اطبع هذه الصفحة


العاصم من فتن الشهوات

  

عبدالله بن محمد العسكر

 
( لا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجد، ولا تنزل الهمم وتسقط التطلعات إلا بمقدار ما تتمتع به النفوس من ضبط السلوك وقوة الإرادات ). فالمرء صاحب السلوك السوي والنفس الخيرة يتجلى فيه مظهر الكرامة الإنسانية مطبوعًا على أجمل صورة من الكمال والنبل، وبسبب ضعف هذه النفس وهوانها وانسياقها خلف شهواتها ينـزل المرء من سماء الإنسانية العالي ليكون أشبه بالحيوان ساقطًا مهملاً كما قال الله ( أولئك كالأنعام بل هم أضل ) .

إن قيمة المرء : إيمانه بربه ، وصدقه في مراقبة مولاه ، وميزانه : نزاهته وسمعته ، وشرفُه : في طهارة عرضه وبياض صفحته ، وبعدِه عن كل ساقط من الفعال وخبيث من الخلال .
ومع كثرة المغريات في هذا الزمان ، وتنوعِ أبواب الشر ووسائل الإغراء الشيطاني تغيرت سلوكيات كثير من المسلمين رجالا ونساء ، ليس الشباب منهم فحسب _ وإن كانوا هم الفئةَ الأكبر _ بل وبعض من يوصفون بالراشدين والعقلاء ممن يفترض فيهم العقل والحكمة والتوجيه ، وهي حقيقة يجب أن نعترف بها وأن الا نتجاهلها .

إنه ومع الأسف الشديد قد عمّت الفتنة وطمت ، وأصابت بغبارها فئاما كثيرة من المسلمين نظرا لضخامة تلك الفتنة وبشاعتها ، وفي المقابل ضعفُ الوازع وندرة الناصح وضعف الرقيب . ثمثل ذلك في صور عديدة منها :
1- السفر لبلاد الإباحية والخنا والفجور تلك البلاد التي لا تمانع من ارتكاب الحرام بل على العكس من ذلك فإنهه تَعرِض المعصية في صور فتانة ومكر شيطاني كبار . ومع أننا لا نتهم كل من ذهب إلى تلك البلاد بارتكاب ومعاقرة تلك الفواحش والموبقات إلا أننا نعجب من أقوام يظن فيهم العقل والاتزان يذهبون بأزواجهم وأبنائهم وبناتهم الذين لا يزالون في سن المراهقة فيقذفون بهم في أتون تلك الأماكن الموبوءة ليروا بأعينهم صور النساء والرجال بالألبسة الفاضحة والمناظر المخلة بالآداب .
أفلا يتقي الله ذلك الأب الذي استأمنه الله على هذه الرعية التي سيسأل عنها لا محالة في يوم تزل فيه الأقدام ويخرس فيه اللسان .
أفيجلس المسكين يربي أولاده جل العام على الفضيلة والحشمة والخلق والدين ثم يُفسد ذلك كله بسفرة قصيرة تبقى صورتها محفورة في نفوس ناشئته وفلذات كبده لا يدرى ما عواقبها ؟!
متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

2- ومن مظاهر الانكباب على الشهوات والرتوع في حظيرة المعصية الولع الشديد بمشاهدة المناظر المنحلة والأفلام الخليعة التي أصبحت ومع الأسف تتنافس في بثها بعض القنوات الفضائية العربية مع الأسف ، ليس لملاكها هم سوى جمع الدرهم والدينار فحسب ، فتراها تنشر مسلسلات الغرام والعشق ، وثبث مشاهد الرقص والغناء ، ولا تبال بعد ذلك في أي واد هلك الناس !!.
أجل إنهم أهل الشهوات ومروجو الرذيلة ، الحريصون على إفساد عباد الله ، أصحاب مشاريع الفساد في الأمة ، المتفنون في إغواء المسلمين بمكر ودسائس لم يبلغها حتى الشيطان فصار الحال بأحدهم كما قال القائل :
وقد كنت جنديا لإبليس فارتقى *** بي الحال حتى صار إبليس من جندي
ولولا أن هؤلاء المفسدين وجدوا من المسلمين من يتشرب هذا الفساد ويروق له ذلك الضياع و إلا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من التقدم الهائل في خطط الفساد والإفساد .

3- ومن مظاهر الرتوع في الشهوات والانغماس فيها التهافت غير المسبوق من كثير من الشباب على مواقع الانحلال والمنتديات المنتشرة وبكثرة على الشبكة العنكبوتية . فأصبح بعض يقضي أمام شاشاتها الساعات تلو الساعات يحرق زهرة عمره ، ويضيع ماله ودينه قبل ذلك في مشاهدة الصور ، والدخولِ في حوارات بين الجنسين من الشباب والشابات يندى لها الجبين ، وتدمى لها قلوب أهل الغيرة والصلاح !!
وفي هدأة الليل وسكونه ، وفي غفلة من الوالدين تدور تلك المحادثات والحوارات التي تسخط الباري جل في علاه . فإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

أيها الإخوة في الله : إن الأمر خطير ، وإن الشر قد استفحل ، ووقع في براثنه وشباكه أناس ما كان يظن بهم والله ذلك . وما ذاك إلا بسبب القرب من حبائل الشيطان والبعد عن حبل الواحد الديان .
فإلى من غرق في بحر الشهوة أو كاد : إن الواجب المتحتم علينا فعلُه أن نذكِّر ببعض ما يعين على الإقلاع عن تلك المعاصي التي تسخط رب الأرباب ، ولعل من يسمع هذا الحديث أن يأخذ بها فيسعده الله في الدارين وينجيه من مغبة هذه الذنوب وتلك الخطايا .فمن اعتبر فذاك الظن بكل مسلم يرجو لقاء الله ، ومن أعرض فأمره إلى الله ، وهو الحسيب الرقيب {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء }

مما يعين على ترك الفاحشة :
أولا : تذكر أخي حين تهم نفسك بالمعصية ربا لا يحجب بصره حجاب ، ولا يغلق عنه باب ... إنه العالم بالسرائر ، كما أنه العالم بالعلانية ، الذي لا تخفى عليه خافية ، ولا يمنع بصرَه أن يكون الإنسان في قعر داره ، أو أن يتدثر بلحافه ، أو أن يكون في جوف البحار أو فوق قمم الجبال ... كل ذلك لا يمنع من رؤية الله له ، فسبحانه من إله عظيم ، وربٍّ لطيف خبير ...
فمن علِم ذلك فليخجل من ربه وليستح منه !! كيف يجترئ على معصيته وهو يعلم أن الله يراه {ألم يعلم بأن الله يرى} ؟!! {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}
وإذا خلوت بريبة في ظلمة *** والنفس داعية إلى الطغيان

ثانيا : إن مما يعين وبشكل كبير على ترك ما حرم الله من الفواحش البعد عن مواطنها وأماكنها قال تعالى : ( ولا تقربوا الزنا ) . فالحذر الحذر من الاقتراب من مقدمات الفاحشة . ومما يعين على ذلك غض البصر ؛ فإن فيه راحة للقلب ، وطمأنينة في النفس ، وحلاوة يهبها الله لذلك الغاض لبصره طلبا لمرضاة الله ، وفي الحديث القدسي وفي سنده مقال ( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركه مخافتي أبدلته حلاوة يجدها في قلبه ) .
أما حين تطلق بصرك في الحرام فإن الحسرة لا تفارقك ، والهموم لا تزايلك ، ومع هذا فإنك لم تستفد شيئا من نظرك سوى الكدر والسآمة !!
وكنت متى أرسلت طرفك رائدا *** لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر *** عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ثالثا : وإن مما يعين المرء على ترك سبيل الفاحشة وطريقها التأمل فيما أعده الله لأهلها يوم القيامة ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً }
وفي صحيح البخاري في حديث المنام الطويل وفيه أنه عليه الصلاة والسلام جاءه جبريل وميكائيل عليهما السلام قال: " فانطلقنا فأتينا على مثل التنور؛ أعلاه ضيق وأسفله واسعٌ فيه لَغَطٌ وأصوات؛ قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراةٌ فإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك ضوضوا ـ أي صاحوا من شدة الحر ـ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟! قال: هؤلاء الزناة والزواني " فهذا عذابهم إلى يوم القيامة عياذًا بالله.
وأخرج الإمام أحمد في كتاب الزهد عن عيسى عليه السلام قال : ( لا يكون البطالون حكماء، ولا يلج الزناة ملكوت السماء. وفي جهنم نهر يقال له نهر الغوطة يجري من فروج المومسات يؤذي أهلَ النار ريحُ فروجهم ) . أجارنا الله وإياكم من خزيه وعذابه .
يقول الإمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبًا أعظم من الزنا.
رابعا : من عوامل ترك الفواحش أن يتذكر ذلك المسرف على نفسه بالرتوع في لذات رخيصة عابرة ، وشهوات دنيئة ليتذكرأن الموت بالمرصاد ؛ بل ربما أتى الموت ذلك المذنب وهو مقيم على فاحشة والعياذ بالله ، أو أمام منظر على شاشة يقلب فيها النظر فيما حرم الله ونهى عنه !!
أجل إنه موت الفجأة الذي كل يوم بل كل ساعة نسمع بأخباره .تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إن من أمارات الساعة موت الفجأة ) رواه الطبراني وحسنه الألباني .
وما بعد الموت فإنه أدهى وأمر . إنه القبر فالحشر والنشر فالجنة أو النار :

إن دنيا يا أخي من بعدها *** ظلمة القبر وصوت النائح
لا تساوي حبة من خردل *** أو تساوي ريشة من جانح
لا تسل عن قيمة المجدوسل *** وسل عن أساليب الفريق الرابح

جلس عمر بن عبدالعزيز مرة في إحدى الليالي متفكرا فبكى واشتد بكاؤه حتى قامت زوجته فاطمة فزعة من صوته فلما سألته عن سبب بكائه قال : " تذكرت منصرف القوم غدا بين يدي الله فريق غي الجنة وفريق في السعير ، ولا أدري مع أيهما أصير !! "

أجل إنها حقيقة لا مناص عنها !!

وما الناس إلا ميت وابن ميت *** تعجل حي منهم أو تأجلا
فلا تحسبن الله مخلف وعده *** بما كان أوصى المرسلين وأرسلا
هو الموت يا ابن الموت والقبر بعده *** فمن بين مبعوث مخفا ومثقلا
ومن بين مسحوب على حُرِّ وجهه *** ومن بين من يأتي أغرّ محجلا

فإلى أولئك الذين استهانوا بمعصية الله وما جعلوا لله وقارا : اعلموا علم اليقين أنكم حتما ستلقون الواحد الديان في يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمال حملها وترى الناس سكارى ومل هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد !!
واعلموا أنكم لا محالة واقفون بين يدي من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .فأين المفر ؟!
قال صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه يوم القيامة ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى إلا ما عمل ، وينظر عن شماله فلا يرى إلا ما عمل وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة " .
وقال الحسن البصري رحمه الله ( إن العبد ليقف بين يدي الله فتسقط فروة وجهه حياء من الله ) !!
فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله حين تشهد عليهم الأرض التي عصوا الله عليها ( يومئذ تحدث أخبارها ) بل ويل لهم حين تشهد عليهم جوارحهم التي تلذذوا بها في الحرام ، أجل إنها تنطق وتتكلم وتخبر بما فعلوا من الحرام !
فواسوأة من عصى جبار السموات والأرضين ، ويله ثم ويله !!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ - حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ - وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ -وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ -فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ}.
اللهم أجرنا من الحرام ، وجنبنا الذنوب والآثام ، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا ...
اللهم اعصمنا من مضلات الفتن ونزغات الشياطين ، وثبتنا على الحق حتى نلقاك غير مضيعين ولا مغيرين .
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد،،،
 

 الجار الله
  • كتب ومباحث فقهية
  • موضوعات علمية
  • رسائل ومقالات
  • خطب
  • مختارات شعرية
  • الصفحة الرئيسية