اطبع هذه الصفحة


ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل
(joma770) 21 / 6/ 1439هـ)

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله ذي العظمة والهيبة والجلال،إليه المرجع والمآل،أحمده جل شأنه وأشكره على نعمه العظمية وأسأله حفظها من الزوال،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له ولاند يرجى منه النوال،وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله جميل الصفات وعذب المقال،صلى الله على هذا النبي العظيم وعلى الصحب والآل .أمابعد: فهذا ربكم يوصيكم ياعباد الله فأنصتوا لوصية ربكم إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102).معاشر المؤمنين معنا اليوم وصية الهية خالدة هي منهج حياة لأمة الإسلام يقول الله فيها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ }(النساء:29)؛قال ابن كثير: "ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل؛ بأي: بأنواع المكاسب غير شرعية؛ كأنواع الربا والقمار،وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل،وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي أنها مباحة مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا".(تفسير ابن كثير،1/593)،وقال السعدي:"ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل، وهذا يشمل أكلها بالغصوب والسرقات، وأخذها بالقمار والمكاسب الرديئة"(تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان،ص175).لماذا النهي عن أكل المال؟.لأن المال قوام الحياة المعيشية،وأساس تقدم الدول والجماعات؛فبه تنهض الأمة،وهو المعوَّل عليه في الحرب والسلم،وبناء النهضات والحضارات؛لذا صانه الإسلام،وجعل تحرُّكه وانتقاله بين الناس مرهونًا بالحق والعدل،فلا غشَّ ولا غبن،ولا ظلم ولا استغلال ولا اغتصاب،ولا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد إلا بإذنه ورضاه،وقدنبه نبينا صلى الله عليه وسلم على حرمة مال المسلم بقوله في حجة الوداع:((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ قَالَ فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فَأَعَادَهَا مِرَارًا))(البخاري،الخطبة أيام منى،ح(1623)).أكل أموال الناس بالباطل سبباً في حرمان النعم أخبرنا ربنا عن ذلك بقوله :{ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا()وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمً} (النساء: 160، 161)،معاشر المؤمنين تعالوا واسمعوا معي لخطورة أكل المال الحرام ذكر صلى الله عليه وسلم :((الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))(مسلم،الصدقةمن الكسب الطيب،ح(1686))، ويقول صلى الله عليه وسلم :((يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ : إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ))(الترمذي،ما ذكر في فضل الصلاة،ح(558)).إن أكل أموال الناس بالباطل هو أحد صور الظلم العظيمة فكيف بالظالم الذي أكل أموال الناس بالباطل إذا أصابته دعوة المظلوم؛ وهذا النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعث معاذرضي الله عنه إلى اليمن يحذره من دعوة المظلوم في ماله بقوله: ((..فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ))(البخاري،أخذ الصدقة من الأغنياء..،ح(1401)).معاشر المؤمنين هذا ربكم يحذركم بقوله: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:188).


الخطبة الثانية : الحمد لله وكفى يجزي أهل الوفاء بالتمام والوفاء وسلام على عباده الذين اصطفى،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له يبتغى ولا ند له يرتجى، وأشهد أن نبينا حبيبنا محمداً عبد الله ورسوله الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله على هذا النبي العظيم وعلى آله وصحبه الأطهار الحنفاء.أمابعد:فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمني الله وإياكم أن الشيطان قد يسول للبعض أكل أموال الناس بالباطل ويظنون أن الحق معهم في ذلك ومن صور ذلك أن يقبل العامل براتب معين مع جهة توظيفه ثم يأخذ من مالها خلسة ويقول هم ظلموني وأعطوني راتباً منخفضاً،ومن الناس من يأخذ القرض ثم يتحجج بعدم ارجاعه بأن من أقرضه غنياً وليس في حاجة إلى المال،ومن أبشع أنواع أكل الناس بالباطل استغلال ضعف صاحب المال وعدم قدرته على الدفاع عن حقه،فيأكل الرجل مال زوجته أو اخته أو غيرهم ممن هم تحت ولايته مستغلاً ضعفهم،أويقوم صاحب السلطة في مؤسسة أو غيرها فيأخذ من أموال وكدح العمال الضعفاء الذين لا يملكون القدرة على رده عن ظلمه،وقد ذكر الله لنا في كتابه صورة من ذلك بقوله:{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا }(النساء:10).لكن الضعيف نصيره ومن يأخذ بحقه هو الله القوي المنتقم، ومن النظّار من يأكل أموال الأوقاف التي أؤتمن عليها،ومن صور أكل أموال الناس بالباطل التي تساهل بعض الناس فيها الرشوة،والأخذ من المال العام بحجة أنه مال الدولة،والصور كثيرة يضيق المجال عن حصرها فليحرص المؤمن على ان يُطيِّب كسبه وما يدخله في جوفه وجوف أهله.


 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية