اطبع هذه الصفحة


محاسبة النفس في نهاية العام

الدكتور عصام بن هاشم الجفري

 
الحمدلله خلق كل شيء فقدره تقديراً أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه واستغفره ، وألتجيء إليه من يوم كان شره مستطيراً وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

أمابعد : فيا أمة ألإسلام تعالى ربنا أن يخلق السموات والأرض وما بينهما بلاحكمة : { وما خلقنا السماءَ والأرضَ ومابينهما لاعبين} (الأنبياء : 16) ، وتبارك وتقدس أن يترك الإنسان السوي بلامهمة : { أيحسبُ ألإنسأن ُ أن يتركَ سُدى } {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لاترجعون}(المؤمنون:115) .
خلق الخلق ليعبدوه وأنشأهم من الأرض واستخلفهم فيها ليطيعوه ويتقوه ، فمن أراد دوام العافية ومن رام حسن العاقبة ..فليعبد الله وليتقه ؛ عبادة وتقوى على الدوام ، واستقامة على الهدى في جم يع الشهو والأيام ليس لعموم الطاعة زمن محدود وليس للتقوى موسم مخصوص ..

ولئن تفاضلت بعض الأيام والشهور وتضاعفت في بعض المواسم الأجور . فما ذلك إلا من أجل مزيد العمل ، وتنشيط الهمم ..تألف فيها النفوس الطاعة وتستيقظ فيها من بعد غفلة .
والمغبون من لم يعرف ربه إلا في أيام معلومة أو ساعات معدودة ..ثم يعود من بعد ذلك إلى غيه وغفلته ، ينتكس في المعاصي ، ويرتكس في الآثام ونعوذ بالله من الخذلان .

معاشر الأحبة ، ولئن ودع المسلمون مواسم الخير من ذي الحجة ..فها هم في وداع عام هجري ليستقبلوا عاماً غيره فحق عليهم الوقفة الصادقة مع النفس محاسبة ومساءلة . فوالله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتىجزون بما كنتم تعملون فجنة للمطيعين ، ونار جهنم للعاصين { أفمن يلقى في النار خيرٌ أم من يأتي ءآمناً يوم القيامةِ اعملوا ما شئتم إنه بماتعملون بصير} (فصلت:40) أحباب الله من غفل عن نفسه تصرمت أوقاته ثم اشتدت عليه حسراته وأي حسرة على العبد أعظم من أن يكون عمره عليه حجة . وتقوده أيامه إلى المزيد من الردى والشِقوة .

إن الزمان وتقلباته أنصح المؤدبين ، وإن الدهر بقوارعه أفصح المتكلمين ..فانتبهوا بإيقاظه ، واعتبروا بألفاظه . ورد في الأثر ((أربعة من الشقاء :جمود العين ، وقسوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا )).

معاشر من أمن بلقاء ربه : من حاسب نفسه في الدنيا خف يوم القيامة حسابه ، وحسن في الآخرة منقلبه ، ومن أهمل في المحاسبة دامت حسرته وساء مصيره ، وما كان شقاء الأشقياء إلا أنهم كانوا لايرجون حساباً ، وقعوا ضحايا خداع أنفسهم ، أحابيل شيطانهم وافتهم المنايا وهم في غمرة ساهون .

في الشباب من غره شبابه فنسي فقد الأقران ، وغفل عن سرعة المفاجآت، وتعلق بالآمال والأماني وماهي والله إلا أوهام الكسالى ، وأفكار اللاهين ، وما الأعتماد عليها إلا بضاعة الحمقى ، ورؤوس أموال المفلسين ، والتمني والتسويف إضاعة للحاضر والمستقبل .
وفي أهل العلم من جد في التحصيل وغفل عن العمل ، أُعطوا علوماً فصرفوها في الرياء والمجادلات ، والعلو على الأقران ، يمزق دينه من أجل ترقيع دنياه ، لايتحاشى غيبة ولاحسد .

وفي أهل الدنيا من صرف أمواله في الشهوات والمحرمات . وأشد هؤلاء من كسب مالاً ؛ فأدخله النار وورثه من بعده قوم صالحون عملوا فيه بطاعة الله فأدخلهم الله الجنة . ليس أعظم حمقاً ممن ضيع ماله وأصلح مال غيره ، وقد علم أن ماله ما قدم ومال غيره ما خلف . ألا ينظر هؤلاء وهؤلاء : لقد وهن العظم ، وابيض الشعر ، ورحل الأقران ، ولم يبق إلا الرحيل .
عجيب حال هذا الغافل : يوقن بالموت ثم ينساه ، ويتحقق من الضرر ثم يغشاه ، يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ، يغتر بالصحة وينسى السقم ، ويفرح بالعافية ولا يتذكر الألم ، يزهو بالشباب ويغفل عن الهرم ، يهتم بالعلم ولا يكترث بالعمل ، يحرص على العاجل ولا يفكر في خسران الآجل ، يطول عمره ويزداد ذنبه ، يبيض شعره ويسود قلبه ، قلوب مريضة عز شفاؤها وعيون تكحلت بالحرام فقل بكاؤها . وجوارح غرقت في الشهوات فحق عزاؤها .

سبحان الله : ألم يأن لأهل الغفلة أن يدركوا حقيقة هذه الدار . أما علموا أن حياتها عناء ، ونعيمها ابتلاء . جديدها يبلى ، وملكها يفنى ، وُدَّها ينقطع ، وخيرها يُنتزع ، المتعلقون بها على وجل إما في نعمة زائلة ، أو بلايا نازلة ، أو منايا قاضية {ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإن الأخرةَ هيَ دارُ القرارِ}(غافر:39) العمر قصير ، والخطر المحدق كبير ، والمرء بين حالين : حالٌ قد مضى لايدري ما الله صانعٌ فبه ، وأجل بقي لايدري ما الله قاض فيه .

إذا كان المر كذلك أيه الأخوة فعلى صاحب البصر النافذ أن يتزود من نفسه لنفسه ، ومن حياته لموته ، ومن شبابه لهرمه ، ومن صحته لمرضه ، فما بعد الموت من مستعتب ، ولابعد الدنيا إلا جنة أو نار .
ومن أصلح ما بينه وبين ربه كفاه مابينه وبين الناس،ومن صدق في سريرته حسنت علانيته،ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه والمحاسبة الصادقة ما أوثت عملا فعليك ياعبد الله أن تستدرك مافات بما بقي فتعيش ساعتك ويومك ، ولا تشتغل بالندم والتحسر من غير عمل ، واعلم أن من أصلح ما بقي غُفر له ما مضى ، ومن أساء فيما بقي أُخذ بما مضى وبمابقي ، والموت يأتيك بغتة ، فأعط كل لحظة حقها ، وكل نَفَسٍ قيمته فالأيام مطايا ، والأنفاس خطوات والصالحات هي رؤوس الأموال ، والربح جنات عدن والخسارة نارٌ تلظى ، لايصلاها إلا الأشقى وأنت حسيب نفسك .

قرأ الحسن رحمه الله قوله تعالى : { عن اليمين وعن الشمال قعيد } فقال : يابن آدم :بسطت لك صحيفتك ، ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك ، والآخر عن شمالك ، فصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات . فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر ، فإذا مت طويت صحيفتك وجعلت في عنقك فتخرج يوم القيامة فيقال لك : { إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } قال رحمه الله : عدل -والله - من جعلك حسيب نفسك .
فاتقوا الله -رحمكم الله -وتزودوا في دنياكم ماتحرزون إلى أنفسكم غداً فمن اتقى الله نصح لنفسه ، وقدم توبته على شهوته .
أعوذ بالله من الشطان الرجيم : { وأنذرهم يوم الأزِفَةِ إذِ القلوبُ لدى الحناجرِ كاظمينَ ماللظالمينَ من حميمٍ ولاشفيعٍ يٌطاعُ يعلمُ خائنةَ الأعينِ وما تخفي الصدورُ واللهُ يقضي بالحقِ والذين يدعونَ من دونهِ لايقضونَ بشيءٍ إن اللهَ هو السميعُ البصير} .

الخطبة الثانية

الحمدلله هدم بالموت مَشِيد الأعمار ، أحمده سبحانه وأشكره ،وأتوب إليه وأستغفره حكم بالفناء على أهل هذه الدار . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له شهدة أرجو بها النجاة من النار ، وأشهد أن سيدنا وأمامنا محمد عبده ورسوله المصطفى المختار صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه المهاجرين والأنصار ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ماتعاقب الليل والنهار .
أما بعد :
فإن في قوارع الدهر لعبرا وإن في حوادث الأيام لمزدجراً ، أوقات تطوى فتخرب عامراً وتعمر قفراً ، تعير مرة وتسلب أخرى فاحذروا زخارفها المضللة ، من تكثر منها ام يزدد من الله إلا بعداً .

واعلموا رجمني الله وإياكم أن من أشد ما يفسد العمر ويقتل الوقت صحبة البطالين ومعاشرة الهاملين . أصحاب الجهالات واللهو والعبث ، بهم يضيع الزمن ويفسد العمل وتسوء الصحبة ، فواجب على من نصح نفسه وعرف وقته أن ينفر منهم ؛ فالنبتة الفاسدة تفسد ما جاورها ، والهواء والماء يفسدهما مقاربة الجيف .
وفي أحضان البطالة والبطالين تولد الرذائل وتنبت جراثيم فناء الأفراد والأمم والعاطلون هم الموتى ، ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل ، والإناء إن لم تشغله بالماء شغل بالهواء . فمن عزم على حفظ مابقي له من سو يعات عمره فلا يصاحب إلا الجادين العاملين ، والأخيار النابهين ، البررة الصالحين .الذين يحرصون على أوقاتهم أشد من حرص الشحيح على دراهمه ودنانيره .
فاتقوا الله رحمكم الله وجدوا في العمل واعتبروا بما سلف ، فالفرص تفوت ، والأجل موقوت ، والإقامة محدودة ، والأيام معدودة ، ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون .
 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية