اطبع هذه الصفحة


يوميات مسلم (26) الخروج من المنزل

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله المتفرد بالجلال والكمال،شرع لنا حياة طيبة ورفع عنا الإصر والأغلال، أحمده سبحانه وأشكره فهو المحمود وحده على كل حال،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له خلق الخلق بقدرته جل شأنه إليه المرجع والمآل، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وسيدنا محمد عبد الله ورسوله فصيح اللسان بليغ المقال صلى الله عليه وعلى صحبه والآل وسلم تسليماً كثيراً .أما بعد:فيا من تنشدون الحياة الطيبة الكريمة السعيدة هل أدلكم على طريق تحقيقها؟. اسمعوها وعداً خالداً تالداً ممن لا يخلف الميعاد يوم أن وعد بقوله:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }(النحل:97).فاتقوا الله عباد الله و أوفوا لربكم بما طلب يوفي لكم الكريم بما وعد.أيها الأحبة في الله وقفنا في الحلقة الماضية من هذه السلسلة مع الإفطار والاستعداد للخروج من المنزل،واليوم نقف مع لحظة هي من أهم لحظات يوم المرء المسلم إن أحسن فيها عاش يومه مرتاح البال،وإن لا قدر الله لم يحسن قد يصاب بما ينغص عليه أو على أهله حياتهم كلها،إنها لحظة الخروج من المنزل للعمل أو الدراسة وأقول لحظةً حاسمةً لأنه كم ممن خرج من بيته يمشي على رجلين ثم عاد لبيته جثة هامدة لاحراك فيها ، عاد ليتم تجهيزه وتكفينه ليودع في قبره إلى يوم الحشر الرهيب،وكم من الناس خرج وعاد عياذاً بالله بعاهة مستديمة،وكم من الناس خرج ورجع فوجد مصيبة أصابته في أهله أو ماله؛ من هنا أقول أحبتي بكلمات يسبرات صادقات مؤمنات مع حسن التوكل على الله تكفيك شرور البلايا المفاجئات.أخي الحبيب سل ذاك الذي أودع أمواله خزائن البنوك لِمَ ينام قرير العين لا يخاف عليها السرقة والضياع والهلكة؟.لا شك أنه سيجيبك بأنه قد أودعها في خزائن أمينة قوية،فهل لي أن أقترح عليك أن تودع أولادك وزوجك وبيتك ونفسك ومالك في حفظ أمين؟. أتدري أي حفظ أريد؟.إنه ليس حفظ خزائن البنوك أو غيرها بل والله أعظم،إنه الركن الركين،إنه الحصن الحصين إنه حفظ الله أنه حفظ قيوم السموات والأرض،أنه حفظ من يمسك السماء أن تقع على الأرض :{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ }(الحج:65).إنه حفظ من يمسك السموات والأرض أن تزولا:{ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورً }(فاطر:41).إنه حفظ قيوم السموات والأرض،إنه حفظ من لا تأخذه سنة ولا نوم،إنه حفظ القوي العظيم المقتدر،إنه حفظ الله ..إنه حفظ الله ..إنه حفظ الله وكفى بالله حفيظاً،أيقن به يعقوب عليه السلام فقال لأبنائه حينما طلبوا السفر بأخيهم:{هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }(يوسف:64).فحفظه الله،وأعاده الله مع حبيب القلب يوسف، وقد يتساءل سائل ويقول كيف يكون ذلك؟. فأقول بأن يقول الزوج لزوجته قبل الخروج من المنزل استودعك الله الذي لا يُضَيِّعُ ودائعه، فتقول الزوجة قبلت، وتقول الزوجة مثل ذلك لزوجها ويقول الأولاد ذكوراً وإناثاً مثل ذلك للأم وترد عليهم بمثله وحينما يخرج الرجل من البيت يستودعه الله،وحينما يوصل أولاده للمدرسة يستودعهم الله،وحينما ينزل من سيارته يستودعها الله،أقول لك أخي أفعل ذلك يقيناً بقوله تعالى:{..فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }.مع الأخذ بالأسباب وأنا ضامن لك ثقة بوعد الله،ثقة بحفظ الله،ثقة بقدرة الله أن لا يصيب أبناءك أو زوجك أو بيتك أو مالك ما يسؤوك،فتعيش مرتاح البال لا تحمل هم من غاب منهم عن ناظريك لأنه في حفظ الله ورعاية الله وكفى به راعياً وحفيظاً؛نشرت صحيفة محلية قبل عدة سنوات قصة امرأة هنا في بلادنا خرجت من بيتها وقالت أستودعك الله الذي لا يُضَيِّعُ ودائعه،وتركت به مالها ومجوهراتها وكل ما تملك،ثم يوم أن عادت وجدت أن لصاً قد دخل المنزل وقلَبَ كل شبر فيه رأساً على عقب ولكنه لم يسرق منه شعرة واحدة فمن حفظ لها مالها ؟. من حفظ لها مجوهراتها ؟.من حفظ عليها بيتها؟.من أعمى أعين اللص عن تلك الأموال والمجوهرات إنه الله إنه الله إنه الله الذي لا يُضَيِّعُ ودائعه.وقد حدث لي أن التقيت بأحد الأصدقاء فشكا إليَّ فقد حاجة له فقلت له ما استودعتها الله ، فقال:نعم والله ما استودعتها الله،ثم لقيته مرة أخرى فشكا لي ضياع شيء آخر فقلت ما استودعته الله فقال بلى والله لقد استودعته الله، فقلت إذن لا يُضَيِّعُ الله ودائعه وما هي إلا فترة يسيرة وإذا به يجد ما فقده، وقد يقول قائل كلام جميل لكن أين دليلك من السنة النبوية المطهرة بأن إمامنا وقدوتنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك؟.فأقول تجد ذلك فيما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ قَالَ:(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لِرَجُلٍ تَعَالَ أُوَدِّعْكَ كَمَا وَدَّعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ كَمَا وَدَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَوْدَعْتُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا يُضَيِّعُ وَدَائِعَهُ )(أحمد،باقي مسند المكثرين،ح(8862)).ثم إن من دواعي الألفة بين الزوجين أن تودع الزوجة زوجها وتشيعه إلى الباب وأن تكون عوناً له على أمور دينه ودنياه فتوصيه وقد ورد عن نساء السلف رضوان الله عليهم أن الزوجة كانت تودع زوجها وتشيعه للباب وتوصيه فتقول:يافلان اتق الله ولا تطعمنا من حرام فإننا نصبر على حر الجوع ولا نصبر على حر النار،لا كما يحصل من بعض النساء اليوم التي تثقل كاهل زوجها بالطلبات ولا يعنيها من أين يأتي بها أمن حل أم من حرام فالمهم أن تنفذ طلباتها وتلبى رغباتها و إلا التهديد بالذهاب لأهل يزيدونها عمى فوق عماها.أخي الحبيب أعرني سمعك وقلبك لأسكب فيها من نور النبوة المحمدية فهذا نبيك وحبيبك صلى الله عليه وسلم يوصيك بقوله:(..احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ)(الترمذي،صفة القيامة..،ح(2440)).

الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا أنه لا يصح لأحد فضلاً عن مسلم موحد أن يختبر ربه،فلا يترك رجلٌ ماله سائباً ويقول استودعته الله الذي لا يُضَيِّعُ ودائعه، ولا يهمل بيته بلا تأمين ويقول استودعته الله الذي لا يُضَيِّعُ ودائعه، ليس الأمر كذلك،نعم إن الله قادر على حفظ الشيء وإنقاذه من وسط الهلكة كما أنقذ إبراهيم عليه السلام من وسط النار،وأنقذ يونس بن متى من بطن الحوت،لكن الله خلق أسباباً ورتب على الأسباب النتائج فمن أراد الولد فضرب من الجنون أن يطلبه من غير زواج، ومن أراد الحصاد فضرب من الجنون أن يطلبه بدون زرع، وهكذا تعلمنا من قدوتنا صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام الترمذي بسند صحيح عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ:قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ قَالَ (اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ)(الترمذي،كتاب صفة القيامة..،ح(2441)).أخي الحبيب إني أرجوك ..ثم أرجوك..ثم أرجوك أن تحرص على تلك الكلمات المباركات وأن تعوِّد عليها أهلك وولدك لتنعم بحياة هانئة مستقرة فخذ بالأسباب واعقلها وتوكل والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية