اطبع هذه الصفحة


زمام قيادك أين..؟

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله الذي خَلَقَ البريِّة،وأكمل العطيِّة،ورزقنا خِلْقَةً سويِّة وعيشةً هنيِّة،أحمده جل في علاه وأشكره هدانا بفضله وإحسانه للملةِ السويِّة،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولاند ولا شبيه ولا مثيل تفرد جل جلاله بالأسماء والصفات العَليِّة، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله مزلزل عروش الوثنيِّة،المحذر من سوء التبعيِّة صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم على بصيرة وحسن نيِّة. أما بعد:
فهذه وصية ربكم إليكم يا عباد الله فاسمعوا لوصية ربكم إذ يقول:{..وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدً}(النساء:131).
معاشر المؤمنين خلق الله الإنسان في أحسن تقويم،وميزه عن البهائم وسائر الحيوانات بالعقل القويم،وإن أكبر جريمة يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق أمته يوم أن بعطل هذه الآلة المهمة التي ميَّزَه الله بها؛ومن أبشع صور التعطيل التبعيِّة المذمومة؛والتبعيِّة المذمومة المقصودة هنا أن يعطل الإنسان عقله ويضع على عينه عصابة ويسلم زمام قياده لغيره حتى يقوده أين ما شاء ومتى شاء وكيفما شاء!!.أما التبعيِّة المحمودة فهي إتباع الحق على بصيرة وهي المأمور بها؛ومن صور الأمر بها قول الحق جل جلاله:{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}(الزمر:55).
التبعيِّة الممقوتة يا عباد الله على أنواع فمن الناس من يتبعوا فرداً واحداً غرهم منه قوته أو ماله وسلطانه فيتبعونه على ما عنده من أخطاء وبلاء فيهلكهم؛ومثال ذلك إتباع قوم فرعون لفرعون قال الله عنهم محذراً من سلوك مسلكهم:{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (الزخرف:54).
ومن أنواعها إتباع طوائف من الناس للسادات والكبراء ظناً منهم أنهم على الحق وأن ما حصلوا عليه في الدنيا من مناصب ووجاهات دليل على ذلك،وقد حذر الله تعالى من ذلك مبيناًً لنا حالة الحسرة التي أصيبوا بها يوم أن عاينوا عاقبة تلك التبعيِّة المقيتة بقوله:{وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا()رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرً}(الأحزاب:67-68).
ومن أنواعها إتباع الشياطين وأعوانهم من السحرة والكهنة قال العليم الخبير في ذم ذلك:{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ..}(البقرة:102).
ومن أنواعها إتباع ما كان عليه الآباء والأجداد ولو كان ضلالاً مبيناً قال الحق جل في علاه مبيناً ذلك النوع من التبعيِّة المقيتة والإصرار عليها:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}(لقمان:21).
ومن أنواعها إتباع الهوى وتقديمه على إتباع شريعة الله قال العظيم سبحانه في ذم ذلك:{أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} (محمد:14).
ومن أنواعها إتباع الشهوات حتى تجد أتباع هذا النوع يتخلى في سبيل تحقيق شهوته عن كرامته وعن إنسانيته بل وأحياناً حتى عن دينه؛أخبرنا الله عن ذلك الصنف من الناس وجعل لهم علامة بارزة من العلامات ألا وهي تضييع الصلاة فقال في وصفهم:{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا()إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئً}(مريم:59-60).؛
وهنا دعونا نتوقف معاشر المؤمنين لننبه على أوضاع الأمة اليوم فقد كثر فيها دعاة إتَّباع الشهوات واجلبوا على الأمة بخيلهم ورجلهم،فأينما نظر المرء وجد دعوة للشهوات: في القنوات الفضائية؛في الشبكة العنكبوتية،في الإعلانات التجارية،في الصحف والمجلات صور نسائية ومقالات فكرية؛ولما علم دعاة إتَّباع الشهوات أن العنصر الرئيس في كثرة أتباعهم هو إخراج المرأة وتبرجها،أخذوا يعملون على ذلك ليلاً ونهاراً،سراً وجهاراً، وما ذلك إلا جزء من تنفيذ مقالة أحد مخططيهم الخبثاء الذي قال: كأس وغانية تفعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف مدفع.. أعرفتم لما يركز أعداءكم أعداء دينكم و عفة أعراضكم على النساء ..؟.
فيا قوم والله إن استجبنا لهم زادت الأمة وهناً على وهنها وضعفاً إلى ضعفها،فلا يغرنكم ما يرفعونه من ابتغاء مصلحة المرأة وتطويرها،فما عرفت الدنيا مجرم يعترف بجريمته صراحة ..فكيف بجريمة هدم أمة الإسلام.أيها الأحبة في الله أما يكفي الأمة من ذل وهوان أن ترى دماء أبنائها ونسائها بل وحتى أطفالها البرءاء تسيل على يدي أعداء الأمة في فلسطين والعراق وغيرها وهي أمة ذليلة أصابها الهوان،لا تستطيع نصرتهم..؟.
لقد عرف أعداء الإسلام أن التبعيِّة تعني الذِلة في الحياة الدنيا فأدخلوا أمة الإسلام في أنواع متعددة من التبعيِّة؛فمنها التبعيِّة الاقتصادية،والتبعيِّة التقنية..
واليوم يحاولون فيما هو أخطر وهو التبعيِّة الاجتماعية والتبعيِّة الفكرية بل وحتى الوصول للتبعيِّة الدينية..فأي حال من الخزي أصاب الأمة..؟. يقول تعالى:{..أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ()أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُون }(البقرة:85-86).
يا أمة الإسلام العظيمة إن التبعيِّة المقيتة ذل في الدنيا والآخرة واستمعوا معي بكل انتباه لهذا الحوار الذي نقله لنا ربنا عن طائفة من أهل النار وكيف أن التابع ذليل في الدنيا ذليل في الآخرة:{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ}(إبراهيم:21).غداً سيظهر لأهل التبعيِّة المقيتة خطأ فعلهم ولكن بعد فوات الأوان:{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ()وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}(البقرة:166-167).

الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم . أمابعد:
فاتقوا الله عباد الله وللنظر لحال أمتنا وحال شبابنا وفتيتنا هل هناك تبعيِّة بينهم لغير أهل الإسلام في لباسهم في قصَّات شعورهم في مطعمهم ومشربهم، في سلوكياتهم،في أفكارهم..؟.فإن وجدنا ذلك فإن الأمر جدُّ خطير ولابد من التنبيه عليهم وتربيتهم على أن التبعيِّة هي سمة عجز رهيبة؛حيث يعتمد فيها الفرد على غيره بالكلية فهو الذي يضع له نظام حياته،ويصنع له لباسه وطعامه وشرابه ومركبه..،وغداً سيكون هو الذي يفكر له، ويتحول المتبوع إلى مجرد آلة صماء عمياء منفذة،وقد يصل الأمر إلى أن يختار له دينه وعقيدته..!!.
فيا شباب ويا فتيات أمة الإسلام العظيمة إن ربكم أكرمكم بالنور فلا ترجعوا إلى الظلمات؛إن ربكم أكرمكم بخير كتاب على وجه الأرض بالقرآن الكريم وبسنة خير المرسلين فلا تجعلوها وراءكم ظهرياً،يا أبناء ونساء أمة الإسلام العظيمة لا يغرنكم كثرة أتباع الباطل ومقولة:"كل الناس يفعل ذلك"،فهاهو نبيكم وحبيبكم صلى الله عليه وسلم ينادي فيكم بأعلى صوته فيقول:((لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))(الترمذي،البر والصلة،ح(1930)[قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ]).
وهذا ربكم يحذركم مشفقاً ومبيناً بقوله:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ()وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(آل عمران:100-101). فهلموا يا أمة الإسلام جميعاً إلى كتاب ربكم وسنة نبيكم وأقبلوا عليها علماً وتطبيقاً تسعدوا وتكون البشرية قاطبة تبعاً لكم.
 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية