اطبع هذه الصفحة


سلسلة يوميات مسلم (13) وقفة مع توحيد الإلهية في الحمد لله رب العالمين

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله الذي لا يحمد سواه ولا يعبد سواه ولا يصرف شيء من العبادات لعداه ، أحمده سبحانه وأشكره أكرمنا بالتوحيد الخالص الذي يحبه ويرضاه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولاند ومثيل وأشهد أن نبينا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبدالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن وآلاه.أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واجتهدوا في ذلك فهي والله سبيل النجاة من نار تلظى قال ربكم في محكم التنزيل:{وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا(71)ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}(مريم :72).أيها الأحبة في الله وقفنا في الخطبة الماضية مع كلمة الحمد من قوله تعالى: {الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(الفاتحة :2).
واليوم وفي الخطبة الثالثة عشر من هذه السلسلة نقف مع دلالة الحمد لله على توحيد الإلهية، فكم من الناس اليوم إذا نجح ابنه في امتحان أو حصل على قطعة أرض منحة أو قُبل ابنه في الجامعة أو شفي ابنه من مرض ونحو ذلك يتوجه لمن جعله الله سبباً لقضاء تلك الحاجة بقلبه وبلسانه يشكره ويثني عليه في كل مجلس من المجالس فلان قضى لي حاجتي،بل قد يقول:لولا فلان لم تقضى حاجتي –عياذاً بالله-،وينسى أن الله جل في علاه هو المنعم المتفضل عليه بكل نعمة يعيشها يغفل عن قول الله:{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}(النحل :53). ولما كان الحمد عباده فلا يجوز أن تصرف لغير الله ، لايعني ذلك أيها الأحبة في الله أن لا نشكر الناس،فهذا ليس من خلق الإسلام كيف والله جل في علاه يقول:{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن :60).لكن ذلك لا يعني التعلق القلبي الذي ينسي المنعم المتفضل الحقيقي؛ بحيث يتعلق الفرد بالسبب وينسى المسبب جلت قدرته،فعجباً لمؤمن موحد يقرأ في كل صلاة الحمد لله رب العالمين ثم يذهب لقبر نبيٍ من الأنبياء أو إلى ضريح ولي من الأولياء ويدعوه ويسأله أن يقضي حاجته،عجباً له كيف غفل بأن الذي خلقه هو الله،وأن الذي رزقه هو الله وأن الذي ينفعه هو الله،وأن الكون كله بيد الله لا يستطيع أحد في الكون مهما بلغت قوته أو مكانته أن يغير في هذا الكون شعرة إلا بإرادة الله،وإذا قلت له ذلك رد عليك بأني مؤمن بالله وبقدرته وعظمته ولكن دعني أضرب لك مثلاً:لو كان لك حاجة عند ملك من ملوك الدنيا أو مسؤول من المسؤولين ألا تبحث عمن يتوسط لك لقضاء حاجتك وأنا لا أعبد صاحب هذا القبر وإنما أرجو أن يتوسط لي عند ربي،فما أعظمها من مصيبة وما أشدها من فرية وجهل بعظمة الخالق جل جلاله أيقاس ملك الملوك ويساوى بخلقه،ملوك الدنيا عاجزون قاصرون لا يعلمون ما بك وما تريد أما الملك العظيم سبحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يقول سبحانه:{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(لأنعام:59)،نقول لمثل هذا المسكين لقد لبس عليك عدوك كما لبس على أهل الشرك من قبلك فعبدوا الأصنام لنفس الشبهة أخبرك بذلك ربك في الكتاب ألم تقرأ قوله تعالى:{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ}(الزمر:3.)،نقول له إذا كان خير الورى وحبيب رب العالمين يأمره ربه أن يبين أنه بشر من البشر لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً في حياته فكيف بعد موته؟.ألم تقرأ قول الله تعالى:{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(الأعراف:188)، فكيف بمن هم دونه في المنزلة من العباد،نقول له إن الله قد بين لمن يدعون الموتى والهلكى ويرجون منهم نفعاً ضلالة عملهم ذلك بقوله:{…ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ()إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ()يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(فاطر:13-15).نقول له أين أنت من ربك الكريم الذي فتح لك أبوابه بلا واسطة وناداك بنداء ملؤه الرحمة ألم تقرأ قوله تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186)، نقول له إن مثل هذا العمل يحبط عملك يحبط صلاتك يحبط صيامك يحبط حجك ألم تقرأ قول الله الواحد الأحد:{وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ}(الزمر:65)،فالنجاة النجاة ولا تكونن من الخاسرين.أخي الحبيب إني أرجوك ..ثم ارجوك ..ثم أرجوك أن تجعل شعارك (الحمدلله رب العالمين). وهناك من يدعون الجن من دون الله ويعتقدون أنهم يجلبون لهم نفعاً أو يدفعون عنهم ضراً،فيترددون على السحرة المجرمين و ينفذون أوامرهم من الذبح لغير الله؛حيث يذبحون لأوليائهم من الجن خروفاً أو تيساً أو غيره بمواصفات خاصة،ومنهم من إذا أراد أن يبني عمارة ذبح على أساساتها للجن حتى يكفوا أذاهم عنه فنقول لكل من سلك هذا الطريق الموحش المهلك أنك قد فتحت على نفسك باباً من الشر عظيم فإن من يخاف من فسقة الجن يزيدونه خوفاً أنبئك عن ذلك ربك ورب كل شيء بقوله:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}(الجن :6).نقول له تعال واستمع معنا لقول مؤمني الجن أنفسهم وهم يعلنوا توحيدهم فيما أخبر الله عنهم بقوله:{وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا}(الجن :13).أيها الأحبة في الله يامن يرددون في كل صلاة الحمد لله رب العالمين، ليكن شعاركم في كل عبادتكم هو الشعار الذي ارتضاه لكم ربكم؛أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :{قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }(الأنعام :163).

الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمني الله وإياكم أنه لا نجاة للمرء ولا سعادة في الدنيا ولا في الآخرة ولا تمكين للأمة إلا بالتوحيد الخالص وعد بذلك قيوم السماوات والأرض ومن لا يخلف الميعاد بقوله:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(النــور :55). أمة التوحيد إن الطريق إلى الله سهلة ميسرة فمن فضل الكريم أنه لم يجعل بينه وبين عبيده واسطة بل أبوابه مشرعة في كل لحظة من ليل أو نهار لا تحتاج للوقوف بين يديه إلى إذن من حاجب أو ولي أو غيره بل هاهو يدعوا عباده دعاء الرحيم بهم فيقول:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (غافر :60).فإذا كان جل في علاه يستجيب للمشركين إذا وحدوه مع علمه أنهم سينكثون ويعودون مرة أخرى لشركهم كما أخبر عن ذلك بقوله جل شأنه:{فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت 65).فكيف بمؤمن موحد يتضرع بين يديه ، فاغرسوا رحمني الله وإياكم توحيد الألوهية في قلوب زوجاتكم وأولادكم من الصغر، حتى تسعدوا بهم في الدنيا وغداً بإذن الله في جنات النعيم .

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية