اطبع هذه الصفحة


حملة التوعية الأمنية

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله الملك الديان،الرحيم الرحمان،خالق الإنس والجان،أحمده سبحانه وأشكره جعل من التمسك بشريعته طريق الأمن والأمان،وجعل عاقبة من تفلت منها الفوضى والاضطراب والخسران وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحب من أطاعه وجعل موعده الجنان،وتوعد من أعرض عن هديه بالضنك في الدنيا وفي الآخرة بالنيران،وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله أصدق من اعتقد بالجنان،وأفصح من تكلم باللسان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان . أما بعد: فأوصيكم عباد الله ونفسي المذنبة القاصرة أولاً بتقوى الله فهي مفتاح السعادة للفرد والمجتمعات يقول الله جل جلاله:{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([1]) .
أيها الأحبة في الله هناك جراح في جسد مجتمعنا الطاهر تتدفق دماً وهذا التدفق يزداد يوماً بعد يوم فيوهن جسد مجتمعنا بشكل خطير ومن أبرز تلك الجراح المشكلات الأمنية وعلى رأسها الحوادث المرورية ؛ وكلكم يسمع ويرى حجم الخسائر الناجمة عن ذلك فكم من أصدقاء وأحباب وأقرباء ذهبوا ضحية تلك الحوادث،كم من حقائق وأرقام تدمي القلب وتهز الوجدان تنشر؛ومن تلك الإحصائيات إحصائية تقول بأن مجتمعنا يخسر في اليوم الواحد أربعاً وعشرين قتيلاً وستة وتسعين مصاباً(أ) ! وكأننا في معركة ولكن مع أنفسنا، كم في المستشفيات من جرحى ومعاقين في زهرة الشباب نتيجة تلك الحوادث وقد تنبه ولاة الأمر لهذه القضية وهاهم يسعون جهدهم لحل تلك القضية من خلال زيادة  التوعية،وتكثيف الرقابة،وتشديد العقوبة.وأحب أحبتي أن أشير هنا إلى أن القضية ليست قضية الجهات الأمنية وحدها بل هي قضية كل مسلم يعيش على ثرى هذه الأرض الطاهرة لأن فيها حماية لأموال ودماء المسلمين،فما هو دورنا وكيف يكون العلاج ؟ .أحبتي في الله إن قضية التزام الأنظمة والتعليمات جزء من أخلاقيات المواطن الصالح التي هي جزء لا يتجزأ وسمة لا تنفصل عن المؤمن الصالح،فكل مؤمن صالح هو بالضرورة مواطن صالح حريص على بلاده وخيراتها ومكتسباتها،متقيد بأنظمتها لاندعي له العصمة وعدم الخطأ لكن أخطاءه قليلة وفي الغالب تكون غير متعمدة،وإن أخطأ ندم وعاد،أما المسلم المتفلت من دينه فلا يكون بالضرورة مواطناً صالحاً،وبالنظر للواقع من الذين بقومون بالتفحيط والتجديع وغيرها من حركات التهور المهلكة؟ من الذين يتهورون في قيادة سياراتهم ؟ ستجدهم في الغالب أناس لا تظهر سيما الصلاح عليهم.أيها الأحبة في الله إن هدف الحملة الأمنية تعديل وضبط سلوك فئة من الناس بدأت تتزايد وجبرهم على التزام الأنظمة والتعليمات ليحافظوا على أرواحهم وأرواح الآخرين لكن ما الذي يضبط تصرفات وحركة الإنسان؟ إنها ما يعتنقه من أفكار،وما يعتقده من معتقدات، إنها ما يحتويه قلبه من نور أو ظلمة؛وضح ذلك لنا خير البرية صلوات ربي وسلامه عليه حيث قال: ((…أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))(2). فإذا أظلم قلب العبد واسود مما علاه من ران الذنوب والمعاصي،فانتهك حرمات ربه وخالقه،ولم يخش العقوبة التي توعد الله بها من عصاه،فأي نظام سيلتزم به؟ وأي نصيحة تنفعه؟ وأي عقوبة تردعه؟ إن العبد إذا أعرض عن شريعة ربه كان خطراً على نفسه وعلى أسرته وعلى مجتمعه ؛لأنه في تلك الحال يكون نهباً للشياطين تتخبطه وتجرجره في مستنقعات الرذيلة والفاحشة والجريمة والمنكرات والمخدرات أوضح ذلك رب العالمين حيث قال:{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}(3).من غفل عن شريعة ربه يغفل مما يغفل عنه دعاء الخروج من المنزل وقد قال في ذلك الصادق المصدوق   : (( إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ))(5).ومن غفل عن هذا الدعاء كان عرضة لأن يتخبطه الشيطان المتربص به،كم نرى في الواقع أناس استبدلوا ذكر الله في سياراتهم بالغناء ولم يقصروا ذلك على أنفسهم بل رفعوا أصوات المسجلات ليؤذوا غيرهم من عباد الله،فهل تصحب هؤلاء الملائكة؟ لا إنها تفر منهم كم يفر الصحيح من الأجرب لأنهم قوم على معصية الله،فإذا تخلت عنهم الملائكة اجتالتهم الشياطين وأخذت تنفخ في آذانهم بمزاميرها حتى يبدأ أحدهم يتمايل جسده من الطرب، ولا يكتفي بذلك فيرقص سيارته معه على نغمة الوتر،ويسكر قلبه وعقله مع تلك الكلمات الدنسة والأنغام المحرمة فيفقد الشعور والتركيز وتكون الحوادث المروعة.معاشر الأحباب إن العبد إذا تاه في ظلمات المعاصي نسي رقابة الله عليه وبهت في نفسه قول الرقيب العظيم :{… وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}(4).وعندها لا يخشى إلا رقابة البشر،والبشر لابد أن تصيبهم الغفلة فيقتنص تلك الغفلة لارتكاب الجرائم والمخالفات،فهو يقف عند إشارة المرور مادام هناك رجل أمن يرقبه فإذا لم يجد من يرقبه قطعها وهكذا في جميع أحواله،العبد المتمرد على شريعة ربه يستهين بحرمة الدماء والأموال والأعراض لأنه لم يسمع أو سمع ولم يفقه قول الحبيب المصطفى e  في حجة الوداع لأصحابه:(( أَيُّ يَوْمٍ هَذَا –يقول الراوي-فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ قَالَ أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ قُلْنَا بَلَى قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا…))(6).العبد الغافل عن ربه شُغل بالدنيا وركن إليها فما عادت تحكمه المثل العليا والمبادئ السامية،ما عاد يهمه أمن وطنه ومجتمعه وأسرته فضلاً عن أن يهتم بأمر أمته،فهو عبد يعيش الدنيا من خلال اللحظة الفانية والشهوة العابرة،وهو على استعداد لبيع أمن وطنه ودولته مقابل إبرة مخدرة،أو دراهم مقدمة،إن العبد الغافل عن ربه لا يعي أن كل تصرف يفعله مرصود وأنه سيسأل عنه يوم القيامة فلا يقيم وزن لمال ولا روح و عرض يفعل ما يمليه عليه هواه وعقله الفاسد؛يفعل ذلك لأنه ما فقه قوله تعالى:{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}(7).نسي أنه سيجد كل ذلك مرصود في صحيفته وكتابه الذي يعطاه في يوم الحشر الرهيب عندها يصرخ حسرة وألماً مع أمثاله:{ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}(8).معاشر الأحباب إن تفلت الأفراد والمجتمعات من دينها هو أصل كل شر وبلية وإن تمسكها به هو رأس كل خير ونعمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا…}(9).   

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه .أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن أرواحكم وأجسادكم وأبناءكم وأموالكم وكل ما أتاكم ربكم إنما هي أمانة في أعناقكم وستسألون عنها يوم بعثكم،معاشر الأحباب إن الرقابة المكثفة والعقوبات المشددة لن تؤدي دورها في ردع المخالفين والمستهترين إلا لوقت محدود وقصير؛فهي بين أمرين إما أن تتراخى فيتجاوزوها،وإما أن تتقادم فيألفوها،وإن العلاج الناجع الذي يستمر بإذن الله تأثيره في الفرد ما دامت أنفاسه تتردد بين أضلاعه هو إحياء جذوة الإيمان في قلوب العباد فبأحيائها يحي الوازع الداخلي في النفوس فيحاسب المرء نفسه بنفسه،بإحياء جذوة الإيمان في قلوب الأفراد لا نكسب نجاحاً في الحد من الحوادث المرورية فحسب بل نجني بإذن الله اختفاء لكل المظاهر المقلقة في المجتمع بما فيها الجرائم الأمنية والأخلاقية والمالية،والمتتيع لحوادث التاريخ يجد أن دولاً ومجتمعات عاشت في أمن وأمان بالقليل من الإمكانيات الأمنية وبالكثير من الإيمان والتقوى،ونحن أيها الأحبة في الله نعيش بفضل من الله في مجتمع هو من أفضل مجتمعات العالم على الإطلاق من حيث القرب من الدين القويم،فإحياء جذوة الإيمان في نفوس لازال الخير فيها عظيم عملية ميسرة بإذن الله متى ما صدقت النوايا وتضافرت الجهود؛حيث يقوم الإعلام بحملة مكثفة لذلك،وتُشدد العقوبة على من يجاهر بالتفلت من دينه كتارك الصلاة ونحوه كما تشدد على من يخالف أنظمة المرور،وعلى مستوى مدارس التعليم يلزم كل مدرس بأن يدخل في مادته ما يقرب الطلاب من ربهم ويحبب إليهم دينهم والالتزام به،أما على مستوى الأسرة فإن الأباء والأمهات تقع عليهم المسؤولية الأولى في تربية الفرد المسلم وإخراجه لمجتمعه فليحرص أحبتي كل واحد منا أن يؤدي دوره في إحياء الإيمان في قلوب العباد بكل جهده حفاظاً على ديننا وأخلاقنا وقيمنا وأمننا ودولتنا.ولا يفوتني في هذا المقام أن أشيد بشرطة العاصمة المقدسة حيث أدركت هذا المعنى فأقامت مخيماً ودعت العلماء والدعاة لتبصير الناس .   

--------------------------------
([1]) الأعراف:96.(أ)جريدة المدينة، الثلاثاء7/6/1421، العدد(13649) (2)البخاري،كتاب الإيمان،ح50.(3)الزخرف:36.(4) الحديد:4.(5) أبوداود،الأدب،ح4431، وأخرجه الترمذي وقال عنه حديث حسن صحيح،(6)البخاري،العلم،ح65.(7)المجادلة:6.(8)الكهف:49.(9)الأنعام:122.
 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية