اطبع هذه الصفحة


التفاؤل طريق النجاح

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله تفرد بالأسماء الحسنى وصفات الكمال،لا يغير سواه من حال إلى حال،أحمده جل شأنه وأشكره على نعم عجزت عن شكرها الأقوال والأفعال،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له إليه المرجع والمآل،وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبد الله يكره الطيرة ويحب الفأل صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وجميع الآل .أمابعد:فيامن ينشد اليسر في الدنيا والفلاح في الآخرة أوصيك بتقوى الله فهذا ربك يخاطبك فأنصت لخطاب ربك إذ يقول:{..وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا()ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } (الطلاق:5-6).أحبتي في الله تساؤلات قد يقف بعض الناس أمامها حائراً؛ما الذي يؤدي للانتحار؟.ما الذي يؤدي للفشل في الحياة الاجتماعية أو العملية أو الدعوية أو الدراسية؟. مشكلات عدة يغرق فيها المرء المسلم إذا أحاط نفسه بأسوار اليأس ورفض أن يفتح نافذة التفاؤل والأمل.فنقول لمن وقع في هذا الفخ يا أخا العقيدة إن التفاؤل جزء من عقيدتنا ومنهج حياتنا الإسلامية.
أمة الإسلام العظيمة إن اليأس والقنوط وعدم التفاؤل جحر ضيق يسعى أعداء الإسلام لحشر الأمة فيه حتى لا تفكر بالعودة لأمجادها وقيادة العالم نحو النور. أخي الحبيب لو قيل لك -لا قدر الله- أن ابنك الحبيب إلى نفسك قتل،وجاؤك بالدليل العملي على ذلك ثياب الابن ملطخة بالدماء؛ فهل يبقى لديك أمل بعد ذلك في لقائه في الحياة الدنيا؟.ما رأيك..؟.تعال أخي معي لتسمع لقصة النبي الصالح يعقوب عليه السلام :فقد نعوا إليه ابنه الحبيب يوسف عليه السلام وجاؤا بثيابه ملطخة بالدماء ومضت سنوات طويلة على الحادثة ثم بعد تلك السنوات يخاطب أبناءه بروح متفائلة خلدها القرآن فقال:{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (يوسف:18).
أخي الحبيب لو أنك ظللت تدعو أهل بيتك وأبنائك للهدى والاستقامة شهر وشهرين وعام وعامين ومضت عشرة أعوام ولا توجد استجابة فهل لك أن تيأس وأن تقول لا فائدة في هؤلاء ؟.تعال أخي معي وتأمل للإجابة في ما ذكره الله لنا من نموذج عملي في قصة نوح عليه السلام حيث قال:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا...}(العنكبوت:14).تسعمائة وخمسين عاماً وهو يدعوهم إلى الله ولم يكل أو يمل،ولا يظن أحدٌ خطاءً أنه دعا على قومه بعدها،فهو لم يدعو على قومه إلا بعد أن جاءه الخطاب الرباني:{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(هود:36).نعم لا بد لمن يحمل الدعوة إلى الله أن يحملها بروح متفائلة؛وهذا ما كان يغرسه نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم في أصحابه تعال معي أخي لنعيش هذه القصة:أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن بَيَانٍ وَإِسْمَاعِيلَ قَالَا سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهُوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَقَدْ لَقِينَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ؟.فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ: ((لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ -زَادَ بَيَانٌ- وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ))(البخاري،المناقب،ح(3563)).أخي الحبيب لك أن تتأمل عظم هذه الروح التفاؤلية في قمة بطش قريش بالدعوة وأهلها. إني لأقول لمن اصطفاهم الله لحمل هذه الدعوة إن اليأس في الدعوة مهلكة للداعية الذي فقد روح التفاؤل في المقام الأول؛أخبرنا عن ذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله:((إِذَا قَالَ الرَّجُلُ هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ))(مسلم،البر والصلة،ح(4755)).وأخرج الإمام مسلم عَنْ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ:((أَنَّ رَجُلًا قَالَ وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ))(مسلم،البر والصلة،ح(4753)).
أحبتي في الله إني أنادي كل من استسلم لليأس وأغلق نوافذ التفاؤل قائلاً له إن اشتداد ظلمة الليل هو إيذاناً بقرب انبلاج الفجر،وأن الحياة لا تدوم على حال،وبالتفاؤل يتحول المرُّ حلواً والعلقم عسلاً والظلمة ضياءاً،فما أجمل العيش في كنف التفاؤل،أخي الحبيب عد إلى كتاب ربك وتأمل في الآيات الداعية للتفاؤل تجدها كثيرة واسمح لي أخي لأن أختار لك منها قول الله تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }(يوسف:110).

الخطبة الثانية
الحمد لله وكفى يجزي أهل الوفاء بالتمام والوفاء،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له يرتجى ولاند له يبتغى،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله النبي المجتبى والحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأطهار الحنفاء .أما بعد:فاتقوا الله عباد الله،وتأملوا فيمن حولكم ممن استسلم لقطرة من الفشل فغرق في بحر منه،ومن اتخذ من لحظة فشله درساً للنجاح،ولعل من المناسب أن نذكر هنا في موسم الاختبارات بعض الطلاب الذين قد يخفقون في مادة واحدة من المواد فيسيطر عليهم الشعور بالفشل ويضعف التفاؤل إلى درجة تقترب من التلاشي؛حتى يتحول الفشل في جزء من مادة إلى فشل في المواد التي بعدها،وكم من الآباء يصف ابنه دائماً بالبلادة والفشل ويغرس ذلك فيه ولا يحدثه عن التفاؤل والنجاح ثم يطالبه بتحقيق النجاح الذي قتله هو في نفسه،وكم من زوج يحطم زوجته ويسلمها لليأس ثم يشقى بها،وكم من مدير يحطم مرؤوسيه ثم يبغي النجاح لدائرته وهكذا ..،عباد الله إن من أهم ما يغرس في المرء التفاؤل ويدفعه للنجاح هو تعلق القلب بالله جل وعلا والثقة في قدرته وحكمة تدبيره مع بذل الأسباب واسمعوا معي لهذه القصة:أخرج الإمام أبو داود في سننه بإسناد فيه ضعف عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّقَالَ:دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ:((يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟.)).قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ صلى الله عليه وسلم :((أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟.)) قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ،قَالَ:((قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ))،قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي(أبوداود،الصلاة،ح(1330)).تأملوا معي أحبتي كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرض لرجل من أمته أن يستسلم للهم واليأس ودله على طريق التفاؤل،فهلم بنا لنربي أنفسنا وأزواجنا وأولادنا وجميع الأمة على حياة التفاؤل يتحقق لنا العز والسعادة بإذن الله.

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية