اطبع هذه الصفحة


خيــــار الناس

  

عبدالله بن محمد العسكر

 
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لانبي بعده ، وبعد :
عمر الإنسان مهما طال فهو في نهاية الأمر يعد قصيراً ، بل وقصيراً جداً مقابل عمر الزمن الطويل .
وكلٌ منا له عمر محدد ، ونهاية محتومة لامحالة ، و( لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ) [1] .
كما أنه لن يبقى أحدٌ من الخلق إنسهم وجنهم إلا وسيغادر الدنيا ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ) .
تلك حقائق ثابتة ، ونواميس مستقرة ، وسنن لايمكن أن تحول أو تزول .
ولكن السؤال هنا : كم مرَّ على هذه الأرض من أناس ، وكم توالت عليها من أمم وجماعات ، ولكن : من الذي بقي ذكره من هذه الأرتال الهائلة ، والأعداد الغفيرة من الخلق ؟ ..
إنهم قلائل وأفراد معدودون !!..
أجل هؤلاء هم الذين ذُكروا وحفظت سيرتهم ، لما كان لهم من التأثير في مجتمعاتهم ، وهذا التأثير قد يكون سلباً أو إيجاباً بطبيعة الحال ؛ لكن الذكر الحسن والثناء الجميل حتماً لايكون إلا لأهل السير الحميدة ، والتأثير الإيجابي .
والسؤال الذي أطرحه على نفسي وعليك أخي الكريم : كم انقضى من أعمارنا ؟ ..
وفي المقابل : ماذا قدمنا لأمتنا وجيلنا ؟! ..
إن الانغماس في الترف ، وطول الأمل ، والتسويف ، والشعور بالإحباط عند رؤية واقع الأمة وتكالب الأعداء عليها ، كلُّ تلك أسبابٌ لما نراه من عزوف كثير من المسلمين عن القيام بالدور الفعال ، المتعدي خيره ونفعه للناس . يضاف إلى ذلك ورعٌ باردٌ ، وفهمٌ خاطئٌ يتعذر به من تكاسلوا في أداء رسالتهم في الدعوة إلى الله وإبلاغ دينه ، كقول بعضهم : أنا دون أن أصل إلى مرتبة الدعاة إلى الله !! وعندي من التقصير والذنوب مايخجلني ويقعدني عن المشاركة في هذا الباب !! ..
وتلك _ لعمر الله _ الداهية الدهياء ، والجهالة العمياء !! ..

ومن منا يسلم من الذنب والتقصير ؟ ..
ولو كلٌّ منا اتكأ على هذه الحجة لكنا قعيدي بيوتنا ، وأحلاس دورنا !! ..
ولو لم يكن في الناس من هو مذنب # # # فمن يعظ العاصين بعد محمد ؟!
ذكر القرطبي في تفسيره عن الحسن البصري _ رحمه الله _ أنه قال لمطرف بن عبدالله : " عظ أصحابك " ، فقال : إني أخاف أن أقول مالاأفعل . فقال الحسن : " يرحمك الله !! وأينا يفعل مايقول ؟! يود الشيطان أنه قد ظفر بهذا ، فلم يأمر أحد بمعروف ، ولم ينه أحد عن منكر " !! ..
وقال سعيد بن جبير _ رحمه الله _ : " لو كان المرء لايأمر بالمعروف ولاينهى عن المنكر حتى لايكون فيه شئ ماأمر أحد بمعروف ، ولانهى أحد عن منكر " ، قال الإمام مالك تعليقاً على قول سعيد : " صدق ، من ذا الذي ليس فيه شئ ؟! " ..
إن الواجب على من يشعر من نفسه بالتقصير _ وكلنا كذلك _ أن يضاعف الجهد ، ويبذل المزيد من الخير والدعوة ونفع الناس ، فلعل تلك الصالحات تغلب السيئات ، فيكتب عند الله من الفائزين ( إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) .
وأعظم الحسنات التي تثقل بها موازين العبد إذا لقي ربه غداً : الحسنات المتعدي نفعها ، والمستمر أجرها . وذلك بدلالة الغير على الخير ، وعدم قصر ذلك على المرء وحده . فتعليم الجاهل ، ونصرة المظلوم ، والسعي على الأرملة والمسكين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمشاركة في البرامج الدعوية التي يصل نفعها لعموم الناس ، كل ذلك من أعظم ماتضاعف به أجور العبد عند ربه ، ويكون له بها أعظم الذكر والمحبة في قلوب الناس .
ومع أن الداعية لايجوز أن يطلب بدعوته مدح الناس وثناءهم ، إلا أن الله جعل له ذلك حتماً : بشارة له في الدنيا ، وتعجيلاً لثوابه وحسن جزائه ( وتلك عاجل بشرة المؤمن ) [2]
إن الموفق من عَََمَرَ الله حياته بالسعي في تلك السبل المباركة التي يتعدى نفعها إلى غيره من المسلمين ، فتجري حسناته عليه في حياته ، وربما بعد مماته ، ولعلها أن تكون إلى قيام الساعة . قال صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم : " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لاينقص ذلك من أجورهم شيئاً " [3] .
ومثل هؤلاء كأنما عاشوا أبد الدهر لما قدموا من تلك الخيرات .
إن خيار الناس ونبلاءهم هم من يحدثون أثراً إيجابياً في مجتمعاتهم وأمتهم . فإذ غابوا عن الناس فقدوهم ، وإذا حضروا انتفعوا بهم ، فهم كالغيث أينما حلَّ نفع . وحين يموتون تضجُّ الدنيا لموتهم ، ويبكيهم كل من عرفهم ، بل ويبكي لفراقهم الحجر والمدر ، وكل بقعة ذكروا الله عليها .
ولك أن تقارن بين حال هؤلاء وحال أكثر الناس ، الذين ليس لهم أثرٌ ولا قيمة ، سيان بقاؤهم وغيابهم !!
وميتٍ ضجت الدنيا عليه *** وآخر ما تحس له نعياً !!

----------------------------
[1] رواه ابن حبان وابن ماجه وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 2607 ) .
[2] رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه .
[3] رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
 

 الجار الله
  • كتب ومباحث فقهية
  • موضوعات علمية
  • رسائل ومقالات
  • خطب
  • مختارات شعرية
  • الصفحة الرئيسية