اطبع هذه الصفحة


سلسلة الوفاء (1) الوفاء للدين

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله خالق الأرض والسماء،الذي ليس بعد جوده جود وليس فوق عطائه عطاء،أحمده سبحانه وأشكره تكفل بالوفاء لأهل الوفاء،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه سبحانه عن الأعوان و الشركاء،وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الطهر والنقاء وسلم تسليماً كثيراً.أمابعد:
فاتقوا الله عباد الله:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}([1]) عباد الله الوفاء صفة كمال ومدح مطلوبة في الناس أجمعين وهي واجبة على عباد الله المؤمنين ، والوفاء ضد الغدر والشخص الوفي هو الذي يؤدي ما عليه كاملاً ولا ينسى الإحسان من أهل الإحسان ، والوفاء على درجات أقف اليوم مع أعلاها ألا وهي الوفاء مع الله يقول الله جل جلاله:{…وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(2).وهذه الآية وإن كان الخطاب فيها موجهاً لبني إسرائيل إلا أن الإمام القرطبي يقول فيها:وما طُلب من الوفاء بالعهد من هؤلاء هو مطلوب منا.كيف لا وقد جعل الله من صفات أولي الألباب من هذه الأمة الوفاء يقول الخالق العظيم سبحانه في الثناء عليهم:{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ}(3).يقول الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية:(والعهد اسم الجنس؛أي بجميع عهود الله،وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده؛ويدخل في هذه الألفاظ التزام الناس بجميع الفروض،وتجنب جميع المعاصي) ومن الوفاء لله الوفاء لدين الله الذي شرعه؛وإن من أجل صور الوفاء للدين الثبات على تعاليمه والتمسك بأهدابه مهما حصل والبذل في سبيله،والأمثلة على هذا كثيرة فهذا إبراهيم عليه السلام توقد له النار العظيمة ويلقى فيها فلا يزحزحه ذلك عن دينه ، وهذا موسى عليه السلام يقف له فرعون ببطشه وظلمه فلا يرده ذلك عن الوفاء لدينه ، وهذا خير الورى صلوات ربي وسلامه عليه يوم أن ظن أن عمه أبو طالب قد اضطرب في أمره وضعف عن نصرته قال تلك الكلمات التي ملؤها الوفاء لهذا الدين:يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته وهذا بلال رضي الله عنه يوضع على رمال مكة الحارة في عز الصيف وتوضع الصخرة العظيمة على صدره ويعذب على أن يتزحزح عن هذا الدين فيرفض ويظل وفياً لهذا الدين،وهذا خباب بن الأرت يوقد له الفحم المستعر ثم يلقوه عليه ويضع رجل منهم قدمه على صدره لتثبيته فما يطفئ ذلك الجمر إلا ما خرج من دهن جلده فلا يتزحزح ويظل وفياً لهذا الدين ، وهذه سمية أم عمار امرأة تظل وفية لدينها حتى ماتت تحت التعذيب،وقوافل الشهداء والجرحى في سبيل الله منذ بداية الدعوة إلى قيام الساعة تقدم أمثلة لمن بذلوا دماءهم وفاء لهذا الدين،هؤلاء قوم ابتلوا بالضراء فثبتوا وكانوا أوفياء لدينهم،وهناك من ابتلي بالسراء فظل ثابتاً وفياً لدينه ومن هؤلاء نبي الله سليمان الذي أتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وسلطه على الأنس والجن فظل وفياً لربه ودينه،ونبينا صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة من بعده،وعمر بن عبد العزيز وغيرهم فظلوا أوفياء لدينهم، فعجباً لقوم من بني الإسلام جعلوا الوفاء لهذا الدين أمراً مزاجياً فهم إن كان أحدهم في راحة وطمأنينة وسعة رزق قام وصلى وحرص على الوفاء لهذا الدين أما إن كان والعياذ بالله مريضاً أو به بلاء أو محنة ترك الوفاء للدين فتجده نسي الوفاء للدين فيترك الصلاة ويرتكب المنكرات وأمثال هذا الصنف من الناس وصفهم الله بقوله:{ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}(4).وهناك من يكون في الطرف المقابل فهو إذا أصابته المصيبة قام يدعو ربه قانتاً مخبتاً ويلتزم المسجد ويلازم المصحف والذكر فإذا تبدل حاله وجاءه الفرج من بعد الضيق بدل حاله والعياذ بالله فتجده حل مكان الطاعة معصية ومكان المعروف منكراً ومكان الالتزام تفريطاً ومثل هذا الصنف من الناس يخبر الله عنه في الكتاب المنزل بقوله:{ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(5).وهناك صنف ثالث عجيب اقتنع بأفكار عفنة اقتنع بأن الدين والوفاء له تخلف ورجعية وأن التقدم هو في التمرد على الدين والقيم والأخلاق فقام ينادي بكل ما فيه تحرر من تعاليم الدين في جانب المرأة والمجتمع وأصبح أكثر وفاء لهذه المبادئ والأفكار الهدامة من وفائه لدينه حتى أنه والعياذ بالله على استعداد للموت في سبيلها!فلم ظهر مثل هذا الصنف من الناس في أمة الإسلام ؟ إن من أبرز أسباب ظهور مثل هذا الصنف في المجتمعات الإسلامية أنهم أناس ما  عرفوا دينهم ومبادءه حق المعرفة فنشأوا بقلوب فارغة خاوية فصادفت تلك الأفكار العفنة إما من خلال دراسة في الخارج أو قراءة غير مميزة فتشربوا بتلك الأفكار واقتنعوا بها وكانوا أوفياء لها ، و منهم من يدعي معرفة بدينه ومبادئ أمته لكن تصرفه يدل على غير ذلك فكيف لمن عرف النور أن يستبدله بالظلام ؟ وكيف لمن عرف حلاوة الإيمان أن يستبدلها بمرارة العصيان؟وكم من الناس اليوم لا يلقي بالاً لتربية أولاده على تعظيم الدين والوفاء للدين فتنشأ الأجيال على جهل بدينهم وربهم فلا يكونون أوفياء لهذا الدين.يا خير أمة أخرجت للناس نسمع عن امرأة عجوز تعيش في مجاهل أدغال أفريقيا لسنوات طوال وفاء لدينها النصراني المحرف لتبشر به هناك ، ويفعل اليهود ما يفعلونه اليوم وفاء لدينهم المحرف! فألست أنت يا صاحب الدين الحق يا من تنتمي لأمة التوحيد أحق بالوفاء منهم؟.ومن صور ا لوفاء للدين الغيرة عليه والرد على من يدعو للتفلت منه ودحض حججه وبيان جهله،ومن صور الوفاء للدين الحرص على نشره بين أفراد المجتمع بكل ما أوتي الإنسان من وسائل من خلال الجلسة مع زملاء العمل أو الأصدقاء والأقرباء،من خلال نشر الشريط والكتاب الإسلامي ويمكن ذلك بأن يجعل الواحد منا شريطاً واحداً في كل أسبوع أو في كل شهر يستمعه هو أهله ثم يهديه إلى جيرانه أو أقربائه ومن حوله. أيها الأوفياء لدينهم هذه دعوة لأن نقف ونحاسب أنفسنا هل نحن أوفياء لهذا الدين؟ هذا الدين الذي هو مصدر عزنا ومصدر أمننا وأماننا،فهل كنا أوفياء لهذا الدين بأن حرصنا على التمسك به وعدم التفلت من تعاليمه،وسعينا لنشره بين الناس؟ لِيُسائل ذلك الذي أدخل القنوات بفحشها وفجورها على أهله وولده نفسه هل ما فعله كان من الوفاء للدين؟لنتساءل هل نحن أوفياء لهذا الدين على كل حال أم بالقدر الذي تسمح به زوجاتنا ومن حولنا؟لتسأل المرأة التي تخرج من بيتها متبرجة متعطرة مع السائق وتمضي وقتها متسكعة في الأسواق نفسها هل هذا من الوفاء للدين؟ليسأل الذين يمضون وقتهم مفتونين بغنج المذيعات وفحش المغنين والمغنيات وعري الممثلات وتعاطي المخدرات أنفسهم هل هذا من الوفاء للدين؟ليسأل الذين بفرطون في الصلوات والجماعات أنفسهم هل هذا من الوفاء للدين؟أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا() وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا()وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}(5).  

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى يجزي أهل الوفاء بالتمام والوفاء والصلاة والسلام على النبي المصطفى والحبيب المجتبى وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج واقتفى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يرتجى و لا ند له يبتغى وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الحنفاء.أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على أن تكونوا أنتم ونساءكم وأولادكم من الأوفياء لهذا الدين بالتمسك به والثبات عليه والسعي لنشره،واعلموا أن من أبرز مظاهر الوفاء للدين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على بصيرة ؛ فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يصدر إلا من شخص عنده وفاء للدين وغيرة على محارم الله جل وعلا ولذا كان قول النبي  صلى الله عليه وسلم  : ((..مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))(6).فلا أقل من أن يغير الرجل المنكر في بيته وأولاده ، معاشر الأوفياء لدينهم ما منا إلا وهو موقوف ومسؤول عما قدم لهذا الدين فلينظر كل منا إلى حصيلته في هذا الجانب ، فإن قدم خيراً فليببشر بخير جزاء من العظيم الكريم فقد وعد جل جلاله وهو لا يخلف الميعاد بقوله:{…وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}(2).أتدرون ماذا أعد الله لكم في مقابل وفائكم لدينكم؟ إنها جنة عرضها السموات والأرض وحور عين بانتظاركم كيف لا وهو القائل في محكم التنزيل:{هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}(7).وليس الأمر قصراً على الآخرة فقط بل حتى في الحياة الدنيا يحصد الإنسان ثمن وفائه لدينه راحة وطمأنينة وسعة في العيش وصحة في الجسد . 
 
----------------------
([1]) البقرة:281.(2)البقرة:40.(3)الرعد:20.(4)الحج:11.(5)يونس:12.(6)النساء:123-125.(6) مسلم،كتاب الإيمان ، ح70 . (7)الرحمن:60.
 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية