشد لأنه يكون بَوْن أحدهما، أن يكون بينهما فاصل حاجز إذن الفصل أشد فإذن لما يقول في القرآن يفصل بينهم تكون المسافة أبعد كأن يذهب أحدهم إلى الجنة والآخر إلى النار أما الحكم فلا وقد يكون في ملة واحدة، نضرب أمثلة: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) البقرة) هؤلاء يذهبون معاً إلى جهة واحدة اليهود والنصارى كلاهما ليس أحدهما إلى الجنة والآخر إلى النار فليس فيه فصل. (إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) النحل) اختلاف في ملة واحدة وهم اليهود، وكلهم يذهبون معاً إلى جهة واحدة مع بعض. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (3) الزمر) كلهم يذهبون إلى جهة واحدة. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) الحج) هؤلاء لا يذهبون إلى جهة واحدة فهم فئات مختلفة إذن يفصل. الفصل يتضمن الحكم حكم وفصل فيكون أشد. ولذلك قال المفسرون في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) السجدة) قالوا الفصل بين الأنبياء وأممهم وبين المؤمنين والمشركين. فإذن الفصل حكم لكن فيه بَوْن كل جهة تذهب إلى مكان لذا قال في سورة ص (خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ (22)) هذا حكم قضاء.[13]

من هداية الآية:
إن الله سبحانه هو القاضي العدل والحاكم المطلق بحق بين المؤمنين والكفار، فيجازي كلا بما يستحق، ويفصل بين المختلفين من أمة واحدة، كما يفصل بين المختلفين من الأمم.[14]
تقرير تطميني للنبي والمؤمنين وإنذاري للكفار بأن الله سيفصل بين الناس يوم القيامة في ما اختاروه من الطرق المختلفة حيث يحقّ الحقّ ويؤيد أهله ويزهق الباطل ويخذل أصحابه.[15]
فيها تخويف ووعيد شديد للناس كافة، بضرورة وأهمية الإيمان بالغيبيات، لأن من لم يؤمن سيقضي الله بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة ثم يكبهم في جهنم.
فيها تخويف من خطورة الظلم، فمن ظلم وظن أنه لم يعاقب في الدنيا، فليعلم أن هنالك يوم آخر، سيفصل الله بين الخلائق جميعا.
الحذر من البدع والفرق والتسلح بالعلم، لأن الله يظهر المحق من المبطل يوم القيامة.
من أهم دلالات الآية ضرورة تجنب الاختلاف والفرقة حتى لا نتصف بأخلاق وصفات بني إسرائيل، الذين تميزوا بذلك.
أهمية تقديم مصلحة الدين العامة الشرعية، على المصالح الفئوية والفردية، من خلال فهم القواعد الكلية ومعرفة المقاصد الشرعية، وتقديم الأهم فالمهم وترتيب الأولويات.
من الأهمية بمكان على طالب العلم، معرفة الزمان الذي يعيش فيه، بالتالي تقوده تلك المعرفة، لتعامل أمثل وتحقيق مراد الله بحسب الأولويات، بغض النظر عن مجرد العلم النظري البعيد عن مراعاة الحال والزمان والمكان.
المذموم هنا الاختلاف الذي يضاد الدين وأصوله، أما الخلاف في فرعيات فقهية لها مسوغات واجتهادات فلا يدخل فيه فانتبه.
 
اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.
 
25- رمضان-1435هـ

---------------------------
[1]( السجدة:25).
[2]ابن كثير.
[3]النكت والعيون للماوردي.
[4]روح البيان.
[5]الشعراوي.
[6]( غافر:12).
[7]تفسير القشيري.
[8]تفسير البيضاوي.
[9]المنير للزحيلي.
[10]مفاتيح الغيب.
[11]ابن عاشور.
[12]ابن عاشور.
[13]د. فاضل السامرائي.
[14]المنير للزحيلي.
[15]التفسير الحديث.


 

أيمن الشعبان