اطبع هذه الصفحة


حكم فاضل غلة الأوقاف

د.عبدالعزيز بن سعد الدغيثر

 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد:
فقد اختلف العلماء في فاضل غلة الوقف، ولكون هذه المسألة مما يترتب عليه نزاعات بين ورثة الموقف، لكثرة هذا النوع من الأوقاف، ففي هذا البحث تحرير لأقوال العلماء في هذه المسألة وأدلة كل قول، وبيان ما جرى به العمل في القضاء، ومن الله أستمد العون والتوفيق.

أولا: حكم العمل بشرط الواقف إن لم يتضمن محرماً

يجب أن يرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها-وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه-إلى شرط الواقف، قال تعالى:" فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه"([1]) لأن الوقف ثبت بإيقافه له فوجب أن يتبع فيه شرطه ولأن ابتداء الوقف مفوض إليه فكذلك تفضيله وترتيبه وقد صح عن عدد من الصحابة أنهم اشترطوا في أوقافهم شروطاً وعمل بها، فقد صح أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه، لا تباع ولا توهب ، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضَرٍ بها، فإن استغنت بزوج فلا حق لها في الوقف"[2].
ولو اشترط أن يكون الناظر امرأة فيعمل بشرطه ففي وقف عمر رضي الله عنه:" ثم أوصى ( يعني عمر ) به إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ثم إلى الأكابر من آل عمر " ([3]).
وذلك مشروط بألا يخالف شرط الواقف الأحكام الشرعية([4]).

ثانيا: حكم فاضل غلة الوقف

 إذا زاد ريع الوقف عن الموقوف عليه، كأن يوقف عقاراً في أضحية، فاشتريت الأضحية بجزء من الغلة، وبقي مال، فقد اختلف أهل العلم في كيفية التصرف في هذا الفاضل على أقوال:
القول الأول: أنه يكون وقفاً على ورثة الموقف، قال الشافعية في الوقف المنقطع:" الأظهر أنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور لأن الصدقة على الأقارب من أفضل القربات "([5]). وعند الحنابلة يصح الوقف ويصرف بعد من يجوز الوقف عليه إلى ورثة الواقف نسبا حين الانقطاع على قدر إرثهم ، ويكون وقفا عليهم فلا يملكون نقل الملك في رقبته([6]). وفي كشاف القناع:" لو وقف على جهة تنقطع ) كأولاده ( ولم يذكر له مآلا ) إلى ورثة الواقف نسبا بعد من عينهم ". وعلل بقوله:" لأن الوقف مصرفه البر , وأقاربه أولى الناس ببره لقوله صلى الله عليه وسلم { إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس } ; ولأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل , والمفروضات فكذا صدقته المنقولة ; ولأن الإطلاق إذا كان له عرف صح , وصرف إليه , وعرف المصرف هنا أولى الجهات به , فكأنه عينهم لصرفه".
ثم ذكر طريقة القسمة قوله:" ( غنيهم , وفقيرهم ) أي : ورثته لاستوائهم في القرابة ( بعد انقراض من يجوز الوقف عليه ) إن كان , ويكون ( وقفا عليهم ) ; لأن الملك زال عنه بالوقف , فلا يعود ملكا لهم , ويقسم بينهم على قدر إرثهم من الواقف ( فيستحقونه كالميراث , ويقع الحجب بينهم ) كالميراث  ".
فقد سئل الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عن أشخاص يوقفون أوقافا يجعلون فيها معينات من حجج وأضاحي وضعوها وما زاد من الغلة لم يذكر له مصرف . ما هو مصرف الزائد من تلك المعينات.
فأجاب: بأن ما فضل بعد تلك المعينات حكمه حكم غلة الوقف المنقطع الآخر من كونه لأقرب ورثة الواقف نسبا لا بالولاء ولا بالزوجية ، ويكون وقفا عليهم للذكر مثل حظ الأنثيين لأنه لم يجعله إليهم بنص منه وإنما استحقوه بالقرابة ، والذي يستحق يكون كقسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين .
وكيفية استحقاقهم أنه متى حصل غلة من هذا الوقف فحينئذ يقدر الواقف كأنه مات الآن ، فينظر في أمر ورثته الموجودين ، فمن كان يرثه إذاً أخذ من هذه الغلة بحسب ميراثه ، ويجري الحجب بينهم في ذلك .... وهذا المفتي به عندنا ، وهو المشهور من مذهب الإمام احمد رحمه الله في غلة الوقف المنقطع الآخر([7]).
القول الثاني: أنه يصرف في أعمال البر، ففي فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء:" والذي تختاره اللجنة في الوقف المنقطع الانتهاء: أن تصرف غلته في أعمال بر على نظر الوكيل، وإذا كان في أقرباء الواقف محتاج فيعطى من الغلة لحاجته وقربه، أما إن كانوا أغنياء فلا يعطى أحد منهم شيئا منها"([8]).
القول الثالث: أنه يكون وقفاً على فقراء أقاربه، قال المالكية:" إذا انقطعت الجهة الموقوف عليها رجع الوقف لأقرب فقراء عصبة المحبس نسبا ويكون وقفا عليهم ، ويستوي في الأنصبة الذكر والأنثى"([9]).
والعمل في المحاكم السعودية على القول الأول.

-------------------------------------
([1])  البقرة: 181.
[2] رواه البخاري تعليقا 4/15 ووصله الدارمي 2/427.
([3])  رواه البيهقي في السنن الكبرى 6/161، وقال الألباني في الإرواء 6/30: إسناده صحيح .
([4])  حاشية ابن عابدين 3/361، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/88، المهذب 1/450، كشاف القناع 4/258.
([5])  مغني المحتاج 2 / 384
([6])  شرح منتهى الإرادات 2 / 498 .
([7])  فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 9/189.
([8])  فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 16/128 بتوقيع المشايخ عبد الله بن سليمان بن منيع وعبد الله بن عبد الرحمن بن غديان و عبد الرزاق عفيفي.
([9])  حاشية الدسوقي 4 / 85 - 87،.


 

د.عبدالعزيز الدغيثر
  • بحوث علمية
  • مقالات حديثية
  • مقالات فقهية
  • مقالات لغوية
  • مقالات عقدية
  • مقالات أخرى
  • الصفحة الرئيسية