اطبع هذه الصفحة


الانتقاد في حياة المسلم

الدكتور عصام بن هاشم الجفري


الحمدلله الذي رفع السماء بلاعمد ، وخلق الخلق وأحصاهم عدداً ، وقسم الرزق ولم ينسى أحداً ، فلك الحمد والشكر ياربي ماركع راكع لجلالك وسجد ومادب على وجه البسيطة من أحد ، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ رسالة ربه كما أُمر بها واجتهد فآمن به من آمن وجحد به من جحد فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .أما بعد : فهذه وصية من ربكم فاسمعوها وطبقوها تسعدوا يقول جل جلاله :{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(18}.
عباد الله خلق وطبيعة تكون في بعض الناس لاتنفك عنهم فهي معهم دائماً أبداً،وهم بهذه الطبيعة والصفة يهدمون فيمن حولهم دون أن يشعروا،وديننا دين بناء وأخوة وتعاون،هذه الطبيعة والخلق هي طبيعة الانتقاد،ومن كانت هذه فيه هذه الطبيعة يحرم لذة العيش في الدنيا بل وقد يُحرم لذة العبادة أيضاً والشيطان يمد له في هذا المجال باسم النصيحة وباسم تغيير الحال للأفضل ونحوها حتى يجعله يمل كل من حوله ويمله الناس من حوله،فهذا النموذج يُحرم لذة الدنيا لأنه لايرى أن هناك شيئاً مستقيماً كما يحب هو ويريد،فهو لايبحث إلا عن النقائص والمنغصات فكيف تستطيب حياته:إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ...ظمأت وأي الناس تصفوا مشاربه،فهو لايرى إلا الجانب المظلم من الحياة فمتى تشرق شمسه،فهو إن كان رئيس في العمل تعب معه موظفوه فهذا لايعجبه لباسه والآخر لايعجبه خطه والثالث لاتعجبه مشيته والرابع والخامس وهكذا ..لايجد الموظفون منه كلمة ثناء أو شكر بل هو الانتقاد الدائم،وهو هكذا في بيته ومع أولاده وفي حيه،وهذا النموذج قد يزين له الشيطان هذا الأسلوب حتى يفقد التلذذ بعبادته فهو إذا صلى خلف الإمام لم يكن تفكيره في الأيات التي يسمعها وما فيها من وعد أو وعيد وإنما جل تركيزه هل جاء الإمام بأحكام التجويد كما ينبغي هل أخرج الحروف من مخارجها هل ..هل..حتى يتم الإمام القراءة ولعله لايدري ماذا قرأ فإذا سجد أو ركع لاحظه هل أتقن الركوع هل أتقن السجود وكأنه كمرة مراقبة لا عبد جاء يطلب رضا الملك الديان بالصلاة،وإذا كان في خطبة أو درس ركز ماهي أخطاء هذا الخطيب اللغوية وأين أخطاءه النحوية ولو عرض الموضوع بطريقة أخرى لكان أفضل وهكذا دروب من المتاهات يجرجره الشيطان فيها حتى يخرج من الخطبة كما دخل بينما لو ركز في الخطبة وحرص على الاستفادة منها لكان خير له ، وقد نفر نبينا وحبيبنا صلوات ربي وسلامه عليه من هذا السلوك فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ))أخرجه الترمذي،وأشد ما يكون هذا الخلق فتكاً حينما يكون بين الزوجين وكم من بيوت هدمت بهذا السبب،فالزوج قد يدخل بيته وتكون زوجته قد بذلت جهدها في ترتيب بيتها وفي التزين له وتنظيف أولاده ورعايتهم ، وتستعد لاستقباله فرحة بمقدمه فإذا به إذا دخل عليها البيت لم ير ذاك الإحسان والمجهود كله لأن تفكيره محصور في النقائص،لم ير ذلك النور لأن عينه لاتبصر إلا الظلام!فأول ما يبادرها به ما تلك النقطة السوداء الصغيرة التي أراها بالجدار،مالي أرى باب تلك الغرفة مفتوح أو باب تلك الغرفة مغلق ، فتنهار تلك المسكينة وتتحطم نفسيتها التي كانت مهيأة لكلمة شكر أو إعجاب،فإذا قدمت له الطعام الذي بذلت فيه وقتاً كبيراً ليكون على مايحب بدأ ينتقد ذلك الطعام،بل عياذ بالله منهم من يتجرأ حتى على سب نعمة الله،واسمعوا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك يقول أبو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ، والحديث في البخاري،أو يقول لها إن أمي حين تصنع مثل هذا الطعام يكون أجود،أو في حال اللباس يقول إن أختي لو لبست مثل هذا اللباس يكون أجمل فتكره المرأة أمه وأخته،وتتحطم مع الزمن حتى تفقد الثقة في نفسها أنها تتقن شيء،وهكذا مع الأولاد فالولد كلما تكلم بكلمة انتقده وكلما فعل فعلاً انتقده وكلما اشترى شيئاً انتقده فيفقد الولد الثقة بنفسه وينشأ ضعيف الشخصية مختل السلوك متردداً في اتخاذ القرارات لأنه يخشى أن ينتقده الناس وهكذا يجني ذلك الأب على أبنه وعلى نفسه فإنه سوف يجد بعد فترة عنده أولاداً لايستطيع الاعتماد عليهم لابسببهم لكن بسبب سلوك ذلك الأب المنتقد، وتعظم المصيبة حينما يرزق الرجل بزوجة بها تلك الطبيعة وذلك الخلق فإذا أتاها الزوج بلحم قالت أبي يشتري لحماً خيراً من هذا وإذا اشترى سمكاً قالت أخي يعرف من يبيع أفضل من هذا،وإذا أتى بسلعة قالت إن في السوق من يبيع أرخص من هذا وهكذا حتى يفقد الزوج إن كان ضعيف الثقة بنفسه ثقته في نفسه ويصبح لايعرف شراء شيء،ومن الزوجات من تتبع هذا الأسلوب مع زوجها حتى تقنعه أنها هي أفضل منه في الشراء فيترك لها الحبل على الغارب في النزول للأسواق بحجة شراء احتياجات المنزل.وليت ذلك المنتقد نظر إلى نفسه لوجد شخصاً مليئاً بالنقائص والعيوب التي يأخذها على غيره .

الخطبة الثانية
إن الحمدلله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له واشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراُ . أما بعد:فقد يقول قائل كيف تقوم الحياة وتتطور إن لم يكن هناك توجيه وانتقاد،كيف تعرف الزوجة أو كيف يعرف الولد أو كيف يعرف الموظف أنه أخطأ؟فأقول أحبتي لم أقصد مما مضى في الخطبة الأولى إلغاء الانتقاد من حياة الناس، والحقيقة أن الحياة لاتقوم وتتطور إلا بالتوجيه الحسن لا بالانتقاد اللاذع،والإسلام جعل النصيحة واجبة بين المسلمين لهذا الغرض لكنه وضع لها ضوابطها لكن ذلك الذي يرى في نفسه وحده الكمال وفي كل من حوله النقص فهذا شخص مريض بالغرور،المطلوب من المسلم رؤية الحسنات والسيئات لارؤية السيئات وحدها ، فالمسلم لاينظر بعين واحدة عين تتبع العورات والعثرات لكن مدى رؤياه أرحب من ذلك بكثير ، وهو يحسن النصيحة والتوجيه فعلى سبيل المثال لو أن موظفاً أعد لمديره تقريراً ورأى أن هذا التقرير تنقصه الأحصائيات على سيبل المثال فالتصرف الأمثل أن يثني بداية على جهده الذي بدله في أعداده لهذا التقرير فيقول إنه تقرير جيد وفيه جهد مشكور لكن لو وضعت به إحصائيات تتعلق بالموضوع لكان أجمل وأفضل،فإن الموظف سيتقبل الأمر بصدر رحب،وفي البيت لوأن الزوجة أعدت لزوجها طعاماً ولكنه لاحظ أن الملح به قليل فالتصرف الأمثل أن يشكرها على جهدها ويثني على طعامها ويقول إنه طعام طيب ولو زاد الملح فيه شيئاً قليلاً لكان أجود فإن الزوجة ستتقبل ذلك التوجيه وتحرص على تنفيذه،وهكذا مع الإبن لو اشترى حاجة من السوق فيثني الأب على جهود الإبن في قضاء حوائج أهله وعلى السلعة التي اشتراها ولكنه يقول له لو أنها كانت بالشكل الفلاني لكانت أجود ، هذا الأسلوب أيها الأحبة في الله يبني الثقة في النفس بينما ذلك يهدمها هذا الأسلوب يعين على تنمية المحبة والإخاء بينما ذلك يهدمها فاسأل الله أن يوفقني وإياكم لكل خير وأن يبعدنا عن كل شر إنه سميع مجيب.
 

عصام الجفري
  • خطب إيمانية
  • خطب إجتماعية
  • يوميات مسلم
  • خطب متفرقة
  • مناسبات وأحداث
  • رمضانيات
  • خطب ودروس الحج
  • الصفحة الرئيسية