اطبع هذه الصفحة


اقترب أجلك فهل أوصيت ؟
(joma516)10/1/1432هـ)

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات،وينال برحمته نعيم الجنات،أحمده جل شأنه وأشكره على نعمه الكثيرة والمكرمات،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جعل نهاية الحياة إلى الممات وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله على هذا النبي العظيم وعلى آله وصحبه وسلم.أمابعد:أحبتي في الله ألا تشاركوني الرأي بأن الأيام والسنين باتت تمضي سراعاً،حتى غدت الساعة كالثانية واليوم كالدقيقة،والأسبوع كالساعة فماذا يعني ذلك؟.إنه رسالة لكل عاقل بأنك تقترب بنفس السرعة من نهايتك من قبرك من ملاقاة ربك،وحق لكل عاقل أن يسارع بإبراء ذمته وكتابة وصيته،وأعظم وصية عرفتها البشرية هي وصية الله للأولين والآخرين بقوله:{.. وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ }(النساء:131)حرص على الوصية صفوة البشر الأنبياء والمرسلون وخلَّد الله لنا نماذج من تلك الوصايا فاسمعوا لها:{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ()أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }(البقرة:132-133).أسمعتم يا عباد الله أي نوع من الوصية حرصت عليه تلك الصفوة ليس الوصية بالأموال بل الوصية بالتوحيد والدين،ووالله أن تخلِّف ولداً صالحاً خيراً من أن تخلِّف الملايين؛لأن تلك الملايين ستحاسب على كل قرش منها من أين اكتسبته ولا تدري هل ينفقها ورثتك في الحلال أم الحرام..بيد أن ولداً واحداً من أهل الصلاح لا يزال يهدي إليك الدعاء والصدقات فتسعد بها في قبرك ويوم بعثك، أحبتي في الله هل سمعتم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم عَنْ أَنَسِقَالَ كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ:((الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ))(ابن ماجه،ج8،ص164،ح(2688)).عبادالله الوصية..الوصية فكم غفل عنها الغافلون وسوَّف فيهاالكثيرون ففجأهم الأجل فضاعت حقوق،وهاجت بين ذوي القربى المشكلات،وتعلقت ذممهم بأمانات أخذوا يحاسبون عليها،الوصية أيها الكرام هي :تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع،سواء كان ذلك في الأعيان أو في المنافع.(أنيس الفقهاء،كتاب الوصايا،ج1،ص111).وتصح الوصية مطلقة،كأوصيت لفلان كذا،وتصح مقيدة كأن مت في مرضي أو بلدي أو عامي هذا،فلفلان كذا لأنه تبرع يملك تنجيزه،فملك تعليقه كالعتق وقد أجمع الفقهاء على أن الوصية واجبة على كل من عنده أوعليه حقوق ليست موثقة ولا بينة عليها.(أنيس الفقهاء،كتاب الوصايا،ج1،ص112)لحديث ابن عمررضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم :((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ))(البخاري،الوصايا،ح(2533)).وأما من لم يكن لديه مثل تلك الحقوق لا تجب عليه، وهي مندوبة في حق من له مال فائض عن حاجته وحاجة ورثته لقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الإمام أحمد:((إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ))وأجمع الفقهاء على استحباب الوصية بدون الثلث(اختلاف العلماء،الوصايا،ج2،ص70)،وأن ما زاد على الثلث إذا أوصى به من ترك بنين و عصبة لا يُنَفَّذْ ويكون موقوفاً على إجازة الورثة،وأجمعوا على أن لزوم العمل بالوصية إنما هو بعد الموت وقبل توزيع الميراث لقوله تعالى:مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ.واتفقوا على أن الوصية للكافر لا تصح (اختلاف العلماء،الوصايا،ج2،ص74).كما أنها لا وصية لوارث لقوله صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ))(الترمذي،ما جاء لا وصية لوارث،ح(2046)).والإشهاد على الوصية توثيقاً لها يقول الله جل في علاه:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ..} (المائدة:106).

الخطبة الثانية :
الحمد لله تفرد بصفات الجمال والكمال،أحمده جل شأنه وأشكره منعم كريم في كل حال،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا ًعبد الله ورسوله جميل الخلقة والخلال صلى الله على هذا النبي العظيم وعلى الصحب والآل.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله و اعلموا رحمني الله وإياكم أن الجور في الوصية محرم وهو أمر حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ)) (الترمذي،الضرار في الوصية،ح(2043)).ويجب على من رأى مريضاً أو غيره يحيف في الوصية أن ينصحه وينهاه؛لقوله-سبحانه وتعالى:{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدً} (الأسئلة .والأجوبة الفقهية،ج7،ص71).معاشر المؤمنين سارعوا لكتابة وصيتكم أولاً بأول فإن الواحد منا لا يدري متى يفجأه الأجل وبالذات إذا كان لديك أمانات وحقوق للناس، فبإمكانك أن تجعل وصيتك في دفتر للملاحظات صغير تحمله في جيبك أو في هاتفك الذكي وتسجل فيه الحقوق أولاً بأول،ثم اعلم أخي رحمك الله أن الفقراء من أقربائك ومن لهم رحم هم أولى بالوصية من الأباعد،ولا تصح الوصية على أهل الفسوق والمجون ومايستعان به على معصية الجبار جل وعلا عباد الله لنقدم لأنفسنا قبل الموت .فهذا رسولنا وحبيبن صلى الله عليه وسلم يوجهنا بقوله في الصحيح عن أَبي هُرَيْرَةَرضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟. فقَالَ صلى الله عليه وسلم :((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ))(البخاري،فضل صدقة الشحيح الصحيح،ح(1330))،بيد أنه وجهَّنا أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم : ((..إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس..))(البخاري،رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعدابن خولة،ح(1213))



 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية