اطبع هذه الصفحة


اليمن الغموس

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله الذي خلق السماء فأحسن بناها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها ، أحمده سبحانه وأشكره شرع للعباد حقوقاً وبالحدود حماها ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهدت بوحدانيته البرية أولاها وأخراها،واشهد أن محمداً عبد الله ورسوله بلغ شريعة ربه فجلاها فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهج الشريعة واهتدى بهداها .
أما بعد:فيقول ربكم مخاطباً لكم فاستمعوا لخطاب ربكم : {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}([1]) معاشر الأحباب كنت أنوي أن أوجه في خطبة اليوم نصائح للوالدين والمجتمع بمناسبة الاختبارات بعد أن كانت الخطبة الماضية نصائح للأبناء ، لكن قصة واقعية نشرتها صحيفة محلية(2) استوقفتني وأحببت أن أنقلها إليكم لتقفوا معي على العبر والعظات منها وهي قصة قصيرة لكنها تحتوي على عبر عظيمة تقول القصة : كان رجل يدعى م.أ . حاضراً لجلسة قضاء بينه وبين من يدعي عليه بمبلغ مالي يقدر بخمسين ألف ريال ، وقد أنكر م.أ. المبلغ كلياً وطلب منه القاضي اليمين في تلك اللحظة لعدم توفر البينة لدى المدعي  وقد ردد المدعى عليه اليمين خلف القاضي وخرج مزهواً بنفسه وبنصره،والآخر يدعو عليه..وما هي إلا لحظات ويصاب بعدها حالف اليمين بحادث مروري مروع أصيب على فيه بعدة إصابات خطيرة أدخل على إثرها للعناية المركزة؛فسارع وهو في العناية المركزة وطلب من أقاربه إعادة المبلغ لصاحبه حيث اعترف أنه حلف يميناً كاذبةً.هذه اليمين التي قد يتساهل فيها بعض الناس غير مدرك لخطورة الحلف بها كاذباً،ومن لطف الله بهذا العبد الذي حلف كاذباً أن الله عجل له بعقوبة في الدنيا لم تكن فيها نهايته وترك له فرصة ليتوب ويرجع،فهناك ممن لم يمهلوا وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر فماتوا وهم في مجلس القضاء فأخذ ورثتهم المال المحلوف عليه وتهنوا به، وهم في ظلمات القبور يعذبوا به، وهناك من اشتد غضب الله عليهم فأمهلهم فاغتروا بإمهال الله وظنوا أنه لا يؤاخذهم بتلك الفعلة وما علموا أن ما يدخره لهم الجبار من عقوبة في الآخرة هي أشد وأنكى.إن أخذ أموال الناس وأكلها بالباطل جريمة عظيمة عند الله فإذا أضاف العبد لها استهتاراً بخالقه وحلف كاذباً بالله مما يشعر بأنه غير مبال باطلاع الله عليه وقدرته على أخذه فقد جاء العبد بكبيرة من كبائر الذنوب،وهي اليمين الغموس ؛واليمين الغموس هي التي يتعمد الكذب فيها(7) يقول المنذري:سميت غموساً لأنها تغمس صاحبها في الإثم في الدنيا وفي النار في الآخرة(8). صاحب الأيمان الكاذبة قدوته في ذلك إبليس فهو أول من سن اليمين الكاذبة يوم أن حلف لأدم وحواء أنه لهم لمن الناصحين وقد خلد الله لنا ذلك في كتابه لنعتبر حيث قال:{ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ}(11) ، الأيمان الكاذبة شعار أهل النفاق أخبر بذلك الحكيم العليم عنهم في أكثر من موطن في كتابه منها قوله تعالى :{ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ..}(17)، وقال عنهم :{ أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(18)،اليمين الغموس أخبر عنه صلى الله عليه وسلم     أنها من الكبائر حيث قال:((الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ))(4)أخرجه البخاري ،قال صاحب الفتح " .. وَنَقَلَ مُحَمَّد بْن نَصْر فِي اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء ثُمَّ اِبْن الْمُنْذِر ثُمَّ اِبْن عَبْد الْبَرّ اِتِّفَاق الصَّحَابَة عَلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِين الْغَمُوس , وَرَوَى آدَم بْن أَبِي إِيَاس فِي مُسْنَد شُعْبَة،وَإِسْمَاعِيل الْقَاضِي فِي الْأَحْكَام عَنْ اِبْن مَسْعُود " كُنَّا نَعُدّ الذَّنْبَ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِين الْغَمُوس أَنْ يَحْلِف الرَّجُل عَلَى مَال أَخِيهِ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَهُ " قَالَ:وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَة,وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُكَفَّر , وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِالْكَفَّارَةِ كَالْحَكَمِ وَعَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمَعْمَرٍ وَالشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ أَحْوَج لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْره وَبِأَنَّ الْكَفَّارَة لَا تَزِيدهُ إِلَّا خَيْرًا,وَاَلَّذِي يَجِب عَلَيْهِ الرُّجُوع إِلَى الْحَقّ وَرَدّ الْمَظْلِمَةِ , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل كَفَّرَ فَالْكَفَّارَة لَا تَرْفَعُ عَنْهُ حُكْم التَّعَدِّي بَلْ تَنْفَعهُ فِي الْجُمْلَة .."(5)،وقد أنزل الله في أصحاب اليمين الغموس قرآن يتلى إلى يوم القيامة يبين عقوبتهم في الآخرة بقوله:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(3)، قال الواحدي: نزلت في رجلين اختصما إلى النبي  صلى الله عليه وسلم  في ضيعة،فهم المدعى عليه أن يحلف فأنزل الله هذه الآية فنكل عن اليمين وأقر للمدعي بحقه،ويقول الأشعث هذه الآية فيِّ والله نزلت،كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم   فقال ألك بينة؟ قلت لا،قال:لليهودي احلف.قلت:يا رسول الله إنه إذن يحلف فيذهب بمالي،فأنزل الله{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} أي عرضاً يسيراً من الدنيا ووالله لو حاز الدنيا بأقطارها إنها لتعد ثمناً قليلاً أمام الآخرة ، { أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} أي لا نصيب لهم في الآخرة{وَلَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ}أي بكلام يسرهم {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} نظراً يسرهم ؛ يعني نظر الرحمة {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} أي من الذنوب والأدناس بل يأمر بهم إلى النار(6) ثم نهاية المطاف {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}،وعن عبد الله قال:قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم   :((من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي لله تعالى وهو عليه غضبان))؛وهناك من الناس من يتورع عن ذلك ويخشى الوقوع فيه في الأمور الكبيرة والأموال الطائلة لكنه قد يقع فيه في أمور يظن أنها من المحقرات وإلى أمثال هذا ننقل له الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ))(9) .يقول الله محذراً لكم يا أمة خير البرية من الوقوع في مثل هذا العمل المشين:{وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(10)؛يقول الإمام ابن كثير في تفسير الآية:(ثم حذر الله عباده عن اتخاذ الأيمان دخلاً أي خديعة ومكراً لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين فانصد عنه بسببه عن الدخول في الإسلام)(12) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}(13).

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق النفس فسواها وألهمها فجورها وتقواها أحمده سبحانه وأشكره جعل الفلاح لمن زكاها وجعل الخيبة لمن دساها،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم حديث النفوس ونجواها وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ما قام عبد بفرائض ربه فالتزمها وأداها وما حاسب عبد نفسه فطهرها وزكاها.أما بعد:فقد عرفنا من الخطبة الأولى أن اليمين الغموس هي تلك اليمين التي يحلفها الرجل وهو يعلم أنه كاذب فيها وأن أثمها يشتد وجرمها يعظم إذا اقترنت بأخذ مال امرئ مسلم بغير حق،فاتقوا الله عباد الله واحفظوا أيمانكم،واعلموا رحمني الله وإياكم أن حب الدنيا هو أكبر بلاء يدفع العبد لارتكاب جريمة اليمين الغموس،ومما يحدث في واقع الناس اليوم من الوقوع في تلك اليمين عن طريق الجهل وعدم العلم بخطورة تلك الأيمان في البيع والشراء أخرج الإمام مسلم  عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ خَابُوا وَخَسِرُوا مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ))(14).وفي صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً وَهُوَ فِي السُّوقِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطِ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا الْآيَةَ(15).وفي صحيحه أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم  :((ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَاهُ إِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ وَرَجُلٌ يُبَايِعُ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ فَأَخَذَهَا وَلَمْ يُعْطَ بِهَا))(16).

--------------------------
([1]) لقمان : 33 (2) جريدة المدينة ، العدد (13528)،الأحد 3/2/1421هـ،الصفحة الأخيرة العمود الأول(بسبب يمين كاذبة..).(3) آل عمران : 77.(4)البخاري،كتاب الإيمان والنذور،حديث(6182) (5)فتح الباري :شرح الحديث السابق ، (6)ابن كثير،ج1،ص375.(7)الكبائر للذهبي : ص102.(8)الكبائر للذهبي ، حاشية ص102.(9)صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، حديث(196).(10) النحل : 94.(11)الأعراف : 21.(12)تفسير ابن كثير ، ج2،ص585.(13)البقرة :225.(14)مسلم ، كتاب الإيمان ، حديث(154).(15)البخاري ، كتاب البيوع ، حديث (1946).(16) البخاري ، كتاب الأحكام ، حديث(6672).(17)التوبة :74.
 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية