اطبع هذه الصفحة


نِعمَ المُصَلَّى " 13 " بشارات ربانية ونبوية مقدسية

أيمن الشعبان
@aiman_alshaban

 
 بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ومصطفاه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، وبعد:
فهذه سلسلة حلقات مختصرة للتعريف بمكانة " المسجد الأقصى" من خلال القرآن والسنة الصحيحة، وارتباطه العقدي الإيماني التاريخي، بالوحي ورسالة التوحيد ودعوة الأنبياء، وإحياء تلك الحقائق في نفوس المسلمين، سميتها " نِعمَ المُصَلَّى " أسوة بحبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، الذي أطلق عليه هذه التسمية الجميلة.
الحلقات ستكون بطرح سؤال في كل حلقة، ثم نجيب عليه لتكون أرسخ وأثبت وأحفظ وأوعى، من حيث المعلومة والفهم وديمومة الأُثر. 
 
س13/ ما أهم البشارات الربانية والنبوية في بيت المقدس؟

 
من مزايا وخصائص تلك الأرض الطيبة المباركة، أن الله سبحانه بشر فيها العديد من البشارات، حتى أصبحت مجمع وأرض البشارات، وهذا يعطي دلالة وإشارة واضحة لما ينبغي أن يكون عليه المسلم ويحمله من التفاؤل والاستبشار بنصر الله وفتحه، وتخليص تلك الأرض من الاحتلال والاغتصاب.
سنذكر في هذه الحلقة صنفين وقسمين من البشارات:
الأول: ما بشر الله سبحانه وتعالى به أنبياءه عليهم السلام من بشارات فيها.
والثاني: بشارات بشر بها نبينا عليه الصلاة والسلام تتعلق بالأرض المباركة.
من البشارات الربانية في الأرض المقدسة؛ أن الله عز وجل بشر الخليل إبراهيم عليه السلام بعد أن استقر فيها بالذرية الصالحة وجعلهم أنبياء وقدوات لمن بعدهم، قال سبحانه عن إبراهيم ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ )[1]، هو إسماعيل عليه السلام، والحليم هو متسع الصدر حسن الصبر والإغضاء في كل أمر، والحلم رأس الصلاح وأصل الفضائل.[2]
وبينما الملائكة في طريقهم لإحلال وإنزال العذاب والعقوبة على قوم لوط، مروا ضيوفا كرماء عند إبراهيم عليه السلام في بيت المقدس كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بقوله (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ )[3].
قال تعالى في سورة أخرى مبشرا إبراهيم ( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى )[4]، وفي نفس السياق ذات البشارة لسارة بإسحق ويعقوب (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ )[5]، أَيْ: بِوَلَدٍ لَهَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَعَقِبٌ وَنَسْلٌ؛ فَإِنَّ يَعْقُوبَ وَلَدُ إِسْحَاقَ.[6]
من البشارات اللطيفة والرائعة في الأرض المقدسة، بشارة نبي الله زكريا بابنه يحيى عليهما السلام، وكان قد تقدم بزكريا العمر واشتاقت نفسه إلى الولد ليرثه بالنبوة والعلم والحكمة وتحقيق العبودية مع قومه في تلك البقعة المباركة.
دعا زكريا ربه وكانت امرأته عاقرا ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ )[7]، بعدما كانت عاقرا، لا يصلح رحمها للولادة فأصلح الله رحمها للحمل.[8]
وذكر الله هذه القصة الرائعة في مطلع سورة مريم ( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا . قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا . يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا )[9].
فكان لهذا الغلام من الصفات والخصائص والمزايا الشيء الكثير، ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورتي آل عمران ومريم، ( يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا . وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا . وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا )[10]، وقال تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ )[11].
كما بشر الله سبحانه مريم عليها السلام البتول العذراء القانتة العابدة المخبتة الصديقة العفيفة؛ بآخر أنبياء بني إسرائل كلمة الله وروح الله عيسى المسيح ابن مريم، وكانت ولادته معجزة مبهرة، ( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا )[12].
أما أعظم بشارة حصلت على ثرى تلك الأرض المباركة؛ تلك التي جاءت على لسان عيسى عليه السلام مبشرا بخير الخلق نبي الرحمة والمكرمات محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال ربنا سبحانه وتعالى ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ )[13].
ومن حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إنِّي عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه، وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري: دَعوةُ إبراهيمَ، وبِشارةُ  عيسَى، ورؤيا أمِّي الَّتي رأَت - حين وضعَتني - وقد خرج لها نورٌ أضاءَت لها منه قصورُ الشَّامِ ).[14]
 وهنا إشارة لطيفة ورابط جميل وقوي لعالمية دعوته عليه الصلاة والسلام، والعلاقة الوطيدة بين المسجد الحرام الذي دعا فيه إبراهيم لبعثة النبي عليه الصلاة والسلام، وبيت المقدس الذي فيه بشارة عيسى، تجمعها النور الذي أضاءت له قصور الشام فتأمل!
من البشارات المهمة بشارته عليه الصلاة والسلام بفتح بيت المقدس، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:( أُعدُدْ ستًّا بين يدي الساعةِ: مَوتي؛ ثم فتحُ بيتِ المقدسِ ... الحديث ).[15]
وقد بشر عليه الصلاة والسلام بقتال اليهود آخر الزمان والانتصار عليهم، يقول ابن باز رحمه الله: فإن عيسى عليه الصلاة والسلام يغزوه، ومعه المسلمون، فيقتله بباب اللد، باب هناك في فلسطين، قرب القدس، يقتله بحربته كما جاء في الحديث الصحيح، والمسلمون معه يقتلون اليهود قتلة عظيمة، جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين يقاتلون اليهود، فيقتلونهم، ويسلطون عليهم، ينادي الشجر والحجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي تعال فاقتله ، فيقتل عيسى الدجال وينتهي أمره.[16]
 
13/3/2017م

-------------------------------
[1] (الصافات:100-101).
[2] محاسن التأويل (8/217).
[3] (الذاريات:24-25).
[4] (هود:69).
[5] (هود:71).
[6] تفسير ابن كثير (4/334).
[7] (الأنبياء:89-90).
[8] تفسير السعدي ص530.
[9] (مريم:2-7).
[10] (مريم:12-15).
[11] (آل عمران:39).
[12] (مريم:18-19).
[13] (الصف:6).
[14] صححه الألباني في تخريج المشكاة برقم 5691.
[15] صحيح الجامع برقم 1045.
[16] فتاوى نور على الدرب بعناية الشويعر (4/290).


 

أيمن الشعبان