اطبع هذه الصفحة


من للتخصصات الشرعية ؟
joma541)21/8/1432هـ

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين،أحمده جل شأنه وأشكره أكرمنا وهدانا الصراط القويم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولا ند ولا معين،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صادق الوعد الأمين،اللهم صلى على هذا النبي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.أمابعد:
فهذا ربكم يوصيكم ياعباد الله فاسمعوا لوصية ربكم إذ يقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }(آل عمران:102).
أمة الإسلام أكرمنا الله في هذه البلاد بالعلم الشرعي،وهذه نعمة عظيمة من الله الكريم،فما أحوجنا في هذه البلاد للحفاظ على هذه النعمة؛فبلادنا تحتضن الحرمين الشريفين،بلادنا تحتضن قبلة المسلمين التي يتجهون إليها في اليوم خمس مرات،من هنا شع نور الهدى الذي أضاء ظلام العالم أجمع،وبفضل من الله ثم بفضل دعم حكومتنا للعلم والعلماء أصبح من علماء هذه البلاد من هو مرجع للعالم الإسلامي قاطبة يجعل من قوله الفصل في حال الخلاف، بيد أني لا أكتمكم سراً أحمل خوفاً أقلقني وأحب أن تشاركوني فيه؛نعم بدأت ظواهر تنذر بأن مجتمعنا زهد مع الأسف في هذه النعمة،وانشغل بثمراتها من انفتاح الدنيا علينا،مع أن الله حذَّر من ذلك وضرب أمثلة تنفر منها النفوس في كتابه منها قوله تعالى:{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ()وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } (الأعراف :175-176).أحبتي في الله إذا أعطينا نعمة العلم الشرعي ظهورنا وهي أس جميع النعم والرغد الذي نعيش فيه فمن يحمل لواء العلم الشرعي ؟.اسمعوا لربكم إذ يقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ()إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }(التوبة:38-39).في هذه الآيات يعاتب الله المجتمع المدني أن تثاقل بعضهم عن الخروج مع رسوله الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك انشغالاً ببعض متاع الدنيا،وقد طلب الله من أمة الإسلام قاطبة أن تنفر طائفة منها لطلب العلم الشرعي بقوله:{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }(التوبة:122).أحبتي تعالوا لنتأمل المخاوف التي عبرت عنها في ظلال هاتين الآيتين:أي طائفة من أفراد الأمة هي التي ينبغي أن تنفر لحمل لواء العلم الشرعي؟. أليس هم الموهوبون الأذكياء الفطناء المثابرون؟.وقد يقول قائل كيف نعرفهم؟.هم واضحون كالشمس..ولعل أحد أبرز المؤشرات عليه تقديرهم والدرجات التي حصلوا عليها في الثانوية؟.أحبتي في الله لنكن صرحاء كل الذين حصلوا على امتياز في الثانوية أين وجهتهم في الجامعة..هل هي للكليات الشرعية ؟.أم للطب والهندسة والعلوم ونحوها؟.من خلال متابعتي للقبول في الجامعة ليس لهذا العام فقط بل ومنذ أعوام وما أسمع عنه لا أكاد أجد شاباً أو شابة من أمة الإسلام ومن هذه البلاد المباركة حصل على الامتياز في الثانوية يتوجه بشكل مباشر للكليات الشرعية؟.إذاً من يتبقى للكليات الشرعية؟.أي فئة ستكون غداً هي فئة العلماء الذين يقودون الأمة أو قضاة يحكمون في أموالها ودمائها؟.تعرفون لماذا حدث هذا لأنه مع الأسف طغى التفكير المادي على حياتنا فنقول أن المستقبل للتخصصات العلمية وأن التخصصات الشرعية لا مستقبل لها؟.وهذا والله خلاف الواقع فنحن لا نحتاج المهندس أو الطبيب إلا لفترات محدودة في حياتنا ؟.لكن العالم الشرعي نحتاج للرجوع إليه في كافة أمور حياتنا؟.نحن إن لم نجد طبيباً مسلماً أو مهندساً مسلماً نستطيع الاستعانة في ذلك بغير المسلمين، لكن قولوا لي بربكم إذا لم نجد عالماً يفتينا في أمور ديننا هل نأتي بيهودي أو نصراني أو هندوسي ليفتينا؟.إن المستقبل كل المستقبل لحملة العلم الشرعي أنظروا إلى علمائنا كالنجوم في السماء،وإن كان العلم الشرعي لا يطلب لأجل الرفعة في الدنيا أو من أجل الشهادة والوظيفة بل يطلب لوجه الله تعالى؛ حينها يكسب العالم قدره؛ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ:ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم :((فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ))(الترمذي،ماجاء في فضل الفقه على العباده، ح (2609)).واسمعوا لربنا إذ يقول:{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }(المجادلة:11).

الخطبة الثانية :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،أمابعد:فاتقوا الله عباد الله،وتعالوا معي وتأملوا في معهد الحرم المكي ودار الحديث الخيرية ، بل وحتى حلقات العلم في الحرم المكي،وهي من محاضن العلم الشرعي الجيد في مكة المكرمة،تأملوا كم عدد أهل مكة وأصحاب اللسان العربي وسكان مهبط الوحي فيها،بل يخشى الإنسان أن تكون تلك المحاضن العلمية القوية أصبحت سمة للضعفاء والفقراء وأصبح هناك من لا يدخلها ترفعاً والعياذ بالله،انظروا للمحاضرات والدروس التي تنظمها الجهات الدعوية كم عدد الحضور فيها، أين البقية؟.هل هم مشغولون بالدنيا وزينتها؟.فإذا شغل الناس عن طلب العلم الشرعي من محاضنه الرسمية أو التطوعية فمن يحمل اللواء غداً؟.أحبتي في الله إني أنادي من هذا المكان أن تتكاتف جميع الجهات المسؤولة لتجعل من حملة العلم الشرعي رموزاً يتطلع الناس لأن يكون أبناؤهم مثلهم سواء من الناحية المادية أو المعنوية ؛ فكم من أصحاب عقائد منحرفة ربوا مجتمعاتهم على أن من يمثل الدين هم صفوة المجتمع.أحبتي في الله لا يفهم من قولي أن نحشد كل طاقتنا العلمية في مجال العلوم الشرعية ونهمل التخصصات العلمية،بيد أنه في المقابل لايصح أن يعطي جميع الموهوبين و الطاقات المميزة ظهورهم للعلم الشرعي ويتجهون للعلوم الطبيعية إنما هو التوازن فالعلوم الشرعية لا تحتاج إلا فرقة وليس كل المجتمع ؛ومن أقبل على العلم الشرعي فليعلم أن الله أراد به خيراً ؛ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:((مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ))(متفق عليه، والرواية من الترمذي).ويُخشى على من أعرض عن العلم الشرعي رغبة في الدنيا وزينتها أن يكون قد خذله الله،وأود في الختام أن أبين أحبتي أن أصحاب التخصصات العلمية من الطب والهندسة ونحوها لا غنى لهم عن العلم الشرعي،فلما لا يتجهون في فترات فراغهم في نهاية الأسبوع أو في الفترة المسائية أو ليحددوا يوماً واحداً في الأسبوع لطلب العلم الشرعي ـ فمن وفقه الله لذلك فقد جمع بين الحسنيين، وكم أخبرنا من الزملاء اليوم في الجامعة من أصحاب التخصصات العلمية أن سبب تفوقهم وإنهاء بعثتهم في وقت قياسي هو تخصيصهم وقتاً للعلم الشرعي وتدارس الكتاب و السنة.



 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية