اطبع هذه الصفحة


متى تهلك المجتمعات؟

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله شرع لنا أعظم دين،وأحاطه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كسياج متين،أحمده جل شأنه وأشكره جعل الحسبة طريق الفلاح والمفلحين،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الملك الحق المبين،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صادق الوعدالأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الغرالميامين.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله تفوزوا بجنة عرضها السموات والأرض أخبركم عن ذلكم ربكم بقوله:{ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا()جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا()لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا()تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّ}(مريم:60-63).
معاشر الكرام الذنب صفة ملازمة للبشر فهذا أبو البشرية آدم عليه السلام وزوجه استطاع إبليس غوايتهما فعصيا ربهما وهما في الجنة،وفي أفضل المجتمعات البشرية على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سرقت امرأة،وزنت امرأة،وزنى رجل،وأقيمت عليهم الحدود!.فالذنب والعصيان من سمات بني آدم أخبرنا عن ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله:((كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ))(الترمذي،صفة القيامة،ح(2423)،وحسنه الإمام الألباني).معاشر الفطناء دعونا نتكلم على مستوى المجتمعات؛إذا كانت الذنوب من طبيعة البشر فَلِمَ يقول الله في كتابه: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ()وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ }(الشورى:30-31).ويقول جل جلاله:{ .. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ }(آل عمران:11).فمتى تهلك المجتمعات بسبب الذنوب؟.تهلك المجتمعات بسبب الذنوب إذا عُطلت حدود الله لذا نبهنا العليم الخبير بقوله:{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:179).
وقال سبحانه في حد الزاني غير المحصن:{ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }(النور:2).فالحدود وضعت زواجر لضعفاء الإيمان والنفوس حتى لا يرتكبوا المنكرات،فإذا أمنوا العقوبة الرادعة تجرؤوا على كبار الذنوب فانتشرت في المجتمع فاستحق المجتمع العقوبة،وتنزل العقوبة على المجتمع إذا فشت فيه الذنوب وأصبحت ترتكب ويدعى إليها جهاراً يقول صلى الله عليه وسلم :((..خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا..))(ابن ماجة،الفتن،ح(4009)).وعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ))(البخاري،الأدب،ح(5608)).وسمعنا وسمعتم في وسائل الإعلام عن رجل من بلاد الحرمين يجاهر بفسقه ويدعو للرذيلة علانية على شاشة قناة فضائية ماجنة،فما الذي يمنع ضعاف الإيمان والنفوس من المجاهرة بالذنوب في المجتمع المسلم؟.إنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛فهو صمام الأمان للمجتمع من أن تنزل بها عقوبة الجبار العظيم.أيها الأحبة في الله دولتنا بفضل الله ما زالت متمسكةً بإقامة الحدود الشرعية رغم الهجمة الدولية الشرسة عليها في هذا المجال باسم حقوق الإنسان،كما واجهت بلادنا في الفترة الأخيرة هجمةً شرسةً على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخارج تفاعل معها بعض دعاة الرذيلة في الداخل حتى أصبحت أخطاء الهيئة ورجالتها الشغل الشاغل لبعض أجهزة الإعلام فجاء الرد قوياً من قيادة هذه البلاد المباركة قولاً بالإعلان عن تمسك هذه البلاد بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العظيمة؛فهاهو رجل الأمن الأول النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية يعلن أن وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبط بوجود الدولة حيث قال:"إن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تأسست ووجدت –كما أمر الله-منذ الدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة التي أسسها الملك عبد العزيز"(الاقتصادية الإلكترونية،الأربعاء 24/6/1430هـ)،وكان الرد العملي بخطوات عدة:من أبرزها فتح معهد عالٍ للحسبة في جامعة أم القرى،وإقامة كرسي علمي للحسبة في جامعة الملك سعود بالرياض يحمل اسم خادم الحرمين الشريفين سدده الله،ووضع خطة استراتجيه لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برعاية كريمة عالية،وفتح مراكز للهيئة في منتجعات سياحية كان يُظن أنها فوق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،فنقول لقادة هذه البلاد سدد الله رأيكم وسعيكم يوم أن ميزتم بلادنا من بين بلدان العالم الإسلامي بهذه الشعيرة العظيمة وسيروا ونحن من ورائكم فهذا هو طريق الفلاح كما قال ربنا جل في علاه:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ..}(آل عمران:110).

الخطبة الثانية:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله، واعلموا رحمني الله وإياكم أن هناك مفهوم خاطئ لدى البعض حيث يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مسؤولية الدولة ورجال الحسبة فقط؛ فيرى المنكر أمام عينيه فلا ينكر لا بلسانه ولا بقلبه،بل وصل الحال ببعضهم أن يرى المنكر في أهله وفي جوف بيته فلا ينكر!.فنقول لمثل هؤلاء هل تنتظر أن تدخل سيارات ورجال الحسبة لبيتك لينكروا على أهلك وأولادك!.معاشر المؤمنين إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمانة وضعها نبينا وحبيبن صلى الله عليه وسلم في رقبة كل واحد منا رجالاً ونساء شيباً وشبانا وسيسأل كل واحد منا عنها وهي معيار مقدار الإيمان في القلب فقال صلى الله عليه وسلم :((مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُنْكِرْهُ بِيَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))(الترمذي،الفتن،ح(2098)[قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ]). وليوطن كل واحد منا نفسه على الأذى في هذا المجال فهذا لقمان الحكيم يوصي ابنه بوصية خلدها الله لنا في كتابه بقوله:{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }(لقمان:17). معاشر المؤمنين إن تكاسلنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فستصبح الغلبة والعزة غداً لأهل الشهوات والمنكرات ويصبح أهل الحق فئة مستضعفة،وسيدخل المنكر على بيوتنا وأولادنا ونسائنا ولا نستطيع التغيير ونستحق العذاب لاقدر الله، فلنكن عضداً لدولتنا في هذا المجال ونرضي ربنا ونحفظ بيوتنا وأهلينا ومجتمعاتنا.

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية