اطبع هذه الصفحة


خريطة فلسطينيي العراق بعد ثمان سنوات من الاحتلال

أيمن الشعبان

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


عندما اجتاحت آلة الدمار الأمريكية الدموية أرض الرافدين وحلفها القادم من الغرب قبل ثمان سنوات؛ تبعها ريح صفراء قادمة من الشرق، حتى مزقت الأكلة هذه القصعة أيما تمزيق، ثم تغيرت المعالم وتبدلت خريطة أرض الحضارات، حتى بُحّت الأصوات، وتعالت الصيحات، أن أنقذوا منار الأرض من التحولات والتغيرات والتبدلات، وإلا فالندم الندم بعد الفوات.

 بدأت القصة عندما سلم المحتل البريطاني أرضنا فلسطين، للعصابات اليهودية الغاصبة، على طبق من التهجير والتنكيل والدمار، عام 1948 حتى اضطر أكثر من 700 ألف فلسطيني ترك مدنهم وقراهم قسرا، لدول المهجر الجديد.

ولما كانت قرى قضاء حيفا آخر القرى سقوطا بيد المحتل اليهودي، وسطرت أروع مواقف البطولة والصمود، تمت معاقبتهم وإبعادهم لأماكن بعيدة جغرافيا عن أرضهم، فكان نصيبهم العراق، الذي عاشوا فيه قرابة ستة عقود، متآلفين متآخين متحابين مع أشقائهم العراقيين، حتى أعاد التاريخ نفسه، وتم تسليم العراق من قبل المحتل الأمريكي بتاريخ 9/4/2003 للعصابات الصفوية التي عاثت بالأرض الفساد، لتبدأ رحلة شتات وتفرق وتشرذم جديدة للمهجر الفلسطيني البعيد عن أرضه باتت تعرف بـ " تهجير المهجّر "!!

كثيرة هي الشعارات التي تُلقى وتذاع هنا وهناك، بل أكثر المقولات صيتا ما يتعلق بفلسطين وتحريرها، لكن بدلا من إعادة صاحب الأرض المغتصبة لأرضه، عوقب مرة أخرى بطريقة لا تخطر على بال ولم يتوقعها أو يتصورها خيال، ولم تكن في الأذهان أو الأحلام أو حتى المقاييس واليافطات المرفوعة!!

في قضاء حيفا وقراه، كانت الخريطة واضحة المعالم ذات حدود معينة، تعيش العائلات ببساطة وعفوية، حياة ريفية غير معقدة يغلب الطابع الفلاحي عليهم، لم يخطر ببالهم أن تتغير هذه البيئة وتنتقل كليا لمكان آخر، وكانوا يسمعون سماعا بالعراق، لكن الذي يسليهم ويواسيهم الانتقال الجماعي، لتبدأ حياة جديدة متغلبين على جميع الصعاب والمتغيرات.

توسعت الخريطة قليلا، لكن بقيت في نطاق المعقول والمألوف، فبدلا من قرى مثلث الكرمل إجزم وجبع وعين غزال، كانت هنالك تجمعات البلديات والطوبجي والحرية، وبدلا من قرى عتليت والطنطورة وصرفند والمزار وعين حوض، أصبحت تجمعات أصغر في بغداد الجديدة والزعفرانية والدورة والأمين والمعلمين، وبدلا من أم الزينات وكفر لام، قابلها الموصل والبصرة!!

اللاجئون الفلسطينيون في العراق ليسوا بمعزل ولا بمنأى عما يراد للمنطقة العربية، من تقسيم المقسم وتجزأة المجزأ، وهو ما بات يعرف بالشرق الأوسط الجديد، كتتمة لترسيمات وتقسيمات " اتفاقية ساكس بيكو " سيئة الصيت.

لكن الذي حصل لفلسطينيي العراق، ليس مجرد تقسيم وانشطار وتجزأة، تلقائية طبيعية كما يحصل في الدول بفعل المحتل أو المؤامرة الخارجية، بحيث تقسم خريطة الدولة على هيئة قطاعات وكنتونات ومناطق ومقاطعات، بارتباط تكويني معين، قوميا أو عرقيا أو طائفيا وما شابه، إنما حصل تهجير وتشرذم وتفتيت للمجتمع، بل إن شئت قل زلزال أو إذابة تامة وانصهار محكم دقيق، حتى أصبحوا فتات متناثرة ونقاط مبعثرة يصعب جمعها فضلا عن ترسيمها!!

إن خريطة فلسطينيو العراق اليوم، رسمت بدماء أكثر من 300 شهيد بإذن الله، وخُطّت برمال مخيمات البؤس في صحراء رويشد والهول والتنف والوليد، وطُبعت في قلوب الثكالى من الأرامل، وغطت بسمات اليتامى وقضت على أحلامهم، ثم عُلقت على بقايا قماش الخيم البالية، التي لا تقي الحر الشديد في الصحراء الغربية بمنطقة الوليد، ولا تحمي ساكنها من الأفاعي والعقارب في بيداء التنف، ولا تقاوم العواصف الرملية وتساقط الثلوج بقفار الهول عند المثلث التركي السوري العراقي!!

خريطة ليست كسائر الخرائط؛ مترامية الأطراف، متقطعة الأوصال، مجهولة المعالم، ليس لها حدود، ولم تقف أمامها السدود، ولم يكن لها من قبل وجود، يصعب رسمها على أوراق الرسم البياني، ويتعسر وصفها على خارطة الكرة الأرضية، تضاريسها متعرجة، وطرقها شائكة، وألوانها متعددة!

ألوانها تعكس مدى صعوبة تركيبتها، وتعقيد المشهد فيها، إذ غلب اللون الأحمر بالجزء الواقع في نقطة انطلاق الخريطة ومنشأها في بغداد الرشيد، حيث امتزجت دماء الشهداء بإذن الله ساحات مجمع البلديات، وتمرغت جثث الضحايا في الزعفرانية والحرية وبغداد الجديدة والطوبجي والدورة، ولا زال اللون الأسود يخيم على تلك البقعة من الخريطة.

اللون القاتم يكاد يطغى على العديد من أماكن تلك الخريطة، ففي بلاد الأمازون وبعد رحلة شاقة من صحراء رويشد، لا يزال أكثر من 100 فلسطيني بظروف مأساوية، وكبار السن والمرضى يفترشون الشوارع في ظل تجاهل وإهمال كبير من الجميع بلا استثناء.

وقتامة اللون ليست بمعزل عن أكثر من 2000 فلسطيني يتواجدون في سوريا، وهكذا أكثر من 2000 فلسطيني في جزيرة قبرص، حيث كان لون الخريطة من قبل ورديا إلا أن التقادم حوّله إلى قاتم ومعتم، بعد عبور الحدود البرية الشرسة، والمغامرات في مياه البحر الأبيض المتوسط!!

سارت مشرقة وسرت مغرباً *** شتّان بين مشّرقٍ ومغربِ

العجيب في الأمر أن تلك الخريطة صيغت مراحلها وطبقت، بأيدي أمريكية غربية بغطاء أممي تارة وجهود فردية تطمح للخلاص وتطلب الأمان ليس لها بديل تارة أخرى، والمنفذ ابتداء تلك العصابات الميليشياوية الصفوية الطائفية، وبتشجيع لهذا التهجير وسكوت عربي حيث كانت بعض الدول العربية محطة ترانزيت لنقاط بعيدة وقريبة في تلك الخريطة!! وأخرى دفعت عائلات لهذا المصير، لأن صحراء بلاد العرب أوطاني عجزت عن استيعاب أفراد قلائل، خشية من تعرض تلك الصحراء لآفات وبالتالي عدم صلاحيتها للزراعة، وقد يكون المبرر خطورة تلك العائلات على الأمن القومي أو التسبب بأزمة سكن أو تردي الوضع الاقتصادي وغيرها من المبررات المنطقية بنظرهم؟!!

حصة الأسد من هذه الخريطة الدول الاسكندنافية، وأكثرها السويد حيث قرابة 4000 فلسطيني، ثم النرويج وفيها قرابة 1000، ثم فلندا والدنمارك وهولندا، ولم تكن بلاد الينابيع الفوارة وبلاد الثلج والنار بعيدة عن تلك الخريطة، فكان المنفى فيها من نصيب أخواتنا الأرامل مع أيتامهن، وكأن أمة المليار والنصف لم تسمع بحديث النبي عليه الصلاة والسلام( أنا و كافل اليتيم له أو لغيره في الجنة و الساعي على الأرملة و المسكين كالمجاهد في سبيل الله )[1].

المملكة المتحدة المتسبب الأول في معاناتنا منذ عام 1948 لها نصيب أيضا من تلك الخريطة، كما أن المتسبب الثاني له حصة لا تقل كثيرا عن حصة الأسد، إذ قبلت ولا زالت تقبل قرابة 2500 فلسطيني، تم توزيعهم على ولاياتها الشاسعة لتزيد في تقطع أوصال هذا الشعب المتكالَب – بفتح اللام – عليه، والألوان فيها متباينة بين قاتم وأصفر وأزرق وبنفسجي بحسب الولاية والبرنامج.

وقبل الانتقال إلى أجزاء الخريطة في ما وراء المحيطات في أستراليا وكندا، لابد من المرور على الجزء المتأرجح في إيطاليا، حيث ينتظر أكثر من 150 فلسطيني انتهاء برنامجمهم نهاية هذا العام بكل آسى وحزن، ويرتقبون المجهول بعد ذلك، وليس أفضل حالا منهم قرابة 100 فلسطيني في ماليزيا، ولا مثلهم في شبه القارة الهندية.

تنوعت الخريطة وتلونت وتجولت بين قارات العالم، وكأن هنالك ابتكارات وبراءة اختراع ستعطى بعد هذه التجارب المريرة، فهل تخيلتم أن تستقر عوائل في بلغاريا أو أندونيسيا، وهل نسيتم عوائل أخرى تنتظر التحاقها بتلك الخريطة وتثبيت أماكن تواجدها بعد مغادرتها الأراضي التركية؟!!

وإن ننسى فلن ننسى تشيلي وفرنسا وقد تضاف دول جديدة ونقاط عديدة لهذه الرقع، لكن الأعجب أن لا يستطيع أبناء البلد الواحد في الغالب من اللقاء والتواصل والزيارات، نتيجة للمسافات الشاسعة بينهم، وهنا تكمن خطورة تلك الخريطة المعقدة المؤلمة، بتكسر أواصر النسيج الاجتماعي، وتفسخ الروابط الأسرية، حتى أضحت هذه سمة بارزة ظاهرة لتلك الخريطة، ورغم ذلك يبقى الحنين والشوق إلى قرانا في حيفا وسائر أرضنا الحبيبة فلسطين مغروس في قلوبنا، وإن شاء الله لن يتأثر هذا التشظي والتناثر.
 
أيمن الشعبان
9/4/2011
 
 

--------------------------
[1] صحيح الجامع برقم 1476.

 

أيمن الشعبان