اطبع هذه الصفحة


أخلاق الكـبار

فهد بن عبد الله الجريوي
@FF8008

 

الموقف الأول من أخلاق الكبار :

موقف شيخ الإسلام ابن تيمية مع أعدائه وهو مذكور في الفتاوى :


يقول بعد أن حث على الألفة والمحبة وعدم الفرقة :
( وأول ما أبدأ به هذا الأصل ما يتعلق بي فتعلمون رضي الله عنكم أني لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا بشيء أصلاً لا باطناً ولا ظاهراً ولا عندي عتب على أحد منهم ولا لوم أصلاً بل هم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف ما كان كل بحسبه ، و لا يخلو الرجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً أو مخطئاً أو مذنباً ، فالأول مأجور مشكور ، والثاني مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له والثالث فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين ، فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل كقول القائل : فلان قصر ، فلان ما عمل ، فلان أوذي الشيخ بسببه ، فلان كان سبب هذه القضية ، فلان كان يتكلم في كيد فلان ، ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمة لبعض الأصحاب والأخوان ، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب ولا حول ولا قوة إلا بالله ) .

الموقف الثاني من أخلاق الكبار :


أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء :

كان بين حسن بن حسن ، وبين ابن عمه علي بن الحسين ( ابنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ) شيء ، فما ترك حسن شيئاً إلا قاله ، وعليّ ساكت ، فذهب حسن ، فلما كان في الليل ، أتاه علي ، فخرج ، فقال علي : يا ابن عمي إن كنت صادقاً فغفر الله لي ، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك ، والسلام عليك . فالتزمه حسن ، وبكى حتى رثي له .

الموقف الثالث من أخلاق الكبار :

أورده ابن عبدالبر ( رحمه الله ) في التمهيد :

( اختلف زيد ابن ثابت وابن عباس رضي الله عنهما ، هل الحائض تخرج بدون طواف وداع أم لا ؟ فقال ابن عباس : تنفر ، وقال زيد : لا تنفر . فدخل زيد على عائشة  فسألها فقالت : تنفر . فخرج زيد وهو يبتسم ويقول لابن عباس ما الكلام إلا ما قُلتَ أنت ) .


قال ابن عبدالبر :
هكذا يكون الإنصاف ، وزيد معلم ابن عباس ، فما لنا لا نقتدي بهم ، والله المستعان .

الموقف الرابع :

لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز أورده فضيلة الشيخ عبدالعزيز  السدحان في كتابه الإمام ابن باز :


يقول الشيخ عبدالعزيز السدحان وفقه الله :
حدثني الشيخ أحمد بن محمد بن سنان أثابه الله تعالى قال : حدث ذات يوم لما كان الشيخ ابن باز في المدينة النبوية أن الشيخ عندما أمر الناس بالدخول لتناول طعام الغذاء ، دخل الناس وأخذوا مجالسهم وجلس أحد الفقراء على الصحن الذي يجلس الشيخ عنده ، فقام أحد العاملين في منزل الشيخ فأقام الفقير من ذلك الصحن إلى صحن آخر .

قال الشيخ أحمد :
وعندما خرج الناس وحان وقت العصر وخرجنا مع الشيخ في سيارته متجهين إلى المسجد النبوي سألني الشيخ هل حصل على غدائنا اليوم أمر ؟

فقلت للشيخ :
يا شيخ ، الشيخ إبراهيم الحصين موجود معنا في السيارة ، وهو أقرب الناس إليك ، فسأله الشيخ ، فأجابه الشيخ إبراهيم بأن ليس هناك ما يذكر .

ثم سأل الشيخ السائق فأخبره السائق بما حصل من إقامة الفقير من صحن إلى صحن آخر ، وأن هذا غاية ما في الأمر فتأثر الشيخ وبدا عليه الغضب وقال : هل البيت بيته ؟ لماذا أقيم الفقير ؟ لماذا لم يخبره بعدم الجلوس قبل أن يجلس ؟

قال الشيخ أحمد :
وعندما جلس الشيخ كعادته بعد صلاة المغرب جاء ذلك الموظف الذي أقام الفقير ليصب للشيخ القهوة فلما مد الفنجال للشيخ زجره الشيخ بكلمة ثم تكلم رحمه الله تعالى عن فضل الرفق بالفقراء ثم بكى من التأثر وبكى بعض من حضر مجلسه ذاك .

الموقف الخامس :
جاء في كتاب العالم العابد الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قاسم ( رحمه الله ) ، حياته وسيرته ومؤلفاته ، إعداد ابنه عبدالملك القاسم ، قال :


من ورع الوالد رحمه الله ، أننا كنا في مكة في يوم ومررنا بصاحب دراجة يسير فأتاه قليل من ماء الأرض بفعل سير السيارة .
فوقف رحمه الله ونزل إليه ، وعندما عاد إلى السيارة قال : ( استسمحته وأرضيته) ، ولا نعرف هل أرضاه بمال أم لا ؟ ! .

الموقف السادس :
يقول الشيخ عبدالعزيز السدحان وفقه الله في كتابه الإمام ابن باز :


سألت الشيخ ذات مرة في سيارته وقلت ما معناه :
ياشيخ عبدالعزيز ما أعلم أحداً إلا يحبك صغيراً أو كبيراً ، ذكراً أو أنثى ، وهذا أمر شبه متفق عليه ، فما السر يا شيخ في ذلك ؟
فحاول الشيخ رحمه الله أن يتعذر من الجواب ، فكررت السؤال مرة أو مرتين ، فقال ما معناه : ( ما أعلم في قلبي غلاً على أحد من المسلمين ، ولم أعلم بين اثنين شحناء إلا سارعت بالصلح بينهما ) .


الموقف السابع أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء :
عن عوف بن الحارث قال : سمعت عائشة تقول : دعتني أم حبيبة عند موتها ، فقالت : قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر ، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك .
فقلت :
غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك ، فقالت : سررتني سرك الله .

الموقف الثامن :
جاء في كتاب مواقف اجتماعية من حياة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي ، إعداد وتأليف ابن الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن ناصر السعدي :


اشترى الشيخ الوالد رحمه الله حمل حطب وعادة أهل عنيزة عندنا إذا اشترى الواحد حطباً يُدخل الجمال الحطب داخل البيت وإذا انتهى من عمله يضع له أهل البيت تمراً وماء ، وإذا أكل وشرب يغلق باب البيت بقوة بقصد إخبار أهل البيت أنه خرج من البيت .

في إحدى المرات لما خرج الجمال جاء الوالد يريد إغلاق الباب بعد الجمال فوجد الوالد بالحوش في طريقه للباب علبة عرف الوالد أنها علبة دخان ساقطة من الجمال ، قام الوالد وأخذ العلبة وفتح الباب ونادى الجمال ، وقال له الوالد : هذي لك ؟ يعني بذلك علبة الدخان ، قال بعد تردد : نعم هذه لي ، لكنك يا شيخ تدري ما بداخلها ؟ قال الوالد : نعم دخان . قال الجمال : وتعطينيها يا شيخ ؟ قال الوالد : نعم ، لأنك إذا ما لقيت العلبة سوف تشتري بقيمة الحطب الذي بعته بدلاً منها وتجوع عيالك وتحرمهم من الرزق والهادي الله سبحانه .


قال له الجمال :
باسم الله ، وأخذ العلبة ورمى ما فيها من دخان وأوراق بالأرض ، وقال : اللهم إني تبت إلي الله ولن أعود للدخان مرة أخرى .

الموقف التاسع :
جاء في كتاب مقالات الأدباء ومناظرات النجباء لعلي بن عبدالرحمن بن هذيل :


أنه كان لأبي حنيفة جار كيال ، وكان لا ينام إلا سكران ، ولا يصبح إلا مخموراً ، وكان أبو حنيفة يقوم الليل ، فكان الكيال إذا غلب عليه النبيذ ينشد قول الشاعر :

أضاعوني وأي فتى أضاعوا  -- ليوم كريهة و سداد ثغر

فافتقد أبو حنيفة صوته ليلة وثانية فلم يسمعه ، فقال لجاريته : جارنا قد انقطع عنّا غناؤه ، وفُقدت حركته ، فقالت : أخذه عسس الأمير عيسى بن موسى ، فألقوه في السجن . فلما أصبح أبو حنيفة وضع عمامته على رأسه ، وأمّ باب عيسى بن موسى ، ورفع مجلسه ، وأٌقبل عليه بوجهه وقال له : أمر ما عدا بك ؟ قال : نعم ، جار لي كيّال أخذه صاحب العسس منذ ثلاث ، وقذفوه في السجن ، فأمر عيسى أن يخرج كل من أخذ العسس إكراماً لصاحب أبي حنيفة ، فلما صار ببابه التفت فإذا بالكيال يقفوه ، قال أبو حنيفة : يا فتى أضعناك ؟ فقال : لا بل حفظت وأكرمت .

الموقف العاشر :

الشيخ عبدالعزيز بن باز ، الذي تفرد بالمكرمات وامتاز ، وحظي بحسن الثناء وفاز ، له خلق أرق من النسيم ، وعلم أعذب من التسنيم .


في أحد الأيام قالوا له يا شيخ جلوسك على الطعام يشاركك فيه الفقراء والمساكين لو كان لك مجلس ولهم مجلس آخر يأكلون فيه ..


فقال سماحة الشيخ عبدالعزيز :

مسكين صاحب هذا الرأي هذا لم يتلذذ بالجلوس والطعام مع المساكين ، أنا سأستمر على هذا وليس لدي خصوصيات ، الذي يستطيع أن يجلس معي وهؤلاء فأهلاً به ، والذي لا يستطيع فليس مجبوراً على ذلك .

إمام الهدى عبدالعزيز الذي بدا  --- بعلم وإخلاق إمام الورى بدرا
تراه إذا ما جئته متهللاً
--- ينيلك ترحيباً ويمنحك البشرى

الموقف الحادي عشر :
موقف ذكره الشيخ الدكتور خالد السبت وفقه الله في شريط له بعنوان أخلاق الكبار ، وأحببت أن أنقله لكم من الشريط لا من المصدر لجمال تعليقات الشيخ خالد عليه :


العالم الوزير ابن هبيرة رحمه الله نال العلم والفقه والوزارة معاً كان له مجلس حافل بالعلماء من أرباب المذاهب الأربعة وبينما هو في مجلسه تذكر مسألة من مفردات الإمام أحمد يعني أن الإمام أحمد تفرد في هذه المسألة عن الأئمة الثلاثة الشافعي, و مالك, وأبي حنيفة فقام فقيه من فقهاء المالكية يقال له أبو محمد الأشيري فقال : بل هذه للإمام مالك . فقال ابن هبيرة رحمه الله : هذه الكتب ، وإذا هي تنص على أن هذه المسألة من مفردات الإمام أحمد فقال أبو محمد الأشيري : بل قال بذلك الإمام مالك فتكلم العلماء الذين حضروا المجلس وقالوا بل هي من مفردات الإمام أحمد قال بل قال بذلك الإمام مالك فغضب ابن هبيرة وقال : أبهيمة أنت أما تسمع هؤلاء العلماء يصرحون بأنها من مفردات الإمام أحمد والكتب شاهدة بذلك ثم أنت تصر على قولك فتفرق المجلس . .
هب أنك في هذا المجلس هب أنك أحد الطرفين في مكان ابن هبيرة أو في مكان الأشيري ما هو في مجلس علماء ــ لو كنت أنت وهذا الإنسان ليس معكما ثالث وقال لك بهيمة ، أبهيمة أنت هل ستلقاه بعدها هل ستأتي إلى مجلسه هل ستحضر معه ثم لو قال لك ذلك أمام الآخرين هل تنام تلك الليلة هل تفكر بالرجوع إليه ــ .

لما انعقد المجلس في اليوم الثاني جاء الفقيه المالكي وحضر كأن شيئاً لم يكن وجاء ابن هبيرة وجاء العلماء فأراد القارئ على عادته أن يقرأ ثم يعلق الوزير ابن هبيرة فقال له : قف فإن الفقيه الأشيري قد بدر منه ما بدر بالأمس وحملني ذلك على أن قلت له ما قلت فليقل لي كما قلت له . . لاحظ : ( فليقل لي كما قلت له ) فلست بخير منكم ولا أنا إلا كأحدكم . فكيف كان أثر ذلك الكلمات أيها الإخوان وهي مجاناً لا تخسر عليها شي! ــ تجاوز فقط هذه النفس ــ تغلب عليها ضج المجلس بالبكاء تأثروا جداً من هذه الأخلاق العالية الرفيعة وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء وجعل هذا الخصم الأشيري يعتذر ويقول
:

أنا المذنب أنا الأولى بالاعتذار
، والوزير ابن هبيرة يقول : القصاص القصاص ، فتوسط أحد العلماء وقال يا مولانا إذا أبى القصاص فالفداء قال الوزير: له حكمه يحكم بما شاء أحكم بما تريد ، فقال : هذا الضحية نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي فقال قد جعل الله لك الحكم علينا بما ألجأتنا به إلى الافتيات عليك فقال : عليّ بقية دين منذ كنت بالشام ، فقال الوزير ابن هبيرة : يعطى مئة دينار لإبراء ذمته وذمتي فأحضر له المال وقال له ابن هبيره عفا الله عنك وعني وغفر الله لك ولي .

هل نحن كذلك إذا كنا في مجلس وحصلت قضية مثل هذه كيف ستكون نتائجها عداوة إلى يوم الدين وقلب يتقطع ونفس حرقى على هذا الإنسان نسأل الله العافية كلمات لم يخسر فيها شيئاً بل ازداد رفعة نحن نتحدث عنها بعد قرون بعد مئات السنين ، لو أنه بقي مع نفسه فكيف سيكون حال هذه الصلة والعلاقة . ترفعوا أيها الإخوان ارتفعوا ، ارتفعوا إلى أعلى ، حلقوا إلى أعلى ، النفس يجذبها الطين فتجردوا من الأهواء والحظوظ النفسانية .


الموقف الثاني عشر :

أورده الذهبي ( رحمه الله )  في سير أعلام النبلاء :


كان القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، قليل الحديث ، قليل الفتيا ، وكان يكون بينه وبين الرجل المداراة في الشيء ، فيقول له القاسم : هذا الذي تريد أن تخاصمني فيه هو لك ، فإن كان حقاً ، فهو لك ، فخذه ، ولا تحمدني فيه ، وإن كان لي ، فأنت منه في حِلّ وهو لك .

قال ابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين : ( إنما الدين الخلق ، فمن فاق عليك في الخلق فاق عليك في الدين ) .

وقال الأديب الرافعي ـ رحمه الله ـ في كتابه وحي القلم : ( لو أقام الناس عشر سنين يتناظرون في معاني الفضائل ووسائلها ، ووضعوا في ذلك مئة كتاب ، ثم رأوا رجلاً فاضلاً بأصدق معاني الفضيلة ، وخالطوه وصاحبوه ، لكان الرجل وحده أكبر فائدة من تلك المناظرة ، وأجدى على الناس منها ، وأدل على الفضيلة من مئة كتاب ومن ألف كتاب ) .

الموقف الثالث عشر :
أورده ابن سعد في الطبقات :

لما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة المسلمين نادى : الصلاة جامعة ، فلما اجتمع الناس وكثروا قالوا : الأمر خطب عظيم . صعد عمر المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( أيها الناس لقد رأيتني وأنا أرعى غنيمات لخالات لي من بني مخزوم ، على قبضة من تمر ، أو قبضة من زبيب ، فأظل يومي وأي يوم ! وأستغفر الله لي ولكم ) .
ثم نزل من على المنبر ، فقال ابن عوف رضي الله عنه : ويحك يا أمير المؤمنين ، ما زدت على أن قمئت نفسك ، وعبتها أمام الرعية . فقال : ويحك يا ابن عوف ، لقد خلوت بنفسي ، فحدثتني وقالت : أنت أمير المؤمنين ، من ذا أفضل منك ، فأردت أن أذلها ، وأعرفها قدرها .


الموقف الرابع عشر
أورده الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء :


قال عبدالله بن محمد الوراق :
كنت في مجلس أحمد بن حنبل ، فقال : من أين أقبلتم ؟ قلنا : من مجلس أبي كريب ، فقال : اكتبوا عنه ، فإنه شيخ صالح ، فقلنا : إنه يطعن عليك . قال : أي شيء حيلتي ، شيخ صالح قد بُلي بي .

الموقف الخامس عشر في كتاب حديث الشهر ( الجزء الرابع ) لأبي عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري :

 
كتب متحدثاً عن نفسه حفظه الله : ( كنتُ مراراً أبحتُ كل مسلم ظلمني ما لم يكن ظلمه لي في أمر ديني ، وفي أحد الأيام وأنا أقرأ ما تيسر من تلاوتي اليومية مرّ بي آيات كريمة تحث على الصفح بلا استثناء ، وتعِد من صفح بالمغفرة ؛ فتوقفت : (وأنا أبيح كل مسلم ظلمني ) . . .

ثم توقفت أريد أن استثني ، وأنا أغص بالكلمة في حلقي ، وقلت : ( وأنا أبيح كل مسلم ظلمني بلا استثناء ؛ لتعفو عني يا ربي ) ، ومنذ عقدت هذه الصفقة مع ربي حصل لي طمأنينة مع بكاء حتى اخضلت لحيتي ) . .


قال الخطيب البغدادي ـ رحمه الله ـ في شرف أصحاب الحديث :

( والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدباً وأشد الخلق تواضعاً ، وأعظمهم تديناً ونزاهة ، وأقلهم طيشاً وغضباً ، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه ، وطرائق المحدثين ، ومآثر الماضين ، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ، ويصدفوا عن أرذلها وأدونها )
.

الموقف السادس عشر :

 للشيخ الجليل ، والعالم النبيل ، بدر العلوم اللائح ، وقطرها الغادي الرائح ، وعنوان اللطف والعفو والتسامح ، ابن عثيمين عليه رحمة رب العالمين . في أحد اللقاءات الشهرية لفضيلته قال له أحد الحاضرين : يا شيخ إني قد اغتبتك فاجعلني في حِلّ ، فقال الشيخ ابن عثيمين : ومن أنا حتى لا أغتاب أنت في حِلّ .

متفرد بخلائق غرر  --- بجمالها يتفاخر الفخر
في كل صالحة له خبر
---
ولكل محمدة له صور

الموقف السابع عشر :
لابن سيرين صاحب العلم والدين عليه رحمة رب العالمين ، كان رحمه الله إذا أقبل إلى فراشه نفضه ثم قرأ سورة الإخلاص ثلاثاً ، والمعوذات ثلاثاً ثم
قال :

اللهم اغفر لمن شتمني ولمن ظلمني ، ولمن سبني ، اللهم اغفر لمن فعل ذلك بي من المسلمين
.

الموقف الثامن عشر :

خرج عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ من بيته ذاهباً إلى السوق ، ووضع النقود في طية من طيات عمامته ، وجلس عند بائع فاشترى منه طعاماً ، ووضع يده على موطن النقود ، فوجد أن النقود قد سرقت ، فقال ابن مسعود : لقد جلست وإنها لمعي ( استغرب وفوجئ ) ، فتجمع مجموعة من الناس كالعادة لمناصرته والتفاعل معه ، ومواساته فيما وقع له ، فجعلوا يدعون على هذا السارق ، وأن ينزل الله عليه أقسى العقوبة ، فرفع ابن مسعود يديه مثلهم وقال : " اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة له في المال اللهم فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة منه على الذنب اللهم فاجعله آخر ذنوبه " .

الموقف التاسع عشر :
جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي :
كان لابن عون ناقة يغزو عليها ، ويحج ، وكان بها معجباً .
قال : فأمر غلاماً له يستقي عليها ، فجاء بها وقد ضربها على وجهها ، فسالت عينها على خدها . فقلنا : إن كان من ابن عون شيء فاليوم !
قال : فلم يلبث أن نزل ( ابن عون ) ، فلما نظر إلى الناقة قال : سبحان الله ، أفلا غير الوجه ، بارك الله فيك ، اخرج عني ، اشهدوا أنه حر .


الموقف العشرون :

جاء في سير أعلام النبلاء :


قال النضر بن شميل :
غلا الخز في موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة ، وكان يونس بن عبيد خزازاً فعلم بذلك فاشترى من رجل متاعاً بثلاثين ألفاً . فلما كان بعد ذلك ، قال لصاحبه : هل كنت علمت أن المتاع غلا بأرض كذا وكذا ؟ قال : لا . ولو علمت لم أبع . قال : هلم إليّ مالي ، وخذ مالك . فرد عليه الثلاثين الألف .

الموقف الحادي العشرون :
جاء في كتاب سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي :


قال الفلاّس :
( رأيت يحيى يوماً حدّث بحديث ، فقال له عفان ( ابن مسلم ) : ليس هو هكذا . فلما كان من الغد ، أتيت يحيى ، فقال : هو كما قال عفّان ، ولقد سألت الله أن لا يكون عندي على خِلاف ما قال عفّان ) .
قال الذهبي :
هكذا كان العلماء ، فانظر يا مسكين كيف أنت عنهم بمعزل !

الموقف الثاني والعشرون :

قال أحمد بن حفص السعدي ، شيخ ابن عدي :
سمعت أحمد بن حنبل ، يقول : لم يعبر الجسر إلى خرسان مثل إسحاق ( ابن راهويه ) ، وإن كان يخالفنا في أشياء ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً .
سير أعلام النبلاء للذهبي .


الموقف الثالث والعشرون :

جاء في تاريخ بغداد ، أن ابن كامل أحد طلاب الإمام الطبري قال :

( جفاني بعض أصحابي في مجلسه
( يقصد مجلس الإمام الطبري ) فانقطعت عنه زماناً ، ثم إنه لقيني فاعتذر إليّ ، كأنه قد جنى جناية ، ولم يزل في ترفّقه وكلامه حتى عدت إليه) .

الموقف الرابع والعشرون :

ذكر هذا الموقف الشيخ عمر المقبل حفظه الله في إحدى مشاركاته :


قال ابن العربي رحمه الله في كتابه أحكام القرآن (1 / 248) :

أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة :
وصلت الفسطاط مرة ، فجئت مجلس الشيخ أبي الفضل الجوهري ، وحضرت كلامه على الناس، فكان مما قال في أول مجلس جلست إليه :
إن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق وظاهر وآلى ، فلما خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة ، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم أمري ، فإنه رأى إشارة الغربة ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه ، فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريباً ، هل لك من كلام ؟ قلت : نعم . قال لجلسائه : أفرجوا له عن كلامه . فقاموا وبقيت وحدي معه . فقلت له :
حضرت المجلس اليوم متبركاً بك ، وسمعتك تقول : آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقت ، وطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقت.

وقلت : وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا لم يكن ، ولا يصح أن يكون ؛ لأن الظهار منكر من القول وزور ؛ وذلك لا يجوز أن يقع من النبي - صلى الله عليه وسلم -
.

فضمني إلى نفسه وقبل رأسي ، وقال لي : أنا تائب من ذلك ، جزاك الله عني من معلم خيراً
. ثم انقلبت عنه ، وبكرت إلى مجلسه في اليوم الثاني ، فألفيته قد سبقني إلى الجامع ، وجلس على المنبر ، فلما دخلت من باب الجامع ورآني نادى بأعلى صوته : مرحباً بمعلمي ؛ أفسحوا لمعلمي ، فتطاولت الأعناق إلي ، وحدقت الأبصار نحوي ، وتعرفني : يا أبا بكر يشير إلى عظيم حيائه ، فإنه كان إذا سلم عليه أحد أو فاجأه خجل لعظيم حيائه ، واحمر حتى كأن وجهه طلي بجلنار قال : وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعوني حتى بلغت المنبر ، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض ، والجامع غاص بأهله ، وأسال الحياء بدني عرقاً ، وأقبل الشيخ على الخلق ، فقال لهم : أنا معلمكم ، وهذا معلمي ؛ لما كان بالأمس قلت لكم :
آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وطلق ، وظاهر؛ فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي ، فاتبعني إلى منزلي ، وقال لي كذا وكذا ؛ وأعاد ما جرى بيني وبينه ، وأنا تائب عن قولي بالأمس ، وراجع عنه إلى الحق ؛ فمن سمعه ممن حضر فلا يعول عليه . ومن غاب فليبلغه من حضر ؛ فجزاه الله خيراً ؛
وجعل يحفل في الدعاء ، والخلق يؤمنون .

علّق ابن العربي قائلاً :

فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين ، والاعتراف بالعلم لأهله على رءوس الملإ من رجل ظهرت رياسته ، واشتهرت نفاسته ، لغريب مجهول العين لا يعرف من ولا من أين ، فاقتدوا به ترشدوا .


الموقف الخامس والعشرون :

جاء في سير أعلام النبلاء :

قال الربيع بن سليمان :
أخذ رجل بركاب الشافعي ، فقال لي : أعطه أربعة دنانير ، واعذرني عنده .
قال الربيع :
كان الشافعي ماراً بالحذَّائين ، فسقط سوطه ، فوثب غلام ، ومسحه بكمه ، وناوله ، فأعطاه سبعة دنانير .

الموقف السادس والعشرون :

جاء في سير أعلام النبلاء :

قال الميموني :
كثيراً ما كنتُ أسأل أبا عبدالله ( الإمام أحمد بن حنبل ) عن الشيء ، فيقول : لبيك لبيك . وقال المرذوي : سمعتُ أبا عبدالله ذكر أخلاق الورعين ، فقال : أسأل الله أن لا يمقتنا .

أين نحن من هؤلاء ؟ !

الموقف السابع والعشرون :
جاء في ( تقدمة الجرح والتعديل ) لابن أبي حاتم :
كان شعبة بن الحجاج ـ رحمه الله ـ إذا ركب مع قوم في زورق دفع كري الزورق عنهم كلهم . ص206 .

الموقف الثامن والعشرون :  

جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي :

قال الإمام أحمد :
كلُ من ذكرني ففي حل إلا مبتدعاً ، وقد جعلتُ أبا إسحاق ـ يعني المعتصم ـ في حل ، ورأيت الله يقول : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم ) وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح .

وما ينفعك أن يعذب الله أخاك المسلم في سببك ؟ !


الموقف التاسع والعشرون :

جاء في سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي :
قال الخلال : سمعت المرذوي يقول : سمعتُ أبا عبدالله ( الإمام أحمد بن حنبل ) ، ذكر أهله ، فترحم عليها ، وقال : مكثنا عشرين سنة ، ما اختلفنا في كلمة .

الموقف الثلاثون :
جاء في كتاب ذكريات مشاهير رجال المغرب في العلم والأدب والسياسية للعلامة عبدالله كنون الجزء الأول ص440 :

لما جاء ابن الحاج الفاسي يقرأ على ابن أبي جمرة ، قال له ابن أبي جمرة : أما تقرأ على العلماء ؟ ، فقال ابن الحاج : أريد أن أقرأ عليك ، فقال له : كيف تترك العلماء ، وتأتي تقرأ على مثلي ؟ ، فقال : أريد أن أقرأ عليك ، فقال : استخر الله تعالى ، قال : فاستخرت الله تعالى ثم جئت إليه فقلت : اقرأ ! قال : عزمت ؟ قلت : نعم ! فقال لي :
لا يخطر بخاطرك ولا يمر ببالك أنك تقرأ على عالم ولا أنك بين يدي شيخ إنما نحن إخوان مجتمعون نتذاكر أشياء من أحكام الله تعالى فعلى أي لسان خلق الله الصواب والحق قبلناه وإن كان صبياً من المكتب .


الموقف الحادي والثلاثون :  

جاء في طبقات الشافعية للأسنوي في ترجمة الإمام البوشنجي :
كان إماماً جليلاً ، جواداً سخياً ، وكان يقدم لسنانيره من كل طعام يأكله ، حتى أنه نسيهن ليلة ، فما ذكرهن إلا بعد فراغ الطعام فطبخ في الليل من ذلك الطعام وأطعمهن .

الموقف الثاني والثلاثون : 

جاء في كتاب البدر الطالع للإمام الشوكاني ، في ترجمة السيد أحمد بن يوسف بن الحسين :
( وكان مشهوراً بدماثة الأخلاق والتواضع ، والاحتمال والصبر ، وسكون الطبع والوقار ، وله في ذلك أحوال عجيبة حتى كان إذا تركه أهله من طعامه وشرابه ، أو شيء مما يحتاج إليه لا يطلب منهم ذلك ، ولا يظهر عليه غضب ، بل يحتمل كل شيء ، وهذا في خواص أهله الذين هم محل تبذل الإنسان ، وعدم تحفظه ، فما ظنك بسائر الناس ) .

الموقف الثالث والثلاثون :

جاء في كتاب الأنساب للسمعاني :

جرى بين بكر بن شاذان وأبي الفضل التميمي شيء ، فبدرت من أبي الفضل كلمةٌ ثقلت على بكر ، وانصرفا ، ثم ندم التميمي ، فقصد أبا بكر بن يوسف وقال له : قد كلمتُ بكراً بشيء جفا عليه ، وندمتُ عليه ، وأريد أن تجمع بيني وبينه ، فقال له ابنُ يوسف يخرجُ لصلاة العصر ، فخرج بكر ، وجاء إلى ابن يوسف والتميمي عنده ، فقال له التميمي : أسألك أن تجعلني في حلّ ، فقال بكر : سبحان الله ! والله ما فارقتك حتى أحللتك ، وانصرف ، فقال التميمي : قال لي والدي عبدالواحد : احذر أن تخاصم من إذا نمتَ كان منتبهاً ، قيل : وكان لبكر ورد من الليل لا يُخلُّ به .


 

فهد الجريوي
  • مع القرآن
  • مع السنة
  • العلم والعلماء
  • انتقاءات متنوعة
  • الصفحة الرئيسية