اطبع هذه الصفحة


رمضان.بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمد لله ذي الجلال والإكرام الحنان المنان ، مقلب الدهور والأزمان ، أحمده جل في علاه وأشكره على نعمه المتتابعة وعلى فضله والإحسان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده تنزه عن الشركاء والأعوان وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله للثقلين الإنس والجان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على النهج بإحسان . أما بعد : ف{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } (آل عمران:102).

معاشر المؤمنين جئتكم اليوم مهنئاً،وبشهر الصوم مرحباً،فهنيئاً لكم أحبتي شهر رمضان؛ بيد أن هناك من يسعى لإفساد فرحتكم عليكم فهل تقبلون بذلك..؟.إنهم أولياء الشيطان؛شهر رمضان تحول لساحة نزال عظيمة بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ فأولياء الرحمن يبذلون جهدهم فيه لنيل الرضوان بينما يضع أولياء الشيطان في طريقهم العراقيل والعقبات،بل ويحاولون في شهر الغفران وتزيين الجنان سحب عباد الله وتقريبهم من النيران.اختار الله شهر رمضان لينزل فيه أعظم كتاب عرفته البشرية القرآن وأخبرنا عن ذلك في آيات تتلى إلى يوم القيام فقال:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ.. } (البقرة:185). وهذا سيدي أبا القاسم صلوات ربي وسلامه عليه كان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن في رمضان وما كان يدارسه إياه في شهر غيره؛ففهم أولياء الرحمن من هذا أن من أولى ما تنفق فيه الأوقات في رمضان تلاوة القرآن؛فهذا الإمام الزهري كان إذا دخل رمضان قال إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام،وقال ابن عبد الحكم كان الإمام مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم ويقبل على قراءة القرآن من المصحف،وقال عبد الرزاق:كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن..وعلى هذا النهج سار أولياء الرحمن حتى عصرنا الحاضر،أما أولياء الشيطان عياذاً بالله فقد أعرضوا عن كتاب ربهم وشغلوا عنه وعملوا ويعملون على شغل أوقات عباد الله بالمسلسلات والأغنيات وفحش القنوات متى ..؟. في شهر القرآن ليصدونهم عن كتاب ربهم،حتى غدت طائفة من أمة الإسلام تقرأ القرآن في شهر القرآن بلا تدبر وبلا تعقل،بل بعضهم قد يقرأ صحيفة يومية بتركيز وتحليل لمحتواها أكثر من تركيزه في قراءته لكتاب ربه القرآن؛فيا أمة القرآن..يا أمة القرآن,يا أولياء الرحمن ربكم اصطفى هذا الشهر ليكون شهر القرآن..فإياكم..ثم إياكم وفتن أولياء الشيطان .

يا أمة الإسلام ما اختص الله شهراً بالصيام كاملاً إلا شهر رمضان بل وجعل صيامه ركن من أركان الإسلام فقال تعالى:{..فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..}(البقرة:185).ولماذا فرض الله علينا الصيام..؟. أخبرنا عن ذلك ربنا بقوله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة:183).والتقوى كما هو معروف أخي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية؛فاجتهد أولياء الرحمن في تحقيق التقوى في شهر رمضان؛ وأخذوا يتقربون إلى الله بالقيام وتلاوة القرآن والذكر ويجتهدون في البعد عما يسخط الله عليهم،بيد أن أولياء الشيطان أخذوا يعزفون على أوتار الشهوات ويباعدون بين المؤمن وبين التقوى في رمضان؛فكم من الملايين أنفقتها تلك القنوات لإنتاج ونشر الفحش والملهيات في رمضان..!.فيا أمة التقوى احذروا ..ثم احذروا الفخاخ التي ينصبها لكم أولياء الشيطان في شهر التقوى شهر رمضان.الصيام سلاح الشاب في وجه الشهوة الجامحة يستعين به على العفاف أخبره عن ذلك نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام البخاري بقوله:((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))(البخاري،النكاح،ح(4677)).فكم يفرح الشباب من أولياء الرحمن برمضان لأنه عوناً لهم على غض أبصارهم وحفظ فروجهم،بيد أن أولياء الشيطان يحرصون على زيادة جرعة الفتنة للشباب في شهر رمضان؛ فهم يختارون لبرامجهم الرمضانية نساءً في قمة الفتنة والتبرج يبدين من الغنج والدلال ما يحرك الصخور الصماء، فكيف بشباب تفور الشهوة في أجسادهم،يوظفون أحدث ما توصلت إليه النظريات النفسية والإعلامية في مجال المؤثرات الصوتية والبصرية للترويج للحب الدنس والعلاقات المشبوهة بين الفتيان والفتيات.أجلبوا على شباب أمة الإسلام بخيلهم ورجلهم حتى تغيرت المفاهيم عند بعض أفراد من أمة الإسلام فأصبح لا يذوق طعماً لرمضان بدون الفوازير الرمضانية،ولا يذوق طعماً لرمضان بدون المسلسلات الفكاهية. فيا أولياء الرحمن ..يا أولياء الرحمن تنبهوا لما يدبره لكم أولياء الشيطان؛ إنه مكر الليل والنهار،أنهم يبذلون من أوقاتهم ومن أموالهم ومن جهدهم ليضلوا عباد الرحمن عن طريق الجنان وأبوابها المشرعة في رمضان،ليبعدوهم عن تلك الجنان التي يزينها العظيم جل شأنه في كل يوم من هذا الشهر ويخاطبها بقوله: ((يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ الْمَئُونَةَ وَالْأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ)) كما أخبرنا عن ذلك الصادق المصدوق صلوات ربي وسلامه عليه فيما أخرجه الإمام أحمد ،يفعلون كل ذلك ليسحبوا أفراداً من أمة الإسلام بسلاسل الشهوات الناعمة،وقيود الشبهات المغلفة ويقربوهم من أبواب النار الموصدة،ثم يطرقون تلك الأبواب بكل ما أوتوا من قوة ليقذفوا فيها من استجاب لهم.فيا أولياء الرحمن..يا أتباع خير أمة أخرجت للناس هذا خطاب ربكم فاسمعوه بقلوبكم،وتأملوه بعقولكم وكافة جوارحكم وأنصتوا لربك إذ يقول:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ()إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ()الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ()أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (فاطر5-8).

الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الكرم والإحسان، أحمده جل شأنه وعد عباده المتقين نعيم الجنان،وتوعد من أعرض عن طريق الهدى ضنك النيران،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تفرد بالعظمة والسلطان وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فاتقوا الله عباد الله وأقبلوا على ربكم واغتنموا شهركم،فوالله إن المغبون من خرج من هذا الشهر ولم يغفر له بشهادة سيدي أبا القاسم فيما أخرجه الإمام الترمذي وقال عنه حديث حسن من رواية أَبِي هُرَيْرَة َرضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ))(الترمذي،الدعوات،ح(3468)).أخي الحبيب إني أنادي نفسي ثم أناديك إني أرجوك..ثم أرجوك أن لا تفرط في هذا الشهر العظيم،فوالله ثم والله ثم والله لا ندري أنا ولا أنت ولا هو ولا هي فقد تكون الفرصة الأخيرة قد يأتي رمضان القادم وأنا وأنت وهو وهي تحت التراب في حفرة نتحسر على الساعات التي مضت،ومواسم الخير التي انقضت ولم نستثمرها في طاعة الله،أخي الحبيب هذا ربك الرحيم بك يناديك ليغفر لك ما تقدم من ذنبك، يناديك ليعتق رقبتك من نيران الآخرة العظيمة،هذه فرصتك لتكون من أولياء الرحمن فهل..هل تلبي أخي نداء ربك.استمع معي لربك يخاطبك محذراً بقوله : {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا () يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفً}(النساء:27-28).


 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية