اطبع هذه الصفحة


علمانية ما قبل الأسلمة!
عدد رمضان 1433هـ

د.فهد بن صالح العجلان
@alajlan_f

 
بسم الله الرحمن الرحيم


يعد كتاب (الإسلام وأصول الحكم) أول دراسة شرعية تؤسس للفكرة العلمانية داخل الوسط المسلم، وقد نشره الشيخ القاضي علي عبد الرازق عام 1925م بعد عامٍ من القضاء رسمياً على مسمى الخلافة العثمانية، أحدث به معركة ثقافية وسياسية ضخمة.

تقوم فكرة الكتاب المركزية على تفسير (الدين الإسلامي) بما يتفق مع التصور الغربي للدين، فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم هي رسالة روحية ليس فيها إلا البلاغ لوجود (آيات متظافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان).[1]

 فهي رسالة لا تتضمن سلطة حكم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم(رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة)[2]وإنما أحدث ذلك المسلمون من بعده، وكانت الحكومة التي أقامها الصحابة من بعده حكومة دنيوية ليست من أحكام الإسلام.[3]

شذوذ هذا الرأي ونكارته أحدث ردة فعلٍ صارمة شديدة ضده، فأصدرت هيئة كبار العلماء في مصر بتوقيع (24) عالماً بياناً ذكروا فيه أخطاء الكتاب البارزة، وحصروها في 7 مخالفات ظاهرة[4] ثم توالت الردود العلمية،  فكتب الشيخ محمد الخضر حسين: (نقض الإسلام وأصول الحكم)  وكتب الطاهر بن عاشور: (نقد علمي للإسلام وأصول الحكم) وألف محمد بخيت المطيعي رسالته:(حقيقة الإسلام وأصول الحكم) وأرخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس للتفاصيل السياسية المتعلقة بصدور الكتاب في رسالة: (الإسلام والخلافة)،  فكانت سبباً في سقوط الكتاب سقوطاً مريعاً في جانبه العلمي، وكشفت عن أخطائه وسوء تصوراته، حتى أصبح قيمة الكتاب هو في حدثه التاريخي  وليس في القيمة العلمية الضعيفة والمتناقضة في تقريراته.

لم يتوقف الأمر عند هذا، بل أصبح مبحث الإسلام (دين ودولة) من المباحث المركزية في الفكر الإسلامي المعاصر، فتوالت الدراسات والبحوث المؤصلة لهذا المفهوم الشرعي، والمجيبة عن كافة الإشكالات والشبهات التي يثيرها أصحاب هذا الاتجاه، وحددت الدوافع لتبني مثل هذا التفسير العلماني للإسلام، وشارك فيها أهل العلم من كافة التخصصات المختلفة.

عامة الدراسات المعاصرة التي تبحث الجانب السياسي في الإسلام في أي مجالٍ كان كالدراسات عن النظام السياسي أو القانون الدستوري أو بناء الدولة أو الخلافة أو البيعة لا بد أن تعرج على رأي عبد الرزاق بالنقض تفصيلاً، وتزيده نقضاً بحديثها المسهب عن كافة القضايا السياسية من منظور شرعي.

كان لهذه الجهود العلمية الحثيثة أثر ظاهر في كسر العمود الفقري للعلمانية، وفي قطع الطريق على أي أمل لمحاولة إنعاش هذه الفكرة، وأصبح كثير من العلمانيين يتحاشى الانتساب لها، وصار اسم علي عبد الرزاق مشوهاً ومثيراً للنقد والامتعاض لما أحدثه من هذه السنة السيئة، حتى إن بعض المفكرين الذين تأثروا بمد العلمانية سرعان ما عادوا وأعلنوا توبتهم كما فعل  الشيخ خالد محمد خالد حين أسس للعلمانية في رسالته الأولى (من هنا نبدأ) التي نشرها عام 1950م ثم عاد فنقضها في  رسالته الأخيرة (الدولة في الإسلام) والذي قرر فيها أنه كان  في تصوره لمفهوم الدين متأثراً بطبيعة الأنظمة المستبدة في أوروبا وبسبب ما نسب إلى بعض الإسلاميين من أخطاء أدت به لاعتناق العلمانية، يعترف بعدها أنه أخطأ بجعل هذه الأخطاء مصدراً للتفكير وليس موضوعاً للتفكير، فدفعه هذا الشحن النفسي إلى الابتعاد عن  الحقيقة وتبني مقدمات غير مستقلة فكريا.[5]

كان لهذه الحملات العلمية والشعبية أثر عميق يعبر عنه  أحد المؤلفين العلمانيين بقوله:
(كانت لهذه الحملة على العلمانية عموماً وعلى طه حسين وعلي عبدالرازق بوجه الخصوص نتائج كثيرة، كانت اثنتان منها على قدر كبير من الأهمية، وهما ضمور الإصلاحية الإسلامية وجمودها على بعض لحظات بدايتها والتآكل الداخلي في مواقف بعض العلمانيين الليبراليين المصرييين).[6]

حتى أصبح اسم (علي عبد الرازق) مشوهاً إلى حدٍ امتعض منه هذا المؤلف قائلاً :
(بل  اضطر حتى بعض القائلين بمدنية السلطة إلى ممارسة طقس رفض كتاب عبد الرازق)[7]

هذا التشويه للعلمانية دفع كثيراً من المتأثرين بالفكر العلماني للبحث عن جذور إسلامية يمكن استنبات المضامين العلمانية فيها، بحيث تقدم الفكرة العلمانية كفكرة إسلامية تراثية لتخطي مصادمة الجمهور، وهي دعوة رائجة لدى عدد من المفكرين المعاصرين المستشعرين لحالة النفور الشعبي من العلمانية، وهو ما دفع بعض العلمانيين للحكم عليها بأنها تخلٍ عن أساس الفكرة العلمانية وعلامة تراجع وانتكاس لها: (
والأخطر من كل هذا و الأكثر تدليلاً على تراجع الفكر العلماني عندنا: ما نشهده من محـاولات حثيثة من قـبل المفكرين العلمانيين لدعم موقفهم عن طريق اللجوء إلى القرآن و السنة، غير مدركين أنهم يقدمون بهذا أكبر التنازلات للحركات المناوئة للعمانية).[8]

هذا كله يدفعنا للتساؤل عن حظوظ العلمانيين في إمكانية إعادة بناء الرؤية العلمانية التي قدمها علي عبد الرازق:

 فهل يمكن لهذه الفكرة أن يعود وهجها وحضورها الشعبي؟
وهل يمكن حدوث معارك ثقافية معاصرة تجدد الدماء في هذه القضية؟

ربما يكون لدينا عشرات الإجابات لهذا السؤال نظراً لاختلاف الزاوية التي ينظر لها كل شخص، وأرى أن فكرة عبد الرازق تحتوي على جانبين:


الجانب الأول:
تفسير الإسلام تفسيراً علمانياً بحيث يكون مجرد رسالة روحية ليس له أي علاقة بالجانب الدنيوي، إنما تكون علاقة المسلم بالدين محصورة في الشأن الخاص، وأما الشؤون الدنيوية كافة فهي خارجة عن المجال الديني.
 هذه الرؤية ليس لها أي حضور في الوسط المسلم، وحين تكدُّ بصرك في البحث عن آثار أهلها فلن تجدهم إلا في أوساط الحداثيين وبعض المفكرين في مؤلفاتهم وصالوناتهم ذات التأثير المحدود، ربما تنتشر بعض آرائهم عند الناس شتماً وعيباً ليس إلا.


الجانب الثاني:
علمنة النظام السياسي في الإسلام بإبعاد الأحكام الدينية عن السياسة، فيكون الجانب السياسي جانباً دنيوياً مصلحياً لا يستند فيه إلى أحكام شرعية ملزمة.
هذا الجانب لا يلغي أن الدين في الإسلام يشمل جوانب حياتية كثيرة، لكن يرفض أن يكون للدين حضور في النظام السياسي الملزم.


هل يمكن إعادة ترميم هذه الرؤية من جديد؟

ثم سؤال آخر لا بد من الإجابة عليه لأنه مدخل مهم للإجابة على هذا السؤال، وهو:


لماذا يرفض العلمانيون حضور الدين في الجانب السياسي؟

فالدافع لعلمانية الحكم هو ما يثيره حضور الدين في النظام من إشكالات، فليس لديهم إشكال مع الدين في الجانب الخاص، ولا إشكال مع الدين في قضايا الدنيا الأخرى، إنما وجود الدين في النظام له عدد من السلبيات هو الذي دفعهم لتبني هذه العلمنة.


فتأثير الدين على النظام السياسي والقوانين غير مقبول في العقلية العلمانية لمرتكزين أساسين
:
 أولاً:
عدم إيمانهم أصلاً بوجود رؤية دينية قطعية صحيحة، وإنما هي كلها اجتهادات ووجهات نظر خاصة، وفرض الدين يعني فرض رؤية خاصة مما يعني استبداداً باسم الدين، وعدواناً على الآخرين بسبب فهم ضيق للدين، ولذا فهم يعتمدون على مرجعية أخرى مختلفة.

 ثانياً:
أن الدولة المعاصرة دولة مدنية تقوم على جانب من العقل والتجربة والخبرة مستقل تماماً عن الدين، فخضوعه للدين سيكون انتهاكاً للحريات وحقوق الأقليات والمرأة والمساواة، ويستحضرون في هذا عدداً من التجارب التاريخية والحديثة التي يرونها ملازمة للحكم بالدين.

إذا استحضرنا هذين الدافعين الذين يدفعان نحو (علمنة النظام السياسي) بإبعاد الدين عنه يسهل علينا  أن نجيب على سؤال:


هل يمكن لهذه العلمانية أن يكون لها شيوع وانتشار في المرحلة الحالية؟


الواقع يجيب بوضوح: نعم، وما يؤهلها للانتشار أكثر هو أن هذه العلمانية بدأت تتسلل إلى تفكير بعض الإسلاميين، وصار  (المضمون العلماني) هذا يعبأ في أوعية إسلامية، فأصبح النموذج العلماني نموذجاً متسقاً مع المفهوم الإسلامي ولا يصادم الأحكام الشرعية، بل ويُقدم له عدد من النصوص والدلائل الشرعية التي تدعمه وتؤيده كما تقرر ذلك بعض الدراسات والمؤتمرات والمحاضرات المعاصرة.

فالذي حصل أن إشكالتي التفكير العلماني في نفي (وجود رؤية دينية قطعية) بما يعني فرض رؤية استبدادية، و (طبيعة الدولة الحديثة التي لا تعتمد على الدين) بما يثير عدداً من الإشكالات، قد تسربت إلى عقول بعض الإسلاميين فأصبحت هذه الإشكالات حاضرة بدرجات متفاوتة، وبالتأكيد فحضورها لن يكون كما هي لدى العلمانيين، فثم اختلاف كبير في التصورات بينهما، لكن ذات الإشكال موجود بدرجة معينة وقد يزيد ويضعف بحسب عوامل كثيرة، هذا كله يساهم في أن تعود العلمانية في جانبها السياسي من خلال بعض الإسلاميين أنفسهم.


كيف يمكن ذلك؟


الواقع أن (بعض الإسلاميين) صار يقدم عدداً من الرؤى التجديدية في الفكر الإسلامي يفسر بها النظام السياسي الإسلامي تجعلها متقاربة لحد كبير – إن لم تكن متطابقة- مع الرؤية العلمانية للنظام السياسي، فالنتيجة بين الطرفين واحدة وإن اختلفا في الطريق الموصل إليها.

فتكثيف العلمانيين للدوافع التي تخوف الناس من الحكم الإسلامي، مع وجود بعض الرؤى التجديدية المنسوبة إلى الإسلام، يعطي فرصة كبيرة لمفهوم (علمنة النظام السياسي) أن يكون له حضور في المرحلة القادمة.

في العدد القادم – بإذن الله- سنستعرض عدداً من هذه الرؤى التجديدية التي يقدمها بعض الإسلاميين ونقارنها بالمفهوم العلماني لنبحث عن أوجه الاتفاق والاختلاف،  لنتمعن بعدها في (قصة  العلمانية المؤسلمة) وما الذي تجاوزته من
(علمانية ما قبل الأسلمة)!

---------------------------------------------------
[1] الإسلام وأصول الحكم ص 87
[2] الإسلام وأصول الحكم ص 82
[3] انظر: الإسلام وأصول الحكم ص 105
[4]  هذه الأخطاء هي: جعله الإسلام رسالة روحية لا علاقة لها بالحاكم وأمور الدنيا، ومهمة الرسول مهمة بلاغ مجرداً عن الحكم والتنفيذ،  وأن الدين لا يمنع أن يكون جهاد الرسول صلى الله عليه وسلم كان لأجل الملك، وأن نظام الحكم في عهد الرسول كان موضع غموض، إنكار أن القضاء وظيفة شرعية، وإنكار إجماع الصحابة على وجوب أن الأمة لا بد لها من إمام، وأن حكومة أبا بكر كانت حكومة لا دينية.  انظر: حكم هيئة كبار العلماء 5-6 من مطبوعات المكتبة السلفية.
[5] انظر: الدولة في الإسلام 9-16
[6] العلمانية من منظور مختلف، لعزيز العظمة 235
[7] العلمانية من منظور مختلف 293
[8] الأسس الفلسفية للعلمانية، عادل ضاهر ص

 

د.فهد العجلان
  • مقالات
  • السياسة الشرعية
  • سيادة الشريعة
  • محاضرات مفرغة
  • معركة النصّ
  • الفروق الفيسبوكية
  • المؤلفات
  • الصفحة الرئيسية