اطبع هذه الصفحة


نحو النظرة الصحيحة للسجين المفرج عنه
(joma623)10/2/1435هـ)

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله خالق الأرض والسماء،وممسك الطير في الهواء،أحمده سبحانه وتعالى أن جعلنا على الحنيفية السمحاء،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزه عن الأنداد والأضداد والأعوان والشركاء، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله ، إمام الرحمة والإخاء ، صلى الله على هذا النبي العظيم وعلى آله وصحبه الأطهار الأنقياء. أمابعد : فهذا ربكم يخاطبكم ياعباد الله فأنصتوا إلى خطاب ربكم إذ يقول:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } (الأنفال:29).
أمة الإسلام العظيمة كلنا معرض للخطأ والوقوع في الزلل ومنا من تصغر خطيئته ويستره ربه بستره الواسع وهناك من الناس من يصل أمره للحاكم ويُحكم عليه بحدًّ أو سجنٍ أو نحو ذلك،فما موقف المجتمع من هذا الأخ المسلم الذي أقيم عليه الحد؟.ما نظرتهم إليه؟.الإجابة المنطقية أن نظرتنا له ولمثله هي نظرة الإسلام فالإسلام دين نظم كافة جوانب الحياة،وإذا نظم الإسلام بنظام لا يحق للمسلم إلا أن يُسَلِم ويرضى ويمتثل ما أمر الله به وما شرعه الله وما أخبرنا به رسوله صلى الله عليه وسلم ويتمسك به بكل حب لأن هذه هي علامة الإيمان فإني سمعت ربي يقول عن ذلك:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمً} (النساء:65). أحبتي في الله أنصتوا معي فهاهو خير البرية صلى الله عليه وسلم يتحدث فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ فَقَالَ: ((أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُخِذَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَطَهُورٌ وَمَنْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ))(البخاري،توبة السارق،ح(6303)).فإذا أصاب المؤمن حداً ثم أقيم عليه الحد فقد انتهت القضية ولا حق لأحد بعد ذلك أن يعيره أو أن يعاقبه بعد إقامة حكم الله عليه،وفي الصحيح أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:((إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ))(البخاري،بيع المدبر،ح(2080)) ويُثَرِّب أي يُعَيِّر ويُوَبِّخ ويقرع ويُقَبِّح،أحبتي في الله أنظروا إلى عظمة هذا الدين الذي يحافظ على شعور وكرامة الإنسان،وإن كانت هذه التعليمات الواضحة من سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحق أمة تكرر منها الزنا فكيف بإنسان مسلم حر لا شك أنه أولى بذلك. وليس الأمر قصراً على حال الحياة بل إن الإسلام حفظ حق سمعت المخطئ أو المخطئة حتى بعد الوفاة وتعالوا نقف لنتأمل عظمت ديننا وشريعة ربنا في ذلك من خلال هذه القصة التي أخرجها الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَى فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَدَعَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِيَّهَا فَقَالَ: ((أَحْسِنْ إِلَيْهَا-وتأملوا معي هذه العبارة التي تفيض بالرحمة على الرغم من عظم الجرم الذي فعلته المرأة- فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا)) فَفَعَلَ فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رضي الله عنه تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَقَدْ زَنَتْ!.فَقَالَ صلى الله عليه وسلم :((لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ وَهَلْ وَجَدْتَ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى))(البخاري،من أعترف على نفسه بالزنا،ح(3209)). ياعباد الله هذه أخلاق الإسلام،هذه آداب الإسلام أمرنا بالستر على المذنب مالم يصل أمره للسلطان وحبب في ذلك نبينا وحبيبن صلى الله عليه وسلم بقوله:((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(البخاري،لا يظلم المسلم المسلم،ح(2262)). هذا هو ديننا،هذه هي شريعتنا العظيمة:ستر ومحبة وإخاء،ثم إذا أقيم الحد على المذنب فإنه يكتفى به ولا يحل للمجتمع بعدها أن يعاقبه بعقوبة أخرى.يا أمة الإسلام آن لنا بعد أن قلنا ما قلنا وسمعتموه أن نقف فننظر في حالنا وحال مجتمعنا أين نحن من هذه الآداب الإسلامية العالية فالله وصف المؤمنين بقوله:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمً} (محمد:29).

الخطبة الثانية :
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه وِأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه أمابعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمني الله وإياكم أن لإخوانكم ممن أخطأوا فأصابهم حد من سجن أو غيره حق عليكم أن ترحموهم وألا تعيروهم بما أصابوا وأن تحمدوا الله أن عافاكم مما أبتلاهم به،وكم نسمع من بعض الناس يعير أخاه فيقول دعك منه فإنه خريج سجون،فنقول:له أشكر فضل الله عليك فلولا رحمة الله بك لكنت مكانه،ثم نقول له ضع نفسك مكانه فهل تحب أن تسمع مثل هذه الكلمة أو الجفاء من الناس،فهذا سيدي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يرسي للأمة منهجاً عملياً بقوله:((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))(البخاري،من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه،ح(12)). أحبتي في الله إن أخانا السجين إذا خرج للمجتمع ووجد أن المجتمع يلفظه ويرفض توظيفه أو تزويجه أو التعامل معه قد يقع عياذاً بالله فريسة سهلة في حبائل الشيطان الذي يزين له العودة لماضيه الأسود و يزيد من نقمته وحقده على المجتمع،والإسلام ينهى عن أن ندفع بأخينا المسلم نحو تلك الهاوية السوداء،واسمعوا معي لهذه القصة التي حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكأنكم تعيشون أحداثها أخرجها الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))(البخاري،ما يكره من لعن شارب الخمر،(6282)). انظر كيف دافع عنه النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه تكرر منه شرب الخمر وتكرر إقامة الحد عليه، فاالله الله في إخوانكم فما يدريكم لعل الله يصلح شأنهم ويجعل منهم خير من كثير من الناس.


 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية