اطبع هذه الصفحة


وسع كل شيء علما
(joma598) 16/5/1434هـ)

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي وسع كل شيء علما،الحمد لله الذي جعل لعباده الصالحين في قلوب الخلائق وداً،أحمد جل شأنه وأشكره فهو كان ولم يزل للحمد والشكر أهلا،وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له ولا نداـ وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله المصطفى بالرسالة حباً ،صلى الله على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فهل تريد أخي لك من الشيطان حصناً ؟. إذاّ عليك بتقوى الله يقول الله تعالى في وصف حال المتقين : { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ }(الأعراف:201).

خولة بنت ثعلبة امرأة حصل بينها وبين زوجها مشكلة زوجية فجاءت تشتكي للصدر الحنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتصوروا معي حال المرأة الغاضبة من زوجها وهي تشتكي بكل حرقة،وأمُّنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قريبة تسمع بعض الكلام ويخفى عليها بعضه.من رأي المشهد بكامل تفاصيله ولم يخفى عليه حتى عدد أنفاس تلك المرأة؟.إنه الله الذي وسع كل شيءعلماً،فأرسل جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالحكم بين الزوجين وسطره ليوم القيامه،وصدَّر ذلك الحكم ببيان سعة علمه وسمعه جل في علاه فقال: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ }(المجادلة:1).واسمعوا معي للقصة كما ترويها من حَضَرتها الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها فيما أخرجه الحاكم في مستدركه على الصحيحين وقال عنه الإمام الذهبي في التلخيص صحيح:قالت عائشة رضي الله عنها:تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة و يخفى علي بعضه و هي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول:يا رسول الله أكل شبابي و نثرت له بطني حتى إذا كبرت سني و انقطع له ولدي ظاهر مني! اللهم إني أشكو إليك.قالت عائشة:فما بَرِحَتْ حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات: { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَ }.فلا إله إلا الله كم من الأزواج اليوم يسب زوجته بقبيح الكلام ويتطرق لها ولأهلها ثم إذا جاء في مجلس الصلح أو القضاء أنكر! سبحان الله نسي أن الله وسع كل شيء علماً؟. وكم من زوجة تفعل الأفاعيل بزوجها ثم تنكر أمام الناس ذلك.أما علمت أن الله وسع كل شيء علماً!.وكم من ظالم يظلم ويعتدي ثم في مجلس القضاء أو الصلح ينكر ما قال وما فعل ألم يعلم بأن الله وسع كل شيء علماً!. وفي قصة أخرى حدثت هنا في مكة المكرمة وفي ظلال الكعبة المشرفة؛جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحِجْر بعد وقعة بدر بيسيرـوكان عمير من شياطين قريش ممن كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم بمكة ـ وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر،فذكرا أصحاب القَلِيب ومصابهم،فقال صفوان:والله إن في العيش بعدهم خير.قال له عمير:صدقت واللّه،أما واللّه لولا دَيْن على ليس له عندي قضاء،وعيال أخشي عليهم الضَّيْعةَ بعدي لركبتُ إلى محمد حتى أقتله،فإن لي قِبَلَهُمْ عِلَّةً،ابني أسير في أيديهم.فاغتنمها صفوان وقال:على دينك،أنا أقضيه عنك،وعيالك مع عيالى،أواسيهم ما بقوا،لا يسعني شيء ويعجز عنهم.فقال له عمير:فاكتم عني شأني وشأنك.قال:أفعل.-من رأى ذك المجلس؟.من سمعه بكامل تفاصيله سوى الرجلين؟.إنه الله الذي وسع كل شيء علماً-ثم أمر عمير بسيفه فشُحِذَ له وسُمَّ،ثم انطلق حتى قدم به المدينة،فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـوهو في نفر من المسلمين يتحدثون ما أكرمهم الله به يوم بدرـ فقال عمر رضي الله عنه :هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء إلا لشر.ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ،فقال:يا نبي الله،هذا عدو الله عمير قد جاء متوشحاً سيفه، قال صلى الله عليه وسلم :(فأدخله عليَّ)،فأقبل إلى عمير فلَبَّبَهُ بحَمَالة سيفه،وقال لرجال من الأنصار:ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا عليه من هذا الخبيث،فإنه غير مأمون،ثم دخل به،فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـوعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه.ـقال:(أرسله يا عمر، ادن يا عمير)،فدنا وقال:أنْعِمُوا صباحاً،فقال النبي صلى الله عليه وسلم :(قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنة).ثم قال:(ما جاء بك يا عمير؟)قال:جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم،فأحسنوا فيه.قال:(فما بال السيف في عنقك؟)قال:قبحها الله من سيوف،وهل أغنت عنا شيئاً ؟ قال:(اصدقني ما الذي جئت له ؟)قال:ما جئت إلا لذلك.قال:(بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر،فذكرتما أصحاب القليب من قريش،ثم قلت:لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمداً،فتحمل صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك).قال عمير:أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء،وما ينزل عليك من الوحي،وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق،ثم تشهد شهادة الحق.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(فقهوا أخاكم في دينه،وأقرئوه القرآن،وأطلقوا له أسيره).وأما صفوان فكان يقول:أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر.وكان يسأل الركبان عن عمير،حتى أخبره راكب عن إسلامه فحلف صفوان ألا يكلمه أبدًا،ولا ينفعه بنفع أبدا. ياعبد الله هذا مشرك يعبد الأصنام ويقطع الأرحام يوم أن أيقن بأن الله وسع كل شيء علماً تحول حاله وأقبل على ربه وإني أسائل نفسي وإياك ماذا فعل فينا علمنا ويقيننا بأن الله قد وسع كل شيء علماً.عباد الله تعالوا واسمعوا معي لحملة عرش الرحمن ماذا يقولون { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ }.

الخطبة الثانية :
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمني الله وإياكم أن العلم اليقيني بأن الله وسع كل شيء علما ،ليس مجرد معلومة تعرف وتردد،لا.بل هي تضبط جميع سلوكيات المرء المسلم؛فهي تملأ قلب العبد المؤمن من عظمة الله،هذا الرب العظيم الذي لا تخفى عليه كل كلمة نقولها همساً أو جهاراً، وتضبط السلوك فيراجع العبد نفسه ويرى نفسه دائماً في حضرة الله العظيم،ويقول إن الله العظيم يسمعني فهل يرضى ربي عن هذا الكلام الذي أقوله؟.وليس الكلام فقط فالله معك سبحانه بعلمه أينما كنت وهاهو يخبرك سبحانه بقوله: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }(الحديد:4).فمهما أغلقت الأبواب وأطفأت الأنوار واستطعت أن تختبئ من جميع البشر لن تخفى على الله.وهذا ماكان النبي صلى الله عليه وسلم يربي عليه الأطفال من نعومة أظافرهم: (اتق الله اينما كنت)،وأعظم من ذلك أن يستشعر المرء أن الله مطلع على سريرته ونيته وما يدور فيها قبل أن يتكلم به،يعلم النظرة الخاطئة وقد يكون من بجوارك لا يعلم بها أخبرنا الله عن ذلك بقوله : { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ }(غافر:19).وهذا يجعل المرء يراقب حتى خطرات قلبه فيمنع السيئ منها قبل أن يتحول إلى عمل.


 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية