اطبع هذه الصفحة


خواطر رمضانية" تَدَبَّر آية " ( الملك:9)

أيمن الشعبان
@aiman_alshaban

 
 بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر الميامين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

قال تعالى( قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ )[1].

بعد أن طُرح الكفار في نار جهنم ودفعوا دفعا، كالقمامة التي يراد التخلص منها، يأتي سؤال خزنة جهنم لكل فوج يدخل ( ألم يأتكم نذير ) سؤال توبيخ وتقريع لا استعلام واستفهام، ومن شدة خوف الكافرين يجيبون بسرعة بحرف نقيض نفي الاستفهام " بلى ".

وجملة قوله تعالى( قالوا ) اعترافا بأنه تعالى قد أزاح عللهم بالكلية ببعثة الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه... قالوا: بلى قد جاءنا نذير فأنذرنا وخوفنا وأخبرنا بهذا اليوم، فكذبنا النذير. ( قد جاءنا نذير ) جمعوا بين حرف الجواب ونفس الجملة المجاب بها مبالغة في الاعتراف، وتحسرا على فوت سعادة التصديق، وتمهيدا لبيان التفريط الواقع منهم؛ أي: قال كل فوج من تلك الأفواج: قد جاءنا نذير؛ أي: واحد حقيقة أو حكما كأنبياء بني إسرائيل؛ فإنهم في حكم نذير واحد، فأنذرنا وتلا علينا ما نزل الله عليه من آياته.[2]

ونحو هذه الآية قوله تعالى( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ )[3].

ربنا سبحانه وتعالى من تمام عدله وواسع رحمته؛ لا يعذب قوما حتى يبين لهم ما يتقون، ويقيم عليهم الحجة ويعذرهم، يقول عليه الصلاة والسلام( .. لا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من اللهِ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين .. )[4].

وقد ضرب النبي عليه الصلاة والسلام مثلا لبعثته ونذارته للناس إذ يقول( مَثلي ومثلُ ما بعثني اللهُ، كمثلِ رجلٍ أتَى قومًا فقال: رأيتُ الجيشَ بعيني، وإنِّي أنا النَّذيرُ العريانُ ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعه طائفةٌ فأدلجوا على مهلِهم فنجَوْا، وكذَّبته طائفةٌ فصبَّحهم الجيشُ فاجتاحهم )[5].

جملة( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) يحتمل أن تكون من كلام الخزنة للكفار، توبيخا وتقريعا لكفرهم، وعِظم تكذيبهم للنذير، حتى وصفوه بأنه كبير في مبالغة بذلك الكفر والجحود.

وممكن تكون من قول الكفار وخطابهم للمنذرين، بعد أن دعوهم وأقاموا عليهم الحجة، قالوا: ما نحن عليه هو الحق والصواب، وأنتم في ضلال كبير تريدون أن نترك ما كان عليه آباؤنا.

وعموم ( شيء ) في قوله ( ما نزل الله من شيء ) والمراد منه: شيء من التنزيل يدل على أنهم كانوا يحيلون أن ينزل الله وحيا على بشر وهذه دعوى أهل الكفر قال تعالى ( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء )[6].

جاء الخطاب ( إن أنتم ) بالجمع مع أن النذير لكل قوم واحد، باستثناء موسى وهارون عليهما السلام، والرسل الذين أرسلوا للقرية وقصتهم في سورة يس؛ لأنهم كذبوا بجنس الرسالات السماوية النازلة على البشر، وكذلك لتعظيم كفرهم فالمفرد يجمع للتضخيم والتعظيم، كما أن لتكذيب برسول هو التكذيب بجميع الرسل قال تعالى( كذبت قوم نوح المرسلين )[7]، مع أن نوح فقط أرسل لقومه.

ومعنى القصر المستفاد من النفي والاستثناء ( إن أنتم إلا في ضلال كبير ) قصر قلب أي ما حالكم التي أنتم متلبسون بها إلا الضلال وليس الوحي الإلهي والهدى كما تزعمون . والظرفية مجازية لتشبيههم تمحضهم للضلال بإحاطة الظرف بالمظروف[8].

والنكتة هنا ليس أن تتدبر فقط الكلام بل أن تراه في واقع المكذبين كيف فعلوه؟ فتربط الكلام المسطور بالكون المعمور من حولك فهو كلام الله الذي يعم كل جيل وكل زمان وفيه شفاء القلوب من أمراضها وهو ليس كلاما يتلى للتبرك بل هو الواقع الذي تراه في كل يوم وتحياه .

قال تعالى :" وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ " أقام الله سبحانه الحجة على كل أمة و من مات في الفترة امتحن يوم القيامة إعذارا من الله العظيم سبحانه إلى خلقه و قد جاءت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بالبراهين الواضحة والأدلة الناصعة القاطعة لكل من يريد الحق واختارهم سبحانه ممن لا يُعلم عليهم كذبا و من أشراف قومهم و من لم يكن لآبائهم ملك فيقال يسعون لملك أبائهم.[9]
 
9/ رمضان/ 1434هـ
18/7/2013م
 

------------------------------------
[1] (الملك:9).
[2] حدائق الروح والريحان.
[3] (الزمر:71).
[4] متفق عليه.
[5] صحيح البخاري.
[6] التفسير الشامل لسورة الملك.
[7] (الشعراء:105).
[8] التحرير والتنوير.
[9] التفسير الشامل لسورة الملك.

 

أيمن الشعبان