اطبع هذه الصفحة


أهمية تحرير المصطلحات

د.عبدالعزيز بن سعد الدغيثر

 
بسم الله الرحمن الرحيم


   يلحظ على عدد من الدراسات التي تناولت الموضوعات العلمية أنها لا تعطي تحرير المصطلحات أهميتها اللائقة بها، مع أن توضيح معاني العبارات التي يتناولها أي بحث علمي، مهم لتطبيق النصوص العلمية. ولذا فإن من الملائم بيان أهمية تحرير المصطلحات، وعناية أهل العلم بذلك بتأليفهم الكتب الخاصة بتحرير المصطلحات.

وتوضيحا لذلك فإنه لما تنوعت المدارس الفقهية دخل الكثير من المصطلحات إلى كتب العلم واستقرت، حتى توجب على الباحث في أي علم أن يفهم مصطلحاته، فلم يخل مذهب من المذاهب الفقهية المشهورة من كتاب أو أكثر يبين معاني الاصطلاحات الفقهية والتي من أشهرها عند الحنفية كتاب طلبة الطلبة ([1]) وعند المالكية كتاب الحدود([2])، وعند الشافعية كتاب المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ([3])، وعند الحنابلة كتاب المطلع على أبواب المقنع([4])، ومن الكتب المعاصرة الجامعة كتاب القاموس الفقهي([5]).

ويمكن القول بأن " مصطلحات الفنون " إنما وضعت لتقريب معاني كل فن، وضبط قواعده ومباحثه، وهذا "من أصدق دلالة على عظيم الجهود المبذولة في خدمة العلم وتذليل صعابه، وتقريب بعيده، وجمع متفرقة من أهل العلم في كل عصر ومصر" ([6]).

   وفي أهمية إدراك المصطلحات يقول الإمام الرازي([7])- رحمه الله -:" لا نزاع في أن لكل قوم من العلماء اصطلاحات مخصوصة يستعملونها في معان مخصوصة؛ إما لأنهم نقلوها بحسب عرفهم إلي تلك المعاني، أو لأنهم استعملوها فيها علي سبيل التجوز، ثم صار المجاز شائعاً، والحقيقة مغلوبة"([8])، وقال الإمام ابن القيم ([9]) - رحمه الله -: " لا ننكر أن يحدث في كل زمان أوضاع لما يحدث من المعاني التي لم تكن قبل، ولا سيما أرباب كل صناعة فإنهم يضعون لآلات صناعاتهم من الأسماء ما يحتاجون إليه في تفهيم بعضهم بعضاً عند التخاطب، ولا تتم مصلحتهم إلا بذلك، وهذا أمر عام لأهل كل صناعة مقترحة أو غير مقترحة، بل أهل كل علم من العلوم قد اصطلحوا علي ألفاظ يستعملونها في علومهم تدعو حاجتهم إليها للفهم والتفهيم"([10]). وقال أحمد ابن فارس ([11])- رحمه الله -: "لكل لفظ اسمان: لغوي، وصناعي، ويقصد بالصناعي الاصطلاحي" ([12]).

  إلا أنه يحسن أن ينضبط الاصطلاح بما ضبطه أهل العلم، وحينما تورَد قاعدة: "لا مشاحة في الاصطلاح" ([13])، لا يُقصد بها العموم، بل هي مقيدة بشروط:

أولها: أن يكون المعنى معروفاً عند أهل الفن، ولذا يقولون:"لا مشاحة في الألفاظ بعد معرفة المعاني" ([14]). وقال الشيخ طاهر الجزائري([15]) - رحمه الله -:" هذا، وقد ذكر المحققون أنه ينبغي لمن تكلم في فن من الفنون أن يورد الألفاظ المتعارفة فيه مستعملاً لها في معانيها المعروفة عند أربابه، ومخالف ذلك إما جاهل بمقتضى المقام، أو قاصد للإبهام والإيهام، مثال ذلك... أن يقول قائل عن حديث ضعيف: أنه حديث حسن، فإذا اعترض عليه قال: وصفته بالحسن باعتبار المعنى اللغوي؛ لاشتمال هذا الحديث على حكمة بالغة. وأما قولهم: " لا مشاحة في الاصطلاح " فهو من قبيل تمحل العذر، وقائل ذلك عاذل في صورة عاذر"([16]).

ثانيها:
ألا يتضمن الاصطلاح مفسدة، يقول ابن القيم - رحمه الله -:"والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة " ([17]).
ويجد التنبه إلى أنه لا يخلو تعريف من إيراد، وهذا لا يشكل عليه، قال الإمام ابن تيمية([18]) - رحمه الله -:"الذي عليه عامة الناس من نظار المسلمين وغيرهم الاقتصار في الحدود على الوصف المميز الفاصل بن المحدود وغيره إذ التمييز يحصل بهذا وذلك هو الوصف المطابق للمحدود في العموم والخصوص إلى أخرها بحيث يدخل فيه جميع أفراد المحدود وأجزائه ويخرج منه ما ليس منه "([19]).

-----------------------------------
([1]) طلبة الطلبة لعمر بن محمد النسفي الحنفي، وهو في مصطلحات المذهب الحنفي.
([2]) الحدود لابن عرفة المالكي. وشرح الحدود للرصاع التونسي، وهو في مصطلحات المذهب المالكي.
([3]) المصباح المنير لأحمد بن محمد المقري الفيومي، وهو في مصطلحات المذهب الشافعي.
([4]) المطلع لمحمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، وهو في مصطلحات المذهب الحنبلي.
([5]) القاموس الفقهي لسعدي أبو جيب. وهو من الفقهاء المعاصرين
([6]) المواضعة في الاصطلاح على خلاف الشريعة وأفصح اللغى للشيخ بكر أبو زيد - ضمن كتاب فقه النوازل 1/127.
([7])هو محمد بن عمر بن الحسين القرشي، أبو عبدالله فخر الدين المعروف بابن خطيب الري، من أئمة الشافعية، له من الآثار مفاتيح الغيب في التفسير والمحصول في الأصول. وتوفي سنة 606هـ. " طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي 5 / 33".
([8]) المحصول للرازي (4/ 647).
([9]) هو محمد بن أبي بكر الزرعي ثم الدمشقي، الإمام المشهور بالفقه والأصول والتفسير والنحو ويغرها، كان والده قيم المدرسة الجوزية، ولد سنة 691هـ وتوفي سنة 751هـ. له من الكتب إعلام الموقعين وزاد المعاد وإغاثة اللهفان والصواعق المرسلة وغيرها. "الذيل على طبقات الحنابلة " 2/447.
([10]) مختصر الصواعق المرسلة (ص272).
([11])هو أبو الحسين أحمد بن فارس القزويني الرازي اللغوي، من أعظم عباقرة العربية، يشهد له على ذلك كتبه التي منها الصاحبي ومقاييس اللغة، توفي سنة 395هـ. " ابن فارس اللغوي 25 – 105".
([12]) كتاب الصاحبي لابن فارس ص 89.
([13]) إعانة الطالبين (3/37)، و حاشية البجيرمي (1/243،3 3/352) والموافقات للشاطبي (1/411)، وروضة الناظر (2/ 177) وحواشي الشرواني ( 1/ 176) وحاشية الطحاوي علي مراقبي الفلاح (2/9)، و حاشية الدسوفي (2/ 383)، والسبيل الجرار للشوكاني (2/351) وأبجد العلوم لصديق حسن خان (1/29).
([14]) المستصفى للغزالي ص23، والروح لابن القيم ص204.
([15]) هو الشيخ طاهر بن صالح بن أحمد بن موهب، السمعوني الجزائري، ثم الدمشقيّ: بحاثة من أكابر العلماء باللغة والأدب في عصره. أصله من الجزائر، ومولده ووفاته في دمشق. كان كلفا باقتناء المخطوطات والبحث عنها، فساعد على إنشاء (دار الكتب الظاهرية) في دمشق، وجمع فيها ما تفرق في الخزائن العامة، وساعد على إنشاء (المكتبة الخالدية) في القدس. له عدة مصنفات في البلاغة والتفسير والأدب وغيرها، وألف في سيرته عدة كتب. الأعلام 3/221.
([16]) توجيه النظر ( 1/78).
([17]) مدارج السالكين لابن القيم ( 3/ 306).
([18]) هو الإمام المجدد أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية- لقب لإحدى جداته- النمري نسبا الحراني ولادة الدمشقي نشأة ووفاة، ولد سنة 661هـ، أحدث نقلة عظيمة في الفقه الإسلامي فأوحى الشيطان إلى أوليائه أن يغيبوه في السجن مرات حتى مات في السجن سنة 728هـ، ألف في ترجمته مصنفات عديدة كالأعلام العلية وغيره، ومن أشملها: الجامع لسيرة شيخ الإسلام لمحمد عزير شمس.
([19]) الرد على المنطقيين لابن تيمية ص 75.

 

د.عبدالعزيز الدغيثر
  • بحوث علمية
  • مقالات حديثية
  • مقالات فقهية
  • مقالات لغوية
  • مقالات عقدية
  • مقالات أخرى
  • الصفحة الرئيسية