اطبع هذه الصفحة


توبةُ سهران!!!

عبدالله بن أحمد الحويل
@alhaweel

 
يقولُ الشاعرُ الفارسي الكبير عمر الخيّام في (رباعياته) الشهيرة التي ترجمها أحمد رامي إلى العربية :

فما أطالَ النومُ عُمراً** ولا قَصّرَ في الأعمارِ طولُ السَهَر


ولعمر الله ماصدقَ في قالته هذه، فقد أثبتتْ أبحاثُ حذّاقِ الطب أنّ السهرَ عدو الصحة الأكبر
فمقاومة النوم أو الحرمان منه يعرضان الشخص للعديد من الأمراض، ويرفعان من أخطار إصابته بأمراض القلب، كما يؤثران سلباً على صحته النفسية
وشاركهم هذا الرأي خبراءُ التنمية البشرية مؤكدين أن السهرَ عدو الإنجاز الأخطر.
وقبلهم كانَ إمامنا القدوة صلى الله عليه وسلم ( يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) متفق عليه
ويشرحُ لنا الإمام النووي رحمه الله السبب في كراهية النبي صلى الله عليه وسلم للسهر فيقول :" وَسَبَب كَرَاهَة الْحَدِيث بَعْدهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى السَّهَر , وَيُخَاف مِنْهُ غَلَبَة النَّوْم عَنْ قِيَام اللَّيْل , أَوْ الذِّكْر فِيهِ , أَوْ عَنْ صَلَاة الصُّبْح فِي وَقْتهَا الْجَائِز , أَوْ فِي وَقْتهَا الْمُخْتَار أَوْ الْأَفْضَل .
وَلِأَنَّ السَّهَر فِي اللَّيْل سَبَب لِلْكَسَلِ فِي النَّهَار عَمَّا يَتَوَجَّه مِنْ حُقُوق الدِّين ، وَالطَّاعَات ، وَمَصَالِح الدُّنْيَا " شرح صحيح مسلم " (5/146)
وإني أحدثك عن نفسي فقد كنتُ رجلاً سـُهَـرةً، أكلأُ عيني في سخف اللقاءات، وأبيتُ أدامر الليل كله في مجالس المجاملات، ففاتني من حظ ديني ما أترع قلبي حسرةً، ونقص من حظ دنياي ما زادني ندامةً
فآليتُ على نفسي ألا أكتحل السهاد إلا فيما توجبه ضروراتُ الشرع، ولا أصادق السُهار إلا فيما تستحسنه هداياتُ العقل
فمالي وللسهر أهدمُ به بنيان صحتي، وأُعـْثـِرُ به سير إنجازي، وأكسلُ به عن النهوض بأمر ربي
لقد جعل الخالقُ الحكيم سبحانه الليلَ مستراحاً وسكينةً، وجعل النهار محلاًً للنشاطِ وطلب الرزق والسعي في الاكتساب فقال جلّ جلاله ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)
فما بالُ أقوامٍ أبوا إلا تجريد الليل من لباسه بالسهرِ الآثم
وقال تعالى:(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا)
فمالي أرى فئاماً من المخذولين حوّلوا ليلهم إلى صخبٍ يسرقُ الإبصار من نهارهم.
إن من يعتاد مخالفةَ الفطرة التي فطرَ الله الكون عليها، والصبغة التي خلق الباريءُ النفوس عليها= لا يحسن به إلا ملازمة الفشل، ومصاحبة الخيبات
يقول القرطبي رحمه الله : ( وقد قيل: إن الحكمةَ في كراهيةِ الحديث بعدها(أي بعد العشاء) أن الله تعالى جعلَ الليل سكناً ، أي يُسكن فيه ، فإذا تحدث الإنسان فيه فقد جعله كالنهار الذي هو متصرف المعاش ، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة الله تعالى التي أجرى عليها وجوده) " تفسير القرطبي 138/12
وحذارِ من تلبيساتِ بعض المتفيقهين الذين أدمنوا السهر بحجة الإصلاح أو العلم فضيعوا بسببه فرائضَ الله في النهار، وأهملوا عزائم دنياهم في الصباح (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)
إنّ هديَ إمامِ الدعاة وسيدِ المصلحين كان كما قالتَ أمنا عائشة رضي الله : ( مَا نَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَلَا سَمَرَ بَعْدَهَا ) ، رواه ابن ماجه (702) وصححه الألباني
قد يحسنُ أحياناً السهر لمصلحة شرعية راجحة لكن المداومة عليه مفسدة شرعية راجحة
إن أفضلَ أنواع السهر أيها الموفق هو الذي نختاره وأقبحه الذي يختارنا
وقد اتفقتْ هداياتُ السنة المطهرة، وأبحاثُ الطب الحديث، ودراساتُ التنمية البشرية، وتجاربُ نوابغ الناجحين على كراهية السهر وكثرة مفاسده
أما صاحبنا الخيام فلو كان بيننا الآن لردد قائلاً:
لقد أطالَ النومُ عمراً.. وقد قصّر في الأعمارِ طولُ السهر

عبدالله بن أحمد الحويل
1436/5/17


 

عبدالله الحويل
  • مقالات
  • كتب
  • الصفحة الرئيسية