اطبع هذه الصفحة


هل أدرك المعلمون والمعلمات دورهم؟
15/10/1431هـ

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً،الحمد لله الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً،أحمده جل شأنه وأشكره جعل من العلم والعلماء نوراً وسراجاً مبيناً،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً معيناً،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أمابعد:فـ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبً } (النساء:1).
أحبتي في الله أهنئكم بحلول العام الدراسي الجديد،ومع كل عام دراسي جديد تتجدد الآمال في صناعة جيل مسلم من الذكور والإناث ممتلئٍ بقيم الإسلام مدركٍ لرسالته ودوره في تحقيق عز أمة الإسلام ونشر النور في عالم الظلمات، والمدرسة والجامعة بكافة مكوناتها من مناهج ومدرسين ونظم تعليمية وغيرها هي المحور الأساس في تلك الصناعة؛ فهي المحضن الرئيس الذي يعيش فيه الطالب أطول فترات عمره؛فالساعات التي يمضيها الطالب في ذلك المحضن التربوي أكثر من الساعات التي يمضيها مع والديه،وتزداد أهمية المدارس والجامعات في صناعة الأجيال مع انتشار السُّعار المادي،والجري بكل قوة لتحصيل أكبر قدر من المال،فالرجل مشغول بطلب المال،والمرأة تُفَّتَحُ أمامها الأبواب والإغراءات لتترك بيتها وزوجها وأولادها ودورها في الحياة وتخرج تلهث خلف المال،فتغدوا قيادة الأسرة التربوية متعبة منهكة مشغولة عن دورها الرئيس في صناعة الأجيال،وسلموا الأولاد طوعاً لتربية الخادمات والقنوات،وصدق سيدي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يوم أن قال:((مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))(الترمذي،ح(2389)).وفي ظل هذا الوضع تفاقمت المسؤولية وتعلقت الآمال أكثر على العنصر الرئيس في المحاضن التعليمية التربوية وهو المعلم أو المعلمة،فهم قيادات تربوية مؤثرة في المجتمع فالمادة الخام من أبناء الأمة يصنعون بأيديهم وتحت أنظارهم منذ نعومة أظافرهم وحتى النضج،فَحُقَ على كل معلم ومعلمة أن يدرك أهمية الأمانة التي في عنقه؛إنها حياة الأمة،إنها عِزُ الأمة إنها مستقبل الأمة بأكمله،ولابد له أن يسأل نفسه دوماً ماذا فعلت في تلك الأمانة؟؛بعض المعلمين والمعلمات أخذوا الأمر على أنه وظيفة رسمية فقط،وأن دورهم أن يلقوا للطلاب المادة العلمية ويقبضوا الثمن في نهاية الشهر!. فنقول لهم لا والله ما أدركتم مهمتكم،ما أدركتم عِظَمِ الأمانة في أعناقكم،ما عرفتم دوركم؛إنها مسؤولية عظيمة في الدنيا والآخرة: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } (التوبة:105).اسمعوا معي معاشر المعلمين والمعلمات لنبيكم صلى الله عليه وسلم وهو يقول:((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))(البخاري،الجمعة في المدن..،ح(844)).أخي المعلم أختي المعلمة أياً كان موقعكم في العملية التعليمية في الإدارة أو الوكالة أو الإرشاد الطلابي أو الإشراف أو التدريس المباشر،يجب أن يكون الهدف الذي تسعون إليه واضحاً أمامكم كوضوح الشمس في رابعة النهار وهو:"صناعة أجيال تُعَظِّمُ ربها،وتتمسك باعتزاز وافتخار بعقيدتها وقيمها،وتتبع بحب سنة نبيها،وتنتمي بفخر لأمتها ولوطنها،وتطيع ديانة قيادتها وولاة أمرها،وتساهم بفاعلية في بناء مجتمعها".معاشر المعلمين والمعلمات إن المنهج واضح لكم في تحقيق ذلك الهدف؛فأنتم تتبعون وتقتفون آثر نبيكم وحبيبكم صلى الله عليه وسلم ؛انظروا كيف استطاع صلى الله عليه وسلم أن يصنع بتوفيق الله من أفراد عاشوا بمجتمع تخيم عليه ظلمة الوثنية وحياة الجاهلية مشاعل تحمل نور الإيمان والعلم والحضارة وتنشره في ربوع الدنيا،صنع رجالاً غايتهم ورسالتهم واضحة يستعلون بدينهم وعقيدتهم على الدنيا بزخرفها ألم تروا إلى ربعي بن عامر بثيابه الصفيقة وسيفه وترسه وفرسه القصيرة يوم أن دخل على رستم في مجلسه وقد زينه بالنمارق المذهبة والزرابي الحرير،وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة،والزينة العظيمة،وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة،وقد جلس على سرير من ذهب،أقبل يتكأ برمحه على تلك النمارق فمزق عامتها ثم قال قولته المشهورة:"إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله،ومن ضيق الدنيا إلى سعتها،ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"(ابن كثير،البداية والنهاية،ج7،ص46).نعم هكذا نريد أجيالاً لا تبهرهم الحضارة المادية؛فيمزقوا دينهم ليرقعوا دنياهم عباد الله اسمعوا لربكم إذ يقول: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (يوسف:108).

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا معاشر المعلمين والمعلمات رحمني الله وإياكم أن صناعة الأجيال أسها الرحمة ومثاله قصة الأعرابي الذي بال في المسجد،والإقناع بالحوار؛عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا.فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ قَالُوا: مَهْ مَهْ.فَقَالَ صلى الله عليه وسلم :ادْنُهْ.فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا.قَالَ:فَجَلَسَ قَالَ صلى الله عليه وسلم :أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟.قَالَ:لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ صلى الله عليه وسلم :وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟.قَالَ:لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟.قَالَ لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟.قَالَ:لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ.قَالَ:أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟.قَالَ:لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ.قَالَ صلى الله عليه وسلم :وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ.قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ صلى الله عليه وسلم عَلَيْهِ وَقَالَ:اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ(مسند الإمام أحمد)،انظروا كيف أثمر الحوار المقنع التوبة،صناعة الأجيال تحتاج لعدم التجريح المباشر "ما بال أقوام"،كما تحتاج لضرب الأمثلة العملية الواقعية ؛عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ:((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟.فَقَالُوا:مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ وَمَا نَصْنَعُ بِهِ!.قَالَ:أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟.قَالُوا:وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ لِأَنَّهُ أَسَكُّ فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ!.فَقَالَ صلى الله عليه وسلم :فَوَ اللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ))(مسلم،،ح(5257)).صناعة الرجال تحتاج للحكمة "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ "(الترمذي،ومن سورة المنافقين،ح(3237))والأمثلة تطول في هذا المجال.نداء ..نداء نداء أوجهه لجميع المعلمين والمعلمات ولجميع العاملين في مجال التعليم فأقول:الله..الله في دوركم،الله..الله في أبناء ومستقبل أمتكم،الله..الله في الأمانة التي في أعناقكم، لكم منا الدعاء بالتوفيق والسداد،ونرجو منكم العمل بجد وإخلاص.


 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية