اطبع هذه الصفحة


الابتعاد عن ابن تيمية .. خطوة نحو تطوير الدراسات النفطية!

د.فهد بن صالح العجلان
@alajlan_f

 
بسم الله الرحمن الرحيم


في ندوة (ذروة النفط) المقامة في قطر قبل أيام ألقى الدكتور محمد الأحمري كلمة قال فيها (إن الدراسات حول ابن تيمية أكثر من الدراسات حول النفط) وقد نقلها أخونا الكريم الإعلامي النبيل علي الظفيري على صفحته في تويتر، ثم شرحها في مقالة مستقلة، وقد كتبت فيها تغريدات متفرقة لم تسعفني مساحة تويتر في توضيح مناقشتي لهذه الفكرة بشكل جيد، سأسردها هنا سريعاً وبعفو الخاطر.

القضية ليست مرتبطة بابن تيمية تحديداً، إنما هي فكرة واضحة ومباشرة وبسيطة تقول لك إن انشغالنا في موضوعات كثيرة في الجانب الديني والإنساني هي سبب إخفاقنا في الجانب التجريبي العلمي، وهي تتكرر بأشكال مختلفة.

تأتي لك فتقارن حجم هذه الموضوعات بحجم عنايتنا بالجانب التجريبي، فتحدث لدى القارئ صدمة، ويبدأ فعلاً يتساءل:

هل يعقل أن نعتني بابن تيمية كل هذه العناية ونفرط في النفط؟

ثم بعد هذه الصدمة تأتي النتائج المتلاحقة بأن انشغالاتنا الثقافية والدينية هي التي تعيقنا عن الجانب التجريبي وأن الواجب علينا هو التخفف منها لتحقيق هذا الانجاز، ثم تلقائياً يأتي التزهيد في هذه الجوانب لأنها ليست جوانب هامشية فقط، بل جوانب معرقلة ومعطلة عن التنمية.

حسناً، قبل أن نبتلع هذه النتائج كلها، وقبل أن تضغط على حاستنا النقدية فتضعفها عن الإدراك الذي يميز كثافة الثغرات المحيطة بها، لنمارس فحصاً سريعاً وتفكيكاً عابراً عليها:

ما علاقة انشغالنا بابن تيمية بتقدمنا في الدراسات النفطية أو إخفاقنا فيها؟


فأنت لما تقارن بين شيئين لا بد أن يكون بينهما علاقة وإلا كانت المقارنة عبثية، فلما تقول مثلاً إن بناء الناس للاستراحات أكثر من بنائهم للمستشفيات، لتصل بها إلى تفريطهم في العناية بالجانب الصحي والطبي، فأول قضية يجب أن يواجهك بها الناقد البصير أن كثرة بناء الاستراحات لا علاقة له ببناء المستشفيات، فيمكن أن ننبني الاستراحات والمستشفيات جميعاً، ويمكن أن لا نبني ولا واحدة منها!

لهذا فعبارة أن دراساتنا في ابن تيمية أكثر من دراساتنا عن النفط تمرر علينا دعوى نبتلعها من حيث لا تشعر أن ثم علاقة بين الموضوعين، وأن اهتمامنا بابن تيمية هو الذي عطل اهتمامنا عن النفط، وأننا لو ابتعدنا قليلاً لربما أنجزنا أكثر في النفط، وهذه نتيجة في غاية الظرافة، فبداهة سنعرف أن عنايتنا بابن تيمية مدحاً وإجلالاً أو ذماً وقدحاً أو تركنا لابن تيمية بالمرة لا علاقة له بمدى تقدمنا بالنفط، التقدم النفطي لها مجاله المعرفي وأسبابه المادية ومداخله الطبيعية ليس منها بتاتاً أن تترك الانشغال بحقل معرفي آخر، وليس له علاقة بانشغالنا بالتاريخ والتراث ولا إهمالك له.
فموضوع الانشغال بابن تيمية سواءً كان حقاً أو باطلاً أو لا حق ولا باطل، في النهاية لا علاقة لها بموضوع النفط أبداً، العلاقة دخلت من جهة المقارنة أن العدد هنا أكثر من العدد هناك، وهذه معلومة سطحية ظريفة لا قيمة لها ولا أثر.
هذه نقطة أولى، تظهر هزال هذه المقارنة أساساً.

النقطة الثانية:

أن الأمر ليس مقتصراً على ابن تيمية فقط، فكل الدراسات الإنسانية والأدبية هي بطبيعة الحال أكثر في اهتمام الناس من الدراسات التجريبية العلمية، فالدراسات حول المتنبي مثلاً بل حول جحا وأبي دلامة وأشعب، بل وحتى الدراسات حول أدباء الغرب وفلاسفته وقادته السياسية، والدراسات حول الحب والجنس ، بل والدراسات حول النكت والطرائف هي أكثر بكثير من الدراسات النفطية، فلماذا جاء موضوع ابن تيمية بالذات؟
ماذا لو أن العبارة كانت إن دراساتنا حول (المتنبي) أكثر بكثير من الدراسات النفطية؟
لن تجد لها صدى، بينما لما قيل ابن تيمية وجدت لها صدى!
فإذا كنا منزعجين من الانشغال، فالانشغال بمن هم أقل من ابن تيمية أولى أن يزعجنا، لكنه في الحقيقة لا يزعج، لأن الموضوع أساساً كله لا علاقة له بالدراسات النفطية، فسواء قرأ الناس للشعراء أو بصقوا عليهم أو فعلوا ما يفعلون، في النهاية هذا وادٍ منعزل تماماً لا يصل بك إلى أي إنتاج تجريبي.

لهذا فالحضارة الغربية المتقدمة في هذه الدراسات، تجد أن شيوع الدراسات التجريبية أقل بكثير من شيوع الدراسات حول الأدب والحب والجنس والروايات والقصص والأخبار السياسية الخ.
ومع ذلك هم متقدمون في الدراسات التجريبية، لأن هذا موضوع مختلف تماماً ليس له علاقة من الأساس، فحين تريد أن تتقدم تجريبياً أوجد البيئة المناسبة ووفر العوامل التي تحقق لك الانجاز، أما الكلام بهذه الطريقة فهو افتعال معركة لا قيمة لها، وهو دخول في خصومة فكرية جديدة بدعوى أننا نريد حل الخصومة الفكرية السابقة حتى نصل إلى التقدم التجريبي.

بل أساساً طبيعة هذه الدراسات التجريبية أنها نخبوية وفي إطار ضيق جداً، لا يمكن أن تجد دراسات نفطية تباع في السوق وتنفذ طبعاتها كما تنفذ طبعات أتفه رواية أدبية تلامس الجنس؟
فالاعتقاد أن تقدمنا التجريبي قائم على أن تكون اهتماماتنا بها فوق اهتماماتنا بالقضايا الأخرى، هو بعد عن تصور حقيقة الدراسات التجريبية، فعندما ننجز في الدراسات النفطية فليس معنى هذا أن تشيع في الناس الاهتمام بهذا الحقل، فهذا لا يمكن ولا حاجة له، إنما أن توجد فئة محدودة من الناس يتخصصون فيها، ولهذا فالغرب المتقدم في الصناعات الدقيقة والطب الحديث والتكنولوجيا لا يتصور أن الناس مهتمون بهذه القضايا العلمية في مجالسهم، بل هذه شأن حقول ضيقة جداً.

والظريف أن من ينتقد انشغالنا بابن تيمية هو نفسه ينشغل بابن تيمية لكن في الجهة الأخرى، أو قد ينشغل بانشغالنا بابن تيمية، لهذا فمن الملفت مثلاً أن المقالة التي تنتقد الدراسات الإسلامية لأنها أكثر من الدراسات النفطية جاءت عامة هذه المقالة مقتصرة على نقد الدراسات الإسلامية ولم تتحدث عن الدراسات النفطية!

الثغرات في العبارة كثيرة فاحتملوني قليلاً:


أيضاً: فحين تكون الدراسات هنا أكثر من الدراسات هنا، فهذا يعني أنك تتحدث عن حقل واحد، حين تكثر الدراسات في واحد يدل على تقصير في الثاني، أما حين تكون الحقول مختلفة تماماً فهذه مقارنة مضحكة علمياً، لأن الدراسات التجريبية تختلف عن طبيعة الدراسات النظرية، فيمكنني بجهد قليل جداً أن أصدر عشر دراسات عن الأدب في الدولة الأموية مثلاً أو عن الظواهر النفسية والاجتماعية في أي مجتمع، لكنني لو ضاعفت الجهد عشرات المرات فلن أستطيع أن أصدر دراسة واحدة في النفط! فقياس إهمالنا للنفط بقلة دراساتها مقارنة بكثرة الدراسات عن ابن تيمية يقع في غلط علمي فاضح حين يقارن بين جانبين معرفيين مختلفين تماماً، فهو مثل من ينتقد جهد أحد الباحثين لأنه لم يكتب سوى عشر صفحات بين كتب غيره ألف صفحة! فهذا نقد قد يتقبله بعض الناس، لكنه سيكون ظريفاً جداً عند آخرين يعرفون أن كثرة الصفحات ليس معياراً على إنجاز ولا عدمه.

أيضاً: لو قارنت اهتمامات الناس ستجد أن لديهم اهتمامات هي أوسع انتشاراً بكثير من الاهتمام بابن تيمية، ومهما همشت العناية بمثل هذا الموضوع فهي أقل بكثير منه.
قارن اهتمامات الناس بالرياضة والترفية واللعب والسياحة والاجتماعات الخ ستجد أن أسبوعاً واحداً من هذه الاهتمامات يعادل في الوقت والجهد ما بذل في حقل علمي آخر خلال قرن كامل!

ومع ذلك فلا أقول إن هذه الاهتمامات هي سبب تأخرنا في الجانب التجريبي، ممكن أن نتقدم وهي موجودة، ويمكن أن تنعدم ولا نتقدم، والغرب المتقدم تجريبياً غارق في هذه الهوامش حتى أذنيه وما منعه ذلك من الانجاز التجريبي، لأنها باختصار مقارنة بين أمرين لا علاقة لهما ببعض.

في النهاية ستعرف أن هذه المقارنة غلط علمي ، أو هي توظيف لأجل تشويه حقل معين أو اهتمام معين فيستغل موضوع لا علاقة له لأجل أن يشوه الاهتمام به، ويمكن من خلال هذه المقارنة أن تشوه كافة التخصصات، وهو طريق ناجح جداً لأن العبارة بسطحيتها وتبسطيها للقضايا تستطيع أن تتسلل إلى النفوس من دون تمييز.

أخيراً:

هل معنى هذا عدم نقد الدراسات التي عن ابن تيمية أو عن أي حقل معرفي آخر؟
أبداً، باب النقد والحوار مفتوح، بل ضروري جداً لترشيد هذه الدراسات وتطويرها، إنما النقد يجب أن يكون نقداً بأدوات هذا العلم وحسب طبيعته ومن داخل حقله، لا أن يقارن بشكل خاطئ فلا يقدم سوى التشويه.
حين تفكر بشكل علمي وتريد أن تنتقد الدراسات النفسية حول (فرويد) مثلاً فيمكن أن تقول هي بخست حقه أو بالغت في حقه أو لم تحسن شرح فكرته أو أنها أهملت من هو أولى منه أو تركت جوانب مهمة أو أنه ينقصها جوانب علمية معينة الخ.
أما أن تقول الدراسات حوله أكثر من الدراسات حول ابن تيمية؟ أو أكثر من الدراسات حول الجغرافيا؟ فضلاً عن الدراسات حول النفط والذرة ، فمقارنة غير علمية، ليس فيها إلا وجود عدد، فهنا كثير وهنا قليل، وهذه معلومة هزيلة لا يبنى عليها مثل هذه النتائج الضخمة.

خلاصة هذا كله:

أن هذه المقارنة تؤدي إلى تهميش العناية بحقل معين أو شخص معين أو فكر معين بدعوى أنه يشغلنا عما هو أهم، وفي الحقيقة أنه لا يشغل ولا يحزنون، فالتفكير العلمي يجب أن يتجه إلى طبيعة هذا الإشغال وكيف يكون، وسيظهر حينها - غالباً- أن الإشغال هو في طبيعة المضمون المرفوض من هذه العلوم، وأن هذه العلوم النظرية لو اتجهت بشكل آخر لربما غابت هذه المقارنة.
لهذا لن أقول شيئاً حول مكانة ابن تيمية وقيمة نتاجه العلمي وطبيعة الانشغال به، لأن الموضوع كله لا علاقة له في الحقيقة بابن تيمية، إنما أدرج فيها إدراجاً من باب الخطأ العلمي أو التشويه الأيديولوجي.


الاثنين 27/5/1434هـ

 

د.فهد العجلان
  • مقالات
  • السياسة الشرعية
  • سيادة الشريعة
  • محاضرات مفرغة
  • معركة النصّ
  • الفروق الفيسبوكية
  • المؤلفات
  • الصفحة الرئيسية