اطبع هذه الصفحة


معيار حب الله في القلوب

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله لا يعبد بحق سواه ، سجدت لعظمته الجباه،وأقيمت لطلب رضوانه الصلاة، أحمده جل شأنه وأشكره على كل ما مَنَّ به وأعطاه،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.ما خاب من رجاه،ولا يَرُدُّ من دعاه، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله ونبيه ومصطفاه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.أما بعد: فيا معاشر المؤمنين اسمعوا معي لنداء رباني عظيم يناديكم فيه ربكم بقوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ()وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (الحشر:18-19).
أحبتي في الله كل مخلوق على وجه الأرض يحرص على أن يحقق السعادة لنفسه من خلال جلب كل ما فيه منفعة ولذة ودفع كل ما فيه ألم ومضرة،ولاشك أن الناس تختلف في تحديد ماهية تلك المنافع واللذات والآلام والمضرات ،وأصل السعادة أن يكون للإنسان محبوب يسعى لرضوانه ويسعد بوصله ولقائه،يستعذب ويتلذذ بالألم في مرضاته،لا يحب إلا ما يحب محبوبه، ويكره كل ما يكره محبوبه وإن كان يظهر له فيه مصلحة ولذة؛ أتعلمون أحبتي أن هذا هو معيار حب الله ورسوله والإيمان بهما اسمعوا لربكم إذ يقرر ذلك في كتابه بقوله: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمً } (النساء:65). ويختلف الناس فيما يتخذونه محبوباً أعظم لهم؛واسمع لربك يخبرك عن ذلك بقوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ... } (البقرة:165).لماذا تحب الله..؟.كلنا نوقن أنه لا يدفع الضر والألم عن الإنسان مهما صغر أو عظم إلا الله،ولا يجلب المنفعة واللذة إلا الله.إذاً فلا سعادة بدون الصلة بالله؛اسمحوا لي أحبتي أن أقص عليكم قصتين أصحابها أحياء يمكن الرجوع إليهم،الأولى حكاها أستاذ في كلية الطب زميل في الجامعة،يقول:أحضرت لنا الجامعة رجلاً ليحكي قصته للأطباء وكانت كالتالي: يقول ذهبت لمستشفى تخصصي في الأورام وبعد الكشف علي والأشعة أخبروني بأن لدي ورم خبيث مثل حجم ثمرة الخربز فوق الكبد،وأخبروني بأن لا أمل لي في الحياة وعلي أن أذهب لبيتي لأنتظر ساعة الموت والرحيل،يقول: ثم عاد إليهم بعد شهر ليجري الفحوصات فوجدوا أن ذلك الورم قد اختفى تماماً وكأنه لم يكن..!. فلما سألوه ماذا فعلت..؟. قال: أيقنت يقيناً جازماً بأنه لا يدفع الضر إلا الله.ويقول ذلك الزميل:وعرضوا أمامنا صور الأشعة قبل وبعد فرأينا بأم أعيننا أثر عظمة الله. والقصة الأخرى لجارٍ يصلي معنا في هذا المسجد ولعله موجود معنا الآن واستسمحه في ذكر قصته التي رواها لي بنفسه، يقول أصبت بمرض غامض وارتفاع في درجة الحرارة وذهبت وتنومت بمستشفى معروف بجدة لمدة أسبوعين وأجريت لي كافة الفحوصات بما فيها من أشعة مقطعية ونووية ولم يجدوا تفسيراً لذلك المرض يقول:فأخذت أقرأ القرآن وأنفث على نفسي فشفيت بإذن الله بعد أن عجز الطب ،ولمن أراد المزيد من القصص الواقعية أنصحه بسماع شريط رحلة مع القرآن للشيخ الداعية عبد المحسن الأحمد. أحبتي في الله إذا كانت مجامع السعادة كلها بلا استثناء بيد الله وحده أليس من المنطق والعقل أن نقوي صلتنا بالله وأن نجعله جل في علاه هو محبوبنا الأعظم ويكون طلب رضوانه هو غايتنا ولو أصابنا في ذلك ما أصابنا من ألم وعنت في الدنيا؛ تعال أخي معي للنظر لأمثلة تطبيقية لذلك؛فهؤلاء سحرة فرعون أنظر يوم أن تمكن حب الله في قلوبهم زهدوا في الدنيا بأكملها بزخرفها وبهرجها وقالوا قولتهم التي خلدها الله في كتابه بقوله: { قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا()إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } (طه:72-73).وهاهم آل ياسر يصبرون على العذاب حتى تموت سمية رضي الله عنها تحت التعذيب فتأتيهم البشرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم :((صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة)). عباد الله هذا ربكم يناديكم فاسمعوا لنداء ربكم إذ يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } (المائدة:54).

الخطبة الثانية
الحمدلله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبدالله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، واعلم أخي في الله أن الحبيب يكون في قمة نشوته وسعادته وأنسه يوم يناجي حبيبه،وإن الصلة بينك وبين محبوبك الأعظم هي الصلاة ألم تسمع لقول نبينا صلى الله عليه وسلم وهو يقول:((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))(النسائي،عشرة النساء،ح(3878)). الصلاة والمحافظة عليها والاستمتاع بها هي معيار حب الله في قلب العبد المؤمن اسمع معي أخي لأمنا أم المؤمنين عائشةوهي تصف حال النبي صلى الله عليه وسلم مع الصلاة قائلة: (كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ)(البخاري،النفقات،ح(4944)).فكم منا اليوم من لا يخرج إلا مع الإقامة أو بعد ركعة أو ركعتين،وكم منا من يحضر الجمعة في نهاية الخطبة أو في وقت الصلاة،أحبتي في الله ويوم أن خلت قلوب المنافقين من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثقلت عليهم الصلاة حتى كأنهم يحملون الجبال فوصفهم الله لنا بقوله:((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا()مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا))(النساء:142-143).وبيِّن لنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم معياراً دقيقاً عن النفاق بقوله:((لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ))(البخاري،الآذان،ح(617)).أحبتي في الله لنحرص على أن نعظم حب الله في قلوبنا وقلوب نسائنا وأولادنا،وعلينا متابعة الصلاة كمعيار للنفاق حتى لا يتسلل النفاق إلى القلوب فمن كانت الصلاة ثقيلة عليه أو يأتيها بلا نفس وحب أو يتكاسل عن صلاة العشاء وصلاة الفجر فإنا نقول له تنبه وراجع حب الله في قلبك فإن تلك مؤشرات الخطر.

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية