اطبع هذه الصفحة


الحق الذي كاد أن يضيع وقل المطالبون به
(joma621)17/1/1435)

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدلله ذي الجود والإحسان،والعظمة والامتنان،يعلم ماهو كائن وماقد كان،أحمده سبحانه وأشكره أعلى وأعظم من حقوق الجيران،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له لايخرج عن تدبيره وقهره إنس ولاجان وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله دعى إلى دين ربه وبينه خير بيان فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .أما بعد:فاتقوا الله عباد الله فإن الدنيا دار أمل ودار عمل،فالسعيد من اشتغل بالعمل ولم يلهه الأمل،يقول ربكم وخالقكم جل وعظم:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } (لقمان:33).أحبتي في الله حديثي إليكم اليوم عن حق شرعي بهت في نفوس الناس حتى كاد أن يضيع ومع الأسف قل من يطالبون به، أعرفتم ما ذلك الحق؟.إنه حق الجوار،وما أدراك ما حق الجار اتريد أن تعرفه اسمع للحبيب صلى الله عليه وسلم ينبئك عن ذلك بقوله:((مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ))(البخاري)حق الجوار من علامات كمال الإيمان يقول صلى الله عليه وسلم ::((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ..))(مسلم،الحث على إكرام الجار والضيف،ح(69))هل علمت أخي الحبيب أن من ضيع حق الجوار قد يفقد أغلا شيء وهو دخول الجنة يقول صلى الله عليه وسلم :((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))(مسلم،بيان تحريم إيذاء الجار،ح(66))أخي الحبيب هل علمت أن من الناس من يكثر الصيام و الصلاة والصدقة،ثم يهدم كل ذلك بإساءته لجيرانه فيدخل النار،وإن من الناس من يسبق أهل الصلاة والصيام والصدقة بإحسانه لجيرانه؟هل تريد دليلاً على ذلك أسمعه من فم سيدي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ((هِيَ فِي النَّارِ))قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا قَالَ((هِيَ فِي الْجَنَّةِ))، أسمعتم ياعباد الله أذية باللسان كانت سبب هلاك المرأة الصائمة القائمة،فكيف بالله بمن يؤذي جيرانه بلسانه ويده وكل ما يملك؟.الإحسان للجار يقتضي المحافظة على مال الجار،والمحافظة على عرض الجار لأنهما أشد حرمة من غيرهما أخرج الإمام أحمد في مسنده أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال لِأَصْحَابِهِ((مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا))قَالُوا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ((لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ قَالَ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ))قَالُوا حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ قَالَ ((لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ))،فأين من يرى أن ابنة جاره أو زوجة جاره هي أسهل وأقرب فريسة من ذلك!.الجار له حق حتى في طعامك الذي تأكله داخل بيتك:وها هو صلى الله عليه وسلم يوصي أبا ذر رضي الله عنه بقوله:((يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ))(مسلم،الوصية بالجار،ح(4758))هذا فيما إذا كانت أحوال الجيران متساوية،أما إذا كان الجار فقيراً لايجد مايشبعه فلا يحل لجاره أن يشبع دونه أخرج الحاكم من حديث إبن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع))(الأدب المفرد،لا يشبع دون جاره،ح(112))،أخي الحبيب أحذر أن يأتي جارك يوم القيامة خصيم لك أخرج الإمام أحمد عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ((أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ))،ولايكون خصيمك فقط فيما منعته من حقوق الجوار المادية،بل أنه سوف يكون خصيمك أن تركت نصحه في أمر دينه،يأخذ بك من عنقك يقول يارب رأني لا أصلي فلم ينصحني،يارب رأني أدخل أدوات الفساد لبيتي فلم ينصحني،يارب رأى فساداً في أهلي فلم ينصحني يارب.. يارب..فاحرص رحمني الله وإياك أن تعد العدة لذلك الموقف،ألاوإن معظم مشاكل الجيران إنما تتأتى من قبيل النساء والأطفال حيث تقع بينهم اشكالات بسيطة يمكن حلها إن وجدت الرجل الحكيم الحازم،لكنها تكبر وتتسع إن وجدت رجلاً أعطى لزوجته أذن صاغية وقام ينفذ ما تملي عليه،أو أخذته الشفقة على ولده فتصرف بتصرف أحمق لاروية فيه فيخسر جاره ويندم على تصرفه.أحبتي في الله اسمعوا معي لربنا إذ يقول:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } (النساء:36).

الخطبة الثانية:إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له واشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فاتقوا الله عباد الله واحسنوا جوار جيرانكم تسعدوا في الدنيا والآخرة،واعلموا أن مِن أعلا درجات حسن الجوار احتمال أذى الجار؛فمن ابتلي بجار يؤذيه فعليه أن يصبر على أذى جاره يقول الحسن البصري رحمه الله:ليس حسن الجوار كف الأذى ولكن حسن الجوار احتمال الأذى،ومن الثلاثة الذين يحبهم الله الذين وردوا في الحديث الذي أخرجهالأمام أحمد عَنِ أبي ذَرٍّ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :((الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ جِوَارُهُ فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ))،وأخرج أبو داود وغيره عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو جَارَهُ فَقَالَ اذْهَبْ فَاصْبِرْ فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ،بل وجعل صلى الله عليه وسلم من ثناء الجيران على جارهم مقياس له يعرف به نفسه فعن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ:قال رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ وَإِذَا أَسَأْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ((إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ))(رواه الإمام أحمد)، أيها الأحبة في الله وليس الجار هو الملاصق لدارك فهناك من حده بأربعين دارا ومنهم من قال أن كل سكان المدينة جيرانك مستدلاً بقول الباري جلت قدرته في شأن المنافقين:{ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلً} (الأحزاب:60)،أخي الحبيب ومن بين جيرانك الذي يلزمك أداء حقه المسجد فكم من جار للمسجد يسمع الأذان فلايجيب، فيا أهل مكة وياسكان البلد الحرام وياجيران البيت الحرام أنتم والله أحق من يحسن الجوار،فأحسنوا إلى جيرانكم،واحسنوا جوار بيت ربكم الذي اصطفاكم لجواره فلايرى منكم رب هذا البيت إلا مايرضيه.أحبتي في الله كان من السلف من يراعي جيرانه من النمل فيجمع الفتات ويقول أعطيه لجيراني ، فهل غدا في زماننا الإنسان أقل قدراً من النمل في زمانهم؟.

 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية