اطبع هذه الصفحة


ماذا بعد الامتحانات..؟

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله جعل القمر بدرا،وجعل الشيب عذرا،وجعل لكل شيئاً قدرا، أحمده جل شأنه وأشكره على نعم تتابع تترا،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له تفرد بالإحياء والإماتة والبعث سبحانه جل عَظَمَةً وقدرا،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله أزكى العباد أخلاقاً وفكراً،اللهم صلى على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على الهدى إتباعاً وحباً.أمابعد:ف{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً}(النساء:1).معاشر المؤمنين جئتكم اليوم مباركاً ومهنئاً؛فقد انتهت الامتحانات بهمها وكربها وضيقها ومافيها،فهنيئاً لكم آباءً وأمهات وطلاباً ومعلمين ومعلمات بدأ الإجازة،انتهت الامتحانات النهائية ولكن ماذا بعد الامتحانات؟.انقسمت البيوت لفريقين لا ثالث لهما:أسر تعبت مع أبنائها في الإجازة وسهروا وأنفقوا من أموالهم وأوقاتهم فنجح الأبناء وحققوا معدلات عالية فعمت الفرحة العارمة المنزل،وبيوت أخرى من نفس الفريق فرحت بيد أن فرحتهم كانت أقل فقد نجح أبناؤهم ولكن بتقديرات متواضعة،وأود أن أسأل تلك الأسرة سؤال:هل مازلتم تعانون من مرارة فترة الاختبارات وتعبها أم أن النتائج التي حققها أبناؤكم قد أنستكم تلك اللحظات التي حرمتم فيها أنفسكم من معظم شهواتكم وملذاتكم المباحة؟.لاشك أن الإجابة أن فرحة النجاح قد طغت وأنستهم الأمر وكأنهم لم يعانوا ضيقاً وقت الامتحانات.أما الفريق الثاني والذي يستحق العزاء قد أسرفوا على أنفسهم في أيام الامتحانات ولم يستطيعوا فطم أنفسهم من شهواتها،فرسب الأبناء وجاءت النتائج مخيبة للآمال ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛فأقول لهم هل ما زال معكم شعور من لذة الشهوات التي كنتم تتناولونها أيام الامتحانات أم أن مرارة الرسوب قد أنستكم تلك الحلاوة؟.لاشك أن الإجابة وأي حلاوة نستشعرها وقد طغت مرارة رسوب الأبناء على كل شعور وغطته بسوادها.أقول أحبتي فترة الامتحانات انقضت وأعقبها ما أعقبها من فرحة أو غُمَّة أنست ما كان قبلها ومافيها عبرة،فهكذا هي الدنيا والحياة كلها موسم امتحان أخبرنا عن ذلك من؟.الذي خلقنا وصورنا بقوله:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ()الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(الملك1-2). والناس في النهاية ينقسمون إلى فريقين كما أخبرنا الله بقوله:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ}(الشورى:7).هناك من أمة الإسلام مع الأسف من قَصَرَ فِكْرَه على الحياة الدنيا وظن أنه خالد مخلد فيها فاستسلم لشهواته وغرق في ملذاته،ونسي أنه في امتحان وأن هناك نتيجة؛نسي أن الموت يطلبه والقبر ينتظره،نسي أن خلفه بعث ونشور وحساب وصراط، ونار وقودها الناس والحجارة،وفجأة إذا بملك الموت يطلبه فإذا به يصرخ في حسرة وندامة:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ()لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(المؤمنون:99-100).وإذا به يوم القيامة وقد أوتي كتابه بشماله أيقن الهلكة وندم حيث لا ينفع الندم إذا به يصيح على رؤوس الخلائق اسمع للعليم الخبير ينبئك عن حاله:{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ()وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ()يَا ‎لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ()مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ()هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ }(الحاقة:25-29).وفي المقابل هناك طائفة ذكية كان فكرها مشغول بالآخرة فما أعمت الدنيا أبصارهم نعم هناك من يسكر منهم بلذة خمر الدنيا ساعة،بيد أنه لا يلبث أن يفيق ويعود وينيب لربه كما وصفهم الله بقوله:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(الأعراف:201).أولئك يبشرون في سكرات موتهم:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ()نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ()نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}(فصلت:30-32).ويَهْنَئون في قبورهم؛أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ:أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنْ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنْ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا قَالَ قَتَادَةُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ...))(البخاري،الجنائز،ح(1285)).ويوم القيامة هم من السعداء الفائزين يقول ربنا في محكم التنزيل:{يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ()الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ()ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ()يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ()وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(الزخرف:68-72).

الخطبة الثانية:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلامضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،أمابعد:فاتقوا الله عباد الله واسمعوا لنبيكم وحبيبكم صلى الله عليه وسلم وهو يقول:((يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ،وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ:يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ))(مسلم،صفة القيامة،ح(5021)).فيامن اجتهد مع أبنائه في امتحانات الدنيا حتى أنستهم فرحة النتيجة ما نالهم من نَصَبٍ وتعب،اجتهدوا لكي ينجح أبناؤكم في امتحانات الآخرة بنفس الجد والهمة وأكثر،وكما جعلتم للأسرة هدفاً واضحاً أيام الامتحانات فاجعلوا لها هدفاً واضحاً في امتحان الدنيا وهو النجاة،نعم ستجدون مشقة وعناء بيد أن نعيم الجنة سينسيكم ما عانيتموه،وكم من الأسر تجتهد في أيام الامتحانات ثم إذا جاءت الإجازة استرخت وتركت الأبناء يفرطون في الصلوات والجماعات ويرتكبون المنكرات من خلال القنوات والأغنيات ونحوها،فما أشد ما هدموا وضيعوا،وإلى كل من ينظر لمن يعيش حياة التقى بأنه محروم من ملذات الدنيا نقول له:إن الحرمان الحقيقي هو من حرم لذة الجنة ونعيمها الذي لا يزول ولا يحول،وإن اللذة الحقيقية في حلاوة الأيمان ومناجاة الرحمان والفوز بالجنان.

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية