اطبع هذه الصفحة


فوائد من كتب الإمام ابن الجوزي رحمه الله

فهد بن عبد الله الجريوي
@FF8008


الكتاب الأول : صيد الخاطر : ، طبعة دار ابن خزيمة ، تحقيق وتعليق عامر بن علي ياسين ، الطبعة الثانية 1419هـ . ( مجلد واحد ، عدد الصفحات 773 ) .

 

1 ـ قد يعرضُ عند سماع المواعظ للسامع يقظة ، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القسوة والغفلة ! فتدبرت السبب في ذلك فعرفته . ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك :

 

فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفته من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها لسببين :

 

أحدهما : أن المواعظ كالسياط ، والسياط لا تُؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها .

 

والثاني : أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاحُ العلة ، قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا ، وأنصت بحضور قلبه ، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها فكيف يصح أن يكون كما كان ؟ ! .

إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر : فمنهم من يعزم بلا تردد ، ويمضي من غير التفات فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا كما قال حنظلة عن نفسه : نافق حنظلة . ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحياناً ، ويدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحياناً ، فهم كالسنبلة تُميلها الرياح . وأقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه كماء دحرجته على صفوان .

ص37 ـ 38 .

 

2 ـ كان الفضيل بن عياض يقول : إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي . واعلم وفقك الله أنه لا يُحس بضربةٍ مُبنج ، وإنما يعرفُ الزيادة من النقصان المحاسِبُ لنفسه . ومتى رأيتَ تكديراً في حال ، فاذكر نعمةً ما شُكِرت أو زلةً قد فُعلت .

ص49 .

 

3 ـ تأملت حرص النفس على ما مُنِعت منه ، فرأيتُ حرصها يزيد على قدر قوة المنع .

وفي الأمثال : المرء حريصٌ على ما مُنع ، وتواق إلى ما لم ينل . ويقال : لو أُمر الناس بالجوع لصبروا ، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه . وقالوا : ما نهينا عنه إلا لشيء . وقد قيل : أحب شيء إلى الإنسان ما مُنعا .

 

فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين :

 

أحدهما : أن النفس لا تصبر على الحصر فإنه يكفي حصرها في صورة البدن فإذا حُصِرت في المعنى بمنعٍ زاد طيشها . ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهراً لم يصعب عليه ، ولو قيل له : لا تخرج من بيتك يوماً طال عليه .

 

والثاني : أنها يشق عليها الدخول تحت حُكمٍ ، ولهذا تستلذ الحرام ، ولا تكاد تستطيب المباح . ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى وتؤثره لا على ما يُؤثر .

ص87 ـ 88 .

( علق المحقق بقوله : أي : تتعبد كما تشاء بالبدع والأهواء ، ولكن الالتزام بما يؤثر من السنن صعب ويحتاج إلى صبر ومعاناة ) .

 

4 ـ قال أبو بكر المروذي : سمعت أحمد بن حنبل يرغبُ في النكاح ، فقلت له : قال ابن أدهم . فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال : أذكُرُ لك حال رسول الله وأصحابه وتأتيني ببنيات الطريق ؟ !

ص120 .

 

5 ـ أصل الأصول العلم ، و أنفع العلوم النظر في سِيَرِ الرسول وأصحابه ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) .

ص127 .

 

6 ـ احذروا إخواني من الترخص فيما لا يؤمن فساده فإن الشيطان يُزين المباح في أول مرتبة ، ثم يجُرُ إلى الجناح ، فتلمحوا المآل ، وافهموا الحال وربما أراكم الغاية الصالحة ، وكان في الطريق إليها نوعُ مخالفة !

 

فيكفي الاعتبار في تلك الحال بأبيكم :

( هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) . إنما تأمل آدم الغاية وهي الخلد ولكنه غلط في الطريق . وهذا أعجب مصايد إبليس التي يصيد بها العلماء يتأوّلون لعواقب المصالح ، فيستعجلون ضرر المفاسد ! . ص153 .

 

7 ـ قال بعض العلماء : إن الله تعالى قال في المكروهات : ( كُتِبَ عليكم الصيامُ ) على لفظٍ لم يُسَم فاعلُه ، وإن كان قد عَلِمَ أنه هو الكاتب . فلما جاء إلى ما يوجب الراحة قال : ( كَتب ربُّكم على نفسه الرحمة ) .

ص164 .

 

8 ـ لقيت مشايخ ، أحوالهم مختلفة ، يتفاوتون في مقاديرهم في العلم ، وكان أنفعهم لي في صحبته العامل منهم بعمله ، وإن كان غيره أعلم منه . ولقيت جماعة من علماء الحديث يحفظون ويعرفون ، ولكنهم كانوا يتسامحون بغيبة يخرجونها مخرج جرح وتعديل ، ويأخذون على قراءة الحديث أجرة ، ويسرعون بالجواب لئلا ينكسر الجاه ، وإن وقع خطأ . ولقيتُ عبدالوهاب الأنماطي فكان على قانون السلف ، لم يُسمع في مجلسه غِيبة ، ولا كان يطلب أجراً على سماع الحديث ، وكنت إذا قرأت عليه أحاديث الرقائق بكى واتصل بكاؤه ، فكان ـ وأنا صغير السن حينئذ ـ يعملُ بكاؤه في قلبي ويبني قواعد ، وكان على سمت المشايخ الذين سمعنا أوصافهم في النقل .

 

ولقيت الشيخ أبا منصور الجواليقي ، فكان كثير الصمت ، شديد التحري فيما يقول ، متقناً ، محققاً ، وربما سُئِل المسألة الظاهرة التي يُبادِرُ بجوابها بعضُ غلمانه ، فيتوقف فيها حتى يتيقن ، وكان كثير الصوم والصمت . فانتفعت برؤية هذين الرجلين أكثر من انتفاعي بغيرهما . ففهمت من هذه الحالة أن الدليل بالفعل أرشد من الدليل بالقول .

 

ورأيت مشايخ كانت لهم خلوات في انبساط ومُزاح ، فراحوا عن القلوب ، وبدد تفريطهم ما جمعوا من العلم ، فقل الانتفاع بهم في حياتهم ، ونُسوا بعد مماتهم ، فلا يكاد أحد أن يلتفت إلى مصنفاتهم .

 

فالله الله في العلم بالعمل فإنه الأصل الأكبر . والمسكين كل المسكين من ضاع عمره في علم لم يعمل به ، ففاته لذات الدنيا وخيرات الآخرة ، فقدم مفلساً على قوة الحجة عليه .

ص258 ـ 260 .

 

9 ـ كان ابن عقيل يقول : من قال : إني لا أحب الدنيا فهو كذاب فإن يعقوب لما طُلب منه ابنه بنيامين قال : ( هل آمنكم عليه ) فقالوا : ( ونزداد كيل بعير ) فقال : خذوه .

ص273 .

 

10 ـ للحفظ أوقات من العمر ، فأفضلها الصبا وما يقاربه من أوقات الزمان ، وأفضلها إعادة الأسحار وأنصاف النهار ، والغدوات خير من العشيات ، وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع .ولا يحمد الحفظ بحضرة خضرة وعلى شاطئ نهر لأن ذلك يُلهي ، والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل ، والخلوة أصل ، وجمع الهم أصل الأصول . وترفيه النفس من الإعادة يوماً في الأسبوع ليثبت المحفوظ ، وتأخذ النفس قوة كالبنيان يُترك أياماً حتى يستقر ، ثم يُبنى عليه . وتقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم ، وأن لا يشرع في فن حتى يُحكِم ما قبله ، ومن لم يجد نشاطاً للحفظ فليتركه فإن مكابرة النفس لا تصلح .

 

ثم لينظر ما يحفظ من العلم فإن العمر عزيز والعلم غزير ، وإن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه ، وإن كان كل العلوم حسناً ، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل . وأفضل ما تُشوغِل به حفظ القرآن ، ثم الفقه ، وما بعد هذا بمنزلةِ تابع ، ومن رزق يقظة دلته يقظته فلم يحتج إلى دليل ، ومن قصد وجه الله تعالى بالعلم دله المقصود على الأحسن ، ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) .

ص311 ـ 313 .

 

11 ـ إخواني !

اسمعوا نصيحة من قد جرب وخبر .

 

إنه بقدر إجلالكم لله يجلكم ، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم .

 

ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرت سِنه ، ثم تعدى الحدود ، فهان عند الخلق ، وكانوا لايلتفتون إليه مع غزارة علمه ، وقوة مجاهدته .

 

ولقد رأيت من كان يراقب الله في صبوته ـ مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم ـ ، فعظم الله قدره في القلوب حتى علقته النفوس ووصفته بما يزيد على مافيه من الخير .

ص336 .

 

12 ـ والله لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت ، ويتخشع في نفسه ولباسه والقلوب تنبو عنه ، وقدره في الناس ليس بذاك !

 

ورأيت من يلبس فاخر الثياب وليس له كبير نفل ولا تخشع ، والقلوب تتهافت على محبته .

فتدبرت السبب فوجدته الســــــريــــــــرة .

فمن أصلح سريرته ، فاح عبير فضله ، وعبقت القلوب بنشر طيبه .

 

فالله الله في السرائر ، فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر .

ص355 .

 

13 ـ قرأت سورة يوسف ، فتعجبت من مدحه على صبره ، وشرح قصته للناس ، ورفع قدره بترك ما ترك . فتأملت خبيئة الأمر فإذا هي مخالفة للهوى المكروه .

 

فقلت : واعجباً ! لو وافق هواه من كان يكون ؟ ! ولما خالفه لقد صار أمراً عظيماً تُضرب الأمثال بصبره ويفتَخِرُ على الخلق باجتهاده ، وكل ذلك قد كان بصبر ساعة ، فيا له عزاً وفخراً أن تملك نفسك ساعة الصبر عن المحبوب وهو قريب .

 

فتلمحوا رحمكم الله عاقبة الصبر ونهاية الهوى ، فالعاقل من ميز بين الأمرين الحلوين والمرين ، فإن عَدَلَ ميزانه ، ولم تمل به كفة الهوى رأى كل الأرباح في الصبر ، وكل الخسران في موافقة النفس . وكفى بهذا موعظة في مخالفة الهوى لأهل النهى ، والله الموفق .

ص366 ـ 367 .

 

14 ـ رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة لأني أشافه في عمري عدداً من المتعلمين ، وأشافه بتصنيفي خلقاً لا تحصى ما خلقوا بعد ، ودليل هذا أن انتفاع الناس بتصانيف المتقدمين أكثر من انتفاعهم بما يستفيدونه من مشايخهم .

 

فينبغي للعالم أن يتوفر على التصانيف إن وفق للتصنيف المفيد فإنه ليس كل من صنف صنف ، وليس المقصود جمع شيء كيف كان ، وإنما هي أسرار يطلع الله عزوجل عليها من شاء من عباده ويوفقه لكشفها فيجمع ما فُرق ، أو يرتب ما شُتت ، أو يشرح ما أُهمل ، هذا هو التصنيف المفيد . وينبغي اغتنام التصنيف في وسط العمر لأن أوائل العمر زمن الطلب ، وآخره كلال الحواس .

ص386 ـ 387 .

_____________________

الكتاب الثاني : حفظ العمر : دار البشائر الإسلامية ، الطبعة الثانية 1429هـ ، تحقيق وتعليق الشيخ محمد بن ناصر العجمي .

 

1 ـ دخل بعض العلماء مقبرة ، فقال : لا إله إلا الله ، ما فيهم أحد إلا وله حوائج ما قضاها ، يقول : سأفعل . ص59 .

 

2 ـ قد صح عن رسول الله أنه قال : ( من قال سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلة في الجنة ) .

فالعجب لهذا يضيع زمانه في غير الغرس ، ولو أنه ذاق طعم النخيل لا ستكثر من غرس النخل .

ص62 .

 

3 ـ ليتفكر الإنسان في صائم جلس وقت العشاء ليفطر مع من كان مفطراً وكلاهما يشبع حينئذ ، وقد ذهب تعب الصوم وراحة الإفطار وتباين الحال في الثواب . وكذلك أخوان ، طلب أحدهما العلم من صغره وآثر الآخر البطالة ، فاجتمعا عند علو السن فقعدا في مكان ، فلاح على هذا أثر التعب وقد حصل العلم والتقوى ، وليس بيد ذاك من آثار الراحة شيء بل إن تفكر تحسر ، فأف لعاقل يستعجل البطالة وينسى ما يجني .

ص64 .

 

4 ـ عن سفيان بن عيينة قال : كان رجل من السلف يلقى الأخ من إخوانه فيقول : يا هذا إن استطعت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل ، فقال له رجل : وهل يسيء الإنسان إلى من يحب ؟ قال : نعم ، نفسك أعز الأنفس عليك ، فإن عصيت الله فقد أسأت إليها . ص68 .

_____________________

 

الكتاب الثالث : تنبيه النائم الغمر على مواسم العمر : دار البشائر الإسلامية ، الطبعة الثانية 1429هـ ، تحقيق وتعليق الشيخ محمد بن ناصر العجمي .   

 

1 ـ اعلم وفقك الله أن مواسم العمر خمسة :

 

الموسم الأول : من وقت الولادة إلى زمان البلوغ ، وذلك خمس عشرة سنة .

 

الموسم الثاني : من زمان بلوغه إلى نهاية شبابه ، وذلك خمس وثلاثون سنة .

 

الموسم الثالث : من ذلك الزمان إلى تمام خمسين سنة ، وذلك زمن الكهولة ، وقد يقال : كهل لما قبل ذلك .

 

الموسم الرابع : من بعد الخمسين إلى تمام السبعين ، وذلك زمان الشيخوخة .

 

الموسم الخامس : ما بعد السبعين إلى نهاية آخر العمر ، فهو زمان الهرم .

ص 37 .

 

2 ـ قال الشاعر :

لا تسه عن أدب الصغير = وإن شكا ألـم التعــب

ودع الكبــير لشأنــه = كبـر الكبير عن الأدب

 

وكان عبد الملك بن مروان يحب ابنه الوليد ، ولا يأمره بالأدب ، فخرج لحاناً ، فقال : أضر حبنا بالوليد .

ص40 .

 

3 ـ مر عمر بن الخطاب على صبيان وهم يلعبون ، فتفرقوا من هيبته ، ولم يبرح ابن الزبير ، فقال له : مالك لم تبرح ؟

 

فقال : يا أمير المؤمنين ، ما الطريق ضيقة فأوسعها لك ، ولا لي ذنب فأخافك .

 

وقال الرشيد لولد وزيره وهو في دارهم : أيما أحسنُ ، دارنا أو داركم ؟ فقال : دارنا ، قال : ولم ؟ قال : لأنك فيها .

ص41 .

 

4 ـ يتبين فهم الصبي وعلو همته وقصرها باختياراته لنفسه ، فإن الصبيان تجتمع للعب ، فيقول العالي الهمة : من يكون معي ؟ ويقول القاصر الهمة : مع من أكون ؟ ومتى فاقت الهمة ، وعلت همة الصبي ، آثر العلم .

ص42 .

 

5 ـ فإذا راهق الصبي فينبغي لأبيه أن يزوجه . والعجب من الوالد كيف لا يذكر حاله عند المراهقة ، وما لقي وما عانى بعد البلوغ ، أو كان قد وقع في زلة ، فليعلم أن ولده مثله .

ص43 .

 

6 ـ قال الحسن : الجنة قيعان ، والملائكة تغرس ، فربما فتروا ، فيقال لهم : ما لكم فترتم ؟ فيقولون : فتر صاحبنا ، فقال : أمدوهم رحمكم الله .

ص61 .

_____________________

 

 

الكتاب الرابع : بحر الدموع : تحقيق إبراهيم باجس عبدالحميد ، دار ابن حزم ، الطبعة الرابعة 1428هـ .

 

قبل أن أشرع في الفوائد أود أن أبين مسألة أراها مهمة وهي :

أن الكتاب فيه رقائق توجد في غيره وفيه مخالفات عقدية ومبالغات فلينتبه لذلك .

 

يقول محقق الكتاب إبراهيم باجس ذاكراً الصعوبات التي واجهته في تحقيق الكتاب:

 

إيراد المصنف لكثير من الأحاديث الضعيفة والموضوعة ، والحكايات المستغربة والمستهجنة عن أهل الكتاب وغيرهم من الزهاد ، في كتبه الوعظية ، وكثير من هذه الأحاديث والحكايات قدح فيها المؤلف في كتبه الأخرى مثل كتاب (الموضوعات ) وكتاب ( العلل المتناهية ) وشنع على رواتها . وأصبحت مقولة من يترجم لابن الجوزي أنه متشدد في نقد الأحاديث ، متساهل في إيرادها في كتبه والاستشهاد بها . قال ابن الأثير في ( الكامل في التاريخ ) في ترجمة أحمد بن محمد الغزالي الواعظ : ( وقد ذمه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء كثيرة ، منها راويته في وعظه أحاديث غير صحيحة ، والعجب أنه يقدح فيه بهذا ، وتصانيفه هو ووعظه محشو به ، مملوء منه ) .

 

الفوائد :

 

1 ـ يا ابن آدم ، الدنيا مطية ، إن ركبتها حملتك ، وإن حملتها قتلتك .

ص89 .

 

2 ـ يقال أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه كان يسكن بجواره شاب مولع بشرب الخمر ، فكان أبو حنيفة يسهر الليل على النظر في الكتب والقراءة ، وكان بينه وبين الشاب جدار ، فكان يشربُ ويتمثل :

 

سأنشدهم إذا ما هم جـفوني = أضاعوني وأي فتى أضاعوا

 

ويكثر التردد بهذا البيت ، فكان أبو حنيفة يستأنس بكلامه . فلما كان ذات ليلة ، لم يسمع له أبو حنيفة حِساً ، فلما خرج لصلاة الصبح سأل عنه ، فقيل له : إن صاحب الشرطة لقاه مخموراً ، فحمله إلى السجن ، فلما صلى أبو حنيفة ، مضى إلى منزل صاحب الشرطة ، و استأذن عليه ، وأعلمه بنفسه ، فخرج إليه صاحب الشرطة حافي القدمين ، عاري الرأس ، وقبل يده ، وقال : يا سيدي ، وما بلغ من قدري حتى تأتيني إلى منزلي ؟ فقال أبو حنيفة : إني جئتك في قضية جار لي سُجن الليلة ، فقال : أشهدك يا سيدي أني أطلقته وجميع من سُجن في تلك الليلة .

 

قال : وانصرف أبو حنيفة والرجل معه . ثم التفت إليه ، وقال : هل ضيعناك يا أخي ، أم قمنا بحقك رعياً لقولك : أضاعوني وأي فتى أضاعوا ؟ فقال : لا والله لم تضيعني ، بل رعيتني ، جزاك الله عن الجوار خيراً ، وأشهدك أني تائب لوجه الله تعالى . قال فلزم الإمام ، وعبد الله حتى أتاه اليقين .

ص154 ـ 155 .

_____________________

 

 

الكتاب الخامس : تعظيم الفتيا ، قرأه وعلق عليه ووثق نصوصه وخرج أحاديثه مشهور بن حسن آل سلمان ، الطبعة الأولى 1423هـ ، مكتبة التوحيد .

 

1 ـ اُستفتِي الحسن بن زياد اللؤلؤي في مسألة فأخطأ ، فلم يعرف الذي أفتاه ، فاكترى منادياً فنادى : أن الحسن بن زياد اُستفتي يوم كذا وكذا في مسألة فأخطأ ، فمن كان أفتاه بشيء فليرجع إليه ، فمكث أياماً لا يُفتي حتى وجد صاحب الفتوى ، فأعلمه أنه قد أخطأ ، وأن الصواب كذا وكذا .

ص91 ـ 92 .

 

2 ـ بلغني ( القائل ابن الجوزي ) عن بعض مشايخنا أنه أفتى رجلاً من قرية بينه وبينها أربعة فراسخ ، فلما ذهب الرجل ، تفكر ، فعلم أنه أخطأ ، فمشى إليه فأعلمه أنه أخطأ ، فكان بعد ذلك إذا سُئل عن مسألة توقف ، وقال : ما في قوة أمشي أربعة فراسخ .

ص92 .

 

3 ـ عن مالك بن أنس قال : حدثني ربيعة قال : قال لي ابن خلدة وكان نعم القاضي : يا ربيعة أراك تفتي الناس ، فإذا جاءك رجل يسألك فلا يكن همك أن تخرجه مما وقع فيه ، وليكن همك أن تتخلص مما سألك عنه .

ص126 ـ 127 .

 _____________________

 

 

الكتاب السادس : المُدهش . الطبعة الأولى 1425 هـ ، دار القلم ، بعناية عبدالكريم محمد منير ، وخلدون عبدالعزيز مخلوطة .

 

1 ـ الدنيا كامرأة فاجرة لا تثبت مع زوج ، فلذلك عِيبَ طُلابُها .

وحدثتك الليالي أن شيمتهـــــــا = تفريق ما جمعته فاسمع الخبرا

فكن على حذر منها فقد نصحت = وانظر إليها تر الآيات والعبرا

فهل رأيت جديداً لم يعد خَلقـــــا = وهل سمعت بصفو لم يصر كدرا .

ص270 .

 

2 ـ يامن يذنب ولا يتوب ، كم كتبت عليك ذنوب ؟ خل الأمل الكذوب ، فرب شروق بلا غروب ، واأسفى أين القلوب ؟ تفرقت بالهوى في شعوب ، ندعوك إلا صلاحك ولا تؤوب ، واعجباً الناس ضروب . متى تنتبه لصلاحك أيها الناعس ! ؟ متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا ينافس ؟ متى تذكر وحدتك إذا انفردت عن مؤانس ؟ يا من قلبه قد جفا وجفنه ناعس ! يا من تحدثه الآمال دع هذه الوساوس ، أين الجبابرة الأكاسرة الشجعان الفوارس ؟ أين الأُسدُ الضواري الكوانس ؟ أين من اعتاد سعة القصور ، حُبس من القبور في أضيق المحابس ؟ أين الرافل في أثوابه عَرِيَ في ترابه عن الملابس ؟ أين حارس الأموال أُخِذَ المحروس ، وقُتِلَ الحارس ؟ ! .

كأنك لم تسمع بأخبار من مضـــى = ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر

فإن كنت لا تدري فتلك ديارهـــــم = محاها مجال الريح بعدك والقطر

على ذاك مروا أجمعون وهكــــــــــذا = يمرون حتى ينشرنهم الحشر

فحتام لا تصحو وقد قرب المــــــــدى = وحتام لا ينجاب عن قلبك السكر

بلى سوف تصحو حتى ينكشف الغطا = وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر

ص354 ـ 355 .

 

3 ـ إذا هممت فبادر ، وإن عزمت فثابر ، واعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر . إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة ، ثم ردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها .  ص364 ـ 365 .

 

4 ـ يـا هـــذا !

إنما خلقت الدنيا لتجوزها لا لتحوزها ، ولتعبرها لا لتعمرها ، فاقتل هواك المائل إليها ، وأقبل نصحي ، و لا تعول عليها . يا أقدام الصبر تحملي فقد بقي القليل ، تذكري حلاوة الدعة يهن عليك مر السُرى ، قد علمت أين المنزل ؟.. فاحد لها تسر . ص427 ـ 428 .

 

5 ـ يا من كان له قلب فانقلب ، قيام السحر يستوحش لك ، صيام النهار يسأل عنك ، ليال الوصال تعاتبك .

 

يـا عزيـــزي :

ما ألفت الشقاء فكيف تصبر ؟ أصعبُ الفقر ما كان بعد الغنى ، وأوحش الذل ما كان بعد العز ، وأشدهما العمى على الكبر . ص439 .

 

6 ـ يــــا هـــذا !

الشيب أذان ، والموت إقامة ، ولست على طهارة . العمر صلاة ، والشيب تسليم . يامن خيم حب الهوى في صحراء قلبه ، اقلع الأطناب ، فقد ضرب بوق الرحيل . أما تسمع صوت السوط في ظهور الإبل ؟ أما ترى عجلة السلب وقصر العمر ؟ شارف الركب بلد الإقامة ، فاستحث المطي .

ص452 ـ 453 .

 

7 ـ تلمح فجر الأجر يَهُن ظلام التكليف ، إذا خرجت من شفة غدرك لفظة سفه ، فلا تلحقها بمثلها تلقحها ، ونسل الخصام مذموم ، أوثق سبع غضبك بسلسة حِلمك ، فإنه إن أُفلِت أتلف .

ص461 ـ 462 .

 

8 ـ ويحـــك !

إنما يكون الجهاد بين الأمثال ، ولذلك مُنِعَ من قتل النساء والصبيان ، فأي قدر للدنيا حتى يحتاج قلبك إلى محاربة لها ؟ أما علمت أن شهواتها جيف ملقاة ، أفيحسن بباشق الملك أن يطير عن كفه إلى ميتة ؟ مهلاً ( لا تمدن عينيك ) .

ص485 .

 

9 ـ ويحـــك !

لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي ، إنما أبعدنا إبليس لأجلك ، لأنه لم يسجد لك ، فالعجب منك كيف صالحته وهجرتنا ! .

ص514 .

 

10 ـ أكثر فساد القلب من تخليط العين ، ما دام باب العين موثقاً بالغض فالقلب سليم من آفة ، فإذا فُتَح الباب طار طائره وربما لم يعد . يا متصرفين في إطلاق الأبصار ، جاء توقيع العزل ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) ، إطلاق البصر ينقُشُ في القلب صورة المنظور ، والقلب كعبة ، وما يرضى المعبود بمزاحمة الأصنام .

ص543 .

 

11 ـ إخواني ! تفكروا في الذين رحلوا ، أين نزلوا ؟ وتذكروا أن القوم نُوقشوا وسُئلوا ، واعلموا أنكم كما تُعذلون عُذِلوا ، ولقد ودوا بعد الفوات لو قبلوا .

سـألت الدار تخبرني = عن الأحباب ما فعلوا

فقالت لي : أناخ القوم = أياماً وقـد رحـلوا

فقلت : فأين أطلـبــهم = وأي مـنازل نزلوا

فقالت : بالقبور وقــد = لقوا والله ما عمـلوا

أنـاس غـرهم أمــــــل = فبادرهم به الأجـل

فنوا وبقي على الأيام = ما قالوا وما عـملوا

وأُثبتَ في صـحائفهم = قبيح الفــعل والزلل

فـلا يُسـتعتبـــون ولا = لـهم ملـجا ولا حِيَل

نـدامى في قبورهـــم = وما يغـني وقد حصلوا

ص 548 .

 

12 ـ حر الصيف يُذكر حر جهنم ، وبرد الشتاء محذرٌ من زمهريرها ، والخريف ينبه على جني ثمار الأعمار ، والربيع يحث على طلب العيش الصافي .

ص576 .

 

13 ـ يـا هـــذا !

كنت تدعي حبنا ، وتؤثر القرب منا ، فما هذا الصبر الذي قد عنّ عنا ؟ كنت تستطيب رياح الأسحار ، وما تغير المهب ، ولكن دخل فصلُ برد الفتور ولم تحترز ، فأصابك زكام الكسل ..

كنت في الرعيل الأول ، فما الذي ردك إلى الساقة ؟ قف الآن على جادة التأسف والزم البكاء على التخلف ، فأحق الناس بالأسى من خُص بالتعويق دون الرفقاء .

ص581 .

 

14 ـ أيها المرائي !

قلب من ترائيه بيد من تعصيه .

ص584 .

 

15 ـ العمل صورة والإخلاص روح . خليج صاف أنفع من بحر كدر . إذا لم تخلص فلا تتعب .عمل المرائي بصلة كلها قشور . المرائي يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه . لما أخذ دود القز ينسج ، أقبلت العنكبوت تتشبه ، وقالت : لك نسج ولي نسج . فقالت دودة القز : ولكن نسجي أردية الملوك ، ونسجك شبكة للذباب وعند مس النسيجين يبين الفرق . شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنة ، وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين ، فتقول لشجرة الصنوبر : إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قد قطعتها في أسبوعين ، فيقال لي : شجرة ، ولك شجرة . فتجيبها : مهلاً إلى أن تهب ريح الخريف .  ص606 ـ 607 .

 

16 ـ قيل ( لعامر بن عبد قيس ) : أما تسهو في صلاتك ؟

قال : أو حديث أحب إلي من القرآن حتى أشتغل به ؟ ! .  ص649 .

 

17 ـ العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة . أيها المعلم تثبت على المبتدي (وقدر في السرد ) فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق . أيها الطالب تواضع في الطلب ، فإن التراب بينا هو تحت الأخمص صار طهوراً للوجه ، السهر مرقى إلى أطيب مرقد .

ص715 .

 

18 ـ

نُراعُ إذا الجــنائز قابــلتنا = ونسكن حين تخفى ذاهبات

كروعة ثلــة لظــهور ذئب = فلما غاب عـــادت راتـعات

ص730 .

19 ـ يـا هــــذا !

ظلمك لنفسك في غاية القبح ، إلا أن ظلمك لغيرك أقبح .

 

ويحـــك !

إن لم تنفع أخاك فلا تؤذه ، وإن لم تعطه فلا تأخذ منه ، لا تشابهن الحية ، فإنها تأتي الحفر الذي قد حفره غيرها فتسكنه ، ولا تتمثلن بالعُقاب ، فإنه يتكاسل عن طلب الرزق ، ويصعد على مرقب عال ، فأي طير صاد صيداً اتبعه ، فلا تكون له همة إلا إلقاء صيده والنجاة بنفسه . في الحيوانات أخيار وأشرار كبني آدم ، فالتقط خير الخلال وخل خسيسها ، ولا تكن العصافير أحسن منك مروءة ، إذا أوذي أحدها صاح ، فاجتمعن لنصرته ، وإذا وقع فرخها طرن حوله يعلمنه الطيران .

 

يـا هـــذا !

تخلق في إعانة الإخوان بخُلُق النملة ، فإنها قد تجد جرادة لا تطيق حملها ، فتعود مستغيثة بأخواتها ، فترى خلفها كالخيط الأسود قد جئن لإغاثتها ، فإذا وصلن بالمحمول إلى بيتها ، رفهنه عليها ( تركنه طعاماً لها ) .

 

هيهات إن الطبع الردي لا يليق به الخيّر ، هذه الخنفساء إذا دفنت في الورد لم تتحرك ، فإذا أعيدت إلى الروث رتعت . وما يكفي الحية أن تشرب اللبن حتى تمج سمها فيه ، وكل إلى طبعه عائد ، إلا أن الرياضة قد تزيل الشر جملة ، وقد تخفف ، كما أن غسل الأثر إن لم يزله خفف . إن دمت على سلوك الجادة رجونا لك الوصول ، وإن طال السري .

ص742 .

 

20 ـ من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه .  ص749 .

_____________________

الكتاب السابع : ذم الهوى ، تحقيق خالد العلمي ، الطبعة الأولى 1430هـ ، دار الكتاب العربي .

 

1 ـ

رب مستور سبته صبوة = فتعرى ستره فانتهكا

صاحب الشهوة عبد فإذا = غلب الشهوة صار الملكا

ص 46 .

 

2 ـ

إن المرآة لا تريك عيوب وجهك مع صداها

وكذاك نفسك لا تريك عيوب نفسك مع هواها

ص47 .

 

3 ـ قال ابن جهضم : سمعت ابن شمعون يقول في مجلسه : ما سمعتَ قول رسول الله : ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا تمثال ) فإذا كان الملك لا يدخل بيتاً فيه صورة أو تمثال ، فكيف تدخل شواهد الحق قلباً فيه أوصاف غيره من البشر ؟ ! .

ص78 .

 

4 ـ قال لي بعض أهل هذا البلاء ( النظر المحرم ) يوماً : قد سمعت منك تحريم النظر ، وقد بالغت في التحذير من النظر . وإني نظرت يوماً إلى امرأة نظرة فهويتها وقوي كلفي بها ، فقالت لي النفس : إنك في بلاء عظيم مما لا تتيقنه ، فإن أول نظرة لا تُثبِتُ الشخص ، فلو أعدت النظر فربما أوجب التثبت السلوّ . فماذا تقول في هذه الحادثة ؟..

فقلت له : هذا لا يصلح لأربعة أوجه :

أحدها : أن هذا لا يحل .

والثاني : أنك لو نظرت فالظاهر تقوية ما عندك ، فإن ما بهتك بأول نظرة فالظاهر حُسنه ، فلا تحسن المخاطرة بتوكيد الأمر ، لأنك ربما رأيت ما هو فوق ظنك فزاد عذابك .

والثالث : أن إبليس عند قصدك لهذه النظرة يقوم في ركائبه ليزين لك ما لا يحسن ثم لا تُعان عليه ، لأنك إذا أعرضت عن امتثال أمر الشرع تخلت عنك المعونة .

والرابع : أنك الآن في مقام معاملة للحق على ترك محبوب ، وأنت تريد أن تتثبت حتى إذا لم يكن المنظور مرضياً تركته ، فإذن يكون تركه لأنه لا يلائم غرضك ، لا لله تعالى !

فأين معاملته بترك المحبوب لأجله ؟ وقد قال سبحانه : ( ويطعمون الطعام على حبه ) وقال : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فإياك إياك .

ص95 .

 

5 ـ قال الحكماء : ( عين الهواء عوراء ) وبهذا السبب يُعرض الإنسان عن زوجته ويُؤثر عليها الأجنبية ، وقد تكون الزوجة أحسن .

 

والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تبن له وقد تكشفها المخالطة ، ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة وكشفت له المخالطة ما كان مستوراً ، ملّ وطلب أُخرى إلا ما لانهاية له .

ص426 .

 

6 ـ كتب بعض الحكماء إلى أخ له : ( أما بعد فإن الدنيا حلم ، والآخرة يقظة ، والمتوسط بينهما الموت ، ونحن في أضغاث أحلام ، والسلام ) .

ص438 .

 

ملاحظـــــة :

الكتاب فيه أمور خادشة للحياء في آخر فصوله ذكرها ابن الجوزي للتحذير من العشق فلو طويت ولم تقرأ لكان حسناً ، وعلى كل حال لو اكتفي من الكتاب بأول مئة صفحة منه لكان فيه غنية عن آخره ، وإن قرأ كتاب الجواب الكافي لابن القيم لكان فيه غنية عن هذا الكتاب ، والله أعلم .

_____________________

 

 

الكتاب الثامن : التبصرة : ضبط متنه وعلق حواشيه وقدم له بركات يوسف هبود ، الطبعة الأولى 1425هـ ، المكتبة العصرية .( هذه الطبعة من باب إذا لم يكن إلا الأسنة مركباً ) !

 

1 ـ يا من صبح شيبه بعد ليل شبابه قد تبلج ، ونذيره قد حام حول حماه وعرّج ، كأنك بالموت قد أتى سريعاً وأزعج ، ونقلك عن دار أمنت مكرها وأخرج ، وحملك على خشونة النعش بعد لين الهودج ، وأفصح بهلاكك بعد ما مجمج ، وأفقرك إلى قليل من الزاد وأحوج ، يا لاهياً في دار البلاء ما أقبح فعلك وما أسمج ، ويا عالماً نظر الناقد وبضاعته كلها بهرج ، ويا غافلاً عن رحيله سلب الأقران أنموذج .

ص97 .

 

2 ـ قال تعالى : ( فذكر بالقرآن ) أي : فعظ به . قال بعض السلف : من لم يعظه القرآن ولا الشيب فلو تناطحت بين يديه الجبال ما اتعظ !

 

يا ذا النفس اللاهية ، تقرأ القرآن وهي ساهية ، أما لك ناهية في الآية الناهية ، كم خوفك القرآن من داهية ، أما أخبرك أن أركان الحياة واهية ، أما أعلمك أن أيام العمر متناهية ، أما عرّفك أسباب الغرور كما هيه ؟..

ص101 .

 

3 ـ صابر ليل البلاء فقد دنا الأجر ، واثبت لعمل نهار العمر تستوف الأجر ، واحبس نفسك عن هواها فسينفعك الحجر ، وارجز لها فإن لم تسر بالرجز فبالزجر ، ما نال من نال ما نال إلا بالصبر ، وبه علا ذكر كل عابد وحبر ، وهو وإن مرّت مذاقته بانت حلاوته في القبر ، أيها النائم وهو منتبه ، المتحير في أمر لا يشتبه ، يا من قد صاح به الموت في سلب صاحبه وهو مغرور بجهله مفتون بلعبه ، يا واقفاً مع الهوى والطبع ، أأمنت شين القلب بالختم والطبع ! .

ص165 .

 

4 ـ الويل كل الويل لعاق والديه ، والخزي كل الخزي لمن ماتا غضابا عليه ، أف له هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه ، أتبع الآن تفريطك في حقهما أنيناً وزفيراً ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) .

كم آثراك بالشهوات على النفس ، ولو غبت ساعة صارا في حبس ، حياتهما عندك بقايا شمس ، لقد راعياك طويلاً فارعهما قصيراً ، ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) .

كم ليلة سهرا معك إلى الفجر ، يداريانك مداراة العاشق في الهجر ، فإن مرضت أجريا دمعاً لم يجر ، تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكفّ والحجر سريراً ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك ، ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك ، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك ،

كم جرعاك حلوا وجرعتهما مريراً ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) .

أتحسن الإساءة في مقابلة الإحسان ، أو ما تأنف الإنسانية للإنسان ، كيف تعارض حسن فضلهما بقبح العصيان ، ثم ترفع عليهما صوتاً جهيراً ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) . تحب أولادك طبعاً ، فأحبب والديك شرعاً ، وارع أصلاً أثمر لك فرعاً ، واذكر لطفهما بك وطيب المرعى أولاً وأخيراً ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) . تصدق عنهما إن كانا ميتين ، واستغفر لهما واستدم هاتين الكلمتين ، وما تكلف إلاّ أمراً يسيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ) .

ص169 .

 

5 ـ إخـوانـــي :

غاب الهدهد عن سليمان فتوعده بلفظ ( لأعذبنّه ) فيا من يغيب طول عمره عن طاعتنا ، أما تخاف من غضبنا ؟ ! خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بكف : ( هذا فراق بيني وبينك )

أما تخاف يا من لم يف لمولاه أبداً أن يقول في بعض خطاياك : هذا فراق بيني وبينك .

ص209 .

 

6 ـ يـا ابـن آدم :

فرح الخطيئة اليوم قليل وحزنها في غد طويل ، ما دام المؤمن في نور التقوى فهو يبصر طريق الهدى ، فإذا طبق ظلام الهوى عدم النور .

ص243 .

 

7 ـ

أؤمل أن أعيـــش وكــل يوم

بســـمعي رنـــة من معولات

 

وأيدي الحـــافرين تكــل مما

تُسَوي من مساكن موحشات

 

نــــراع إذا الجنـــائز قابلـتنا

ونسكن حين تخفى ذاهــبات

 

كــروعة قلّــة لظـــهور ذيب

فلـــما غـــاب عادت راتعات

ص285 .

 

8 ـ تشبث بذيل الحلم ، وصح بصاحب العفو ، لعل شفيع الاعتراف يسأل في أسير الاقتراف . يا هذا مناجاتك منجاتك ، وصلاتك صِلاَتك ، ناد الأسحار والناس نائمون : يا أكرم من أمله الآملون .

 

يـا هـــذا :

ماء العين في الأرض حياة الزرع ، وماء العين على الخد حياة القلب ، يا طالب الجنة : بذنب واحد أخرج أبوك منها ، أتطمع في دخولها بذنوب لم تتب عنها ، إن امرأ تنقضي بالجهل ساعاته ، وتذهب بالمعاصي أوقاته ، لخليق أن تجرى دائماً دموعه ، وحقيق أن يقلّ الدجى هجوعه .

ص308 .

9 ـ جاز أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ على بلال وهو يعذب فجذب مغناطيس صبر بلال حديد صدق الصديق ، ولم يبرح حتى اشتراه ، وكسر قفص حبسه ، فكان عمر ـ يقول : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا .

 

تعب في المكاسب فنالها حلالا ، ثم أنفقها حتى جعل في الكساء خلالا ، قال له الرسول أسْلِم فكان الجواب : نعم بِلاَ لا ، ولو لم يفعل في الإسلام إلا أنه أعتق بلالا .

ص339 .

 

10 ـ رأى عمر بن الخطاب يوماً صبية تمشي في السوق والريح يلقيها لضعفها ، فقال من يعرف هذه ؟ فقال ابنه عبدالله : هذه إحدى بناتك قال : أي بناتي ؟ قال : بنت عبدالله بن عمر قال : فما بلغ بها ما أرى ؟ قال : إمساكك ما عندك .

قال إمساكي ما عندي ، يمنعك أن تطلب لبناتك ما يطلب الناس ؟ أما والله ما لك عندي إلا سهمك مع المسلمين وسعك أو عجز عنك ، بيني وبينكم كتاب الله ! .

ص351 ـ 352 .

 

11 ـ جرت دموع حزنهم في سواقي أسفهم ، إلى رياض صفائهم فأورقت أشجار وصالهم ، ودموعهم تجري كالديم كلما ذكروا زلة قدم ، جاعوا من طعام الهوى وآذاك التخم . تالله ما نال الكرامة إلاّ من قال للكرى : مه .

إن أردت لحاقهم فطلّق الهوى طلاق البتات ، اخل بنفسك في بيت الفكر وخاطبها بلسان النصح ، واعزم على الوفاق من غير تردد ، قف على باب الصبر ساعة ، وقد ركّب على قفل العسر مفتاح النجاح .

ص365 .

 

 

 

12 ـ عائشـــة :

ما تزوج رسول الله بكر سواها ، ولا أحب زوجة كحبه إياها ، جاء بها الملك في سَرقة فجلاها ، وتكلم الله ببراءتها ، سبحان من أعطاها ، وما يرمي الأصحاء بالسقم إلا سقيم ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) . واعجباً لمبغضيها من هم ، إن فهمت قولي قلت : إن هم ، ضرهم والله ما صدر عنهم ، خفت والله عقولهم والآفة تهيم ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) . تكلموا فيها بترهات ، وراموا ذم السماء وهيهات ، يا عائبها إن عرفت عيباً فهات ، كفانا الله شر عقوق الأمهات ، فإنه قبيح ذميم ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) . ما كان سوى غيم ثم تجلى ، وانصرف الحزن وتولّى بالفرح الذي تولّى ، ولبس الممدوح أحسن الحُلى وتحلّى ، وحمل القاذف إثماً وكلاّ ، أيقدح العقلاء في أمهاتهم ، القاذفون كلاّ هي منهم عقيم ( والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) .

ص391 ـ 392 .

 

13 ـ يـا هــــذا :

إن أردت لقاءنا في حضرة القدس ، واشتاق سمعك إلى نغمات الأنس ، فصم عن لذات النفس وشهوات الحس ، واصبر على قطع مفاوز الحَزْن ، واستأنس ببثك في بيت الوجد . اقطع أمل الهوى بقهر العزم ، واقرع فضول الكلام بسوط الصمت ، وانبذ إلى كلب الشهوات كِسَر الصبر ، فإذا سمعت ضجيج محبوس النفس يستغيث من سجن الزهد لشدة الحصر ، فصح به : يا صاح صبراً على ضيق الحبس ، لعلك تخرج إلى رياض ( اجعلني على خزائن الأرض ) .

وقد صمت عن لذات دهري كلها

ويوم لقاكم ذاك فطر صيـــــامي

ص403 ـ 404 .

 

14 ـ يا من لا يسمع قول ناصح ، أما هذا الشيب دليل واضح ، لمن نحدّث والقلب غائب ، ليتنا نعلم مستقره فنكاتب ، قلنا له : بياض الشيب قد فَضَحك فَضَحِك ، يجمع التقصير إلى التفريط ويضمّ ، وينوي فعل الذنوب فيعزم ويهمّ ، ويحك تأمل هلال الهدى فما خَفِي ولا غُمّ ، واسمع واعظ العبر فقد زعزع الجبال الشًم ، وأيقظ قلبك الغافل وهيهات لا تسمع الصُمّ ، وعُمْ في بحر حزنك على ذنوب تَعُمّ ، فلقد بالغنا في زجرك يا من بالزجر قد أمّ ، فإذا رضيت أن تكون مُبيرا ، فلحى الله ظِئراً أشفق من الأُمّ .  ص409 .

 

15 ـ عن ثابت البناني عن أنس عن النبي أنه قال : ( مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أوله خيرٌ أم آخره ) فإن قيل : هذا يوجب تردداً في تفضيل الصحابة ؟ فالجواب : أنه أراد تقريب آخر الأمة إلى أولها في الفضل ، كما تقول : لا أدري : أوجه هذا الثوب خير أم مؤخره ؟ وقد عُلِم أن وجهه أفضل ، لكنك تريد تقريب مؤخّره من وجهه في الجود . ذكره ابن قتيبة .  ص410 .

 

16 ـ كانت قلوبهم بالحق متعلقة ، وأنوارهم على الظواهر متألقة ، كلما هدلت حمائم نوحهم هطلت غمائم شجوهم ، دموعهم في الدجى ذوارف لما بين أيديهم من المخاوف ، يغسلون بالبكاء ذنوب الصحائف ، خوفهم شديد وما فيهم مخالف ، إذا جن الليل فالقدم واقف ، يحنّون إلى الحبيب حنين شارف ، الدمع مساعد والحزن مساعف ، يفزعون إلى التذكر إذا مسهم طائف . علموا أن الدنيا متاع يفنى فعبروها وما عمروها للسكنى ، واشتغلوا بدار كلما نُقضت هذه تبنى ، طرق الوعظ أسماعهم فتلمحوا المعنى ، يأخذون أُهبة الرحيل ولا يأخذون عرض هذا الأدنى .

وصحائف الأيام نحن سطورها

يقرا الأخير ويدرج المتقدم

ص412 ـ 433 .

 

17 ـ وما يروى في شهر رجب من صلاة الرغائب فحديث لا أًصل له وإني لأغار لصلاة التراويح من صلاة الرغائب وإنما يتهم بوضعها ابن جهضم .

ص441 .

 

18 ـ قال تعالى عن الأشهر الحرم :

( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) وخص النهي عن الظلم بهذه الأشهر ؛ لأن شأن المعاصي يعظم فيها أشد من تعظيمه في غيرها ؛ لفضلها على ما سواها كما عظمت طاعة الحرم و معصيته ، وإن كان العبد مأموراً بذلك في غيرها . واعلم أن تفضيل بعض الشهور على بعض ، ليكون الكف عن الهوى ذريعة إلى استدامة الكف في غيرها ، تدريجاً للنفس إلى فراق مألوفها المكروه شرعاً .

ص445 ـ 446 .

 

19 ـ اعلم أن الإسراء كان إلى بيت المقدس والمعراج من هنالك إلى السماء ،

 

وإنما جعل كذلك لفوائد :

 

الفائدة الأولى : أنه لو أخْبَر بصعوده إلى السماء في بدء الحديث لاشتد إنكارهم ولو وصفها لهم لم يكن عندهم علم بذلك ، فلما أخبرهم ببيت المقدس ووصفه لهم ، دل صدقه في ذلك على صدقه في حديث المعراج .

 

الفائدة الثانية : أنه سيَّره في الأرض يستأنس ثم درج إلى الصعود إلى السماء ، فهو نظير قوله : ( وما تلك بيمينك يا موسى ) لمّا أنِس بالخطاب حُمّل الرسالة إلى فرعون .

 

الفائدة الثالثة : أن الأنبياء جُمعوا هنالك ، فصلّى بهم فبان فضله بالتقديم عليهم في دار التكليف . وكان ائتمامهم به مشيراً إلى نسخ شرائعهم بشرعه .

ص457 ـ 458 .

 

20 ـ قال ثعلب سمي رمضان لأن الإبل ترمض فيه من الحر ، وسمي شوال لأن الألبان كانت تشول فيه ، أي : تذهب وتقِل ، وسمي ذو القعدة لأنهم كانوا يقعدون فيه ، وذو الحجة ، لأنهم كانوا يحجون فيه ، والمحرم ؛ لتحريم القتال فيه ، وصفر ؛ لأنهم كانوا يطلبون القطر فيه ، يقال : صَفِر السقَاء إذا خلا . وربيع لأنهم كانوا يربعون فيهما ، وجمادي ؛ لأن الماء يجمد فيهما ، ورجب من التعظيم ، يقال : رجّبه يرجّبه إذا عظّمه . وقال شمّر : ومنه سمي رجب ، وشعبان لأنهم يتفرقون ويتشعبون فيه . وقال قطرب : سُمّي صفراً ؛ لأنهم كانوا يخرجون إلى بلاد تُسمى الصًفرية يمتارون منها . ( أي يجلبون الطعام ) .  ص478 .

_____________________

 

 

الكتاب التاسع : تلبيس إبليس ، الطبعة الأولى 1426هـ ، مؤسسة الرسالة .

 

1 ـ مثال الشرع الشمس ، ومثال العقل العين ، فإذا فُتِحت وكانت سليمة ؛ رأت الشمس.   ص13 .

 

2 ـ وينبغي أن تعلم أن إبليس الذي شغله التلبيس هو أول من التبس عليه الأمر ، فأعرض عن النص الصريح الآمر بالسجود ، وأخذ يفاضل بين الأصول : (خلقتني من نار وخلقته من طين ) ثم امتنع عن السجود ، فأهان نفسه التي أراد تعظيمها باللعنة والعقاب .

 

فمتى سوّل للإنسان أمراً ؛ فينبغي أن يحذر منه أشد الحذر ، وليقل له حين أمره إياه بالسوء : إنما تريد بما تأمر به نصحي ببلوغي شهوتي ، وكيف يتضح صواب النصح للغير لمن لا ينصح نفسه ؟ ثم كيف أثق بنصيحة عدو ؟ فانصرف ، فما فِيَّ لقولك منفذ !

 

فلا يبقى إلا أنه يستعين بالنفس ؛ لأنه يحث على هواها ، فليستحضر العقل إلى بيت الفِكْرِ في عواقب الذنب ، لعل مدد توفيقٍ يبعثُ جند عزيمته ، فيهزم عسكر الهوى والنفس .

ص41 ـ 42 .

 

3 ـ اعلم أن القلب كالحصن ، وعلى ذلك الحصن سور ، وللسور أبواب ، وفيه ثُلَمٌ ، وساكنه العقل ، و الملائكة تتردد إلى ذلك الحصن ، وإلى جانبه رَبَضٌ فيه الهوى ، والشياطين تختلف إلى ذ لك الرَّبض من غير مانع ، والحرب قائمة بين أهل الحصن وأهل الرَّبض ، والشياطين لا تزال تدور حول الحصن تطلب غفلة الحارس والعبور من بعض الثلم ، فينبغي للحارس أن يعرف جميع أبواب الحصن الذي قد وُكِّلَ بحفظه ، وجميع الثلم ، وأن لا يفتر عن الحراسة لحظة ، فإن العدو ما يفتر .

ص55 .

 

4 ـ وربما هجم الشيطان على الذكي الفطن ، ومعه عروس الهوى ، وقد جلاَّها ، فيتشاغل الفطن بالنظر إليها ، فيستأسره . وأقوى القيد الذي يُوثِقُ به الأسرى الجهل ، وأوسطه في القوة الهوى ، وأضعفه الغفلة ، وما دام درع الإيمان على المؤمن ، فإن نبل العدو لا يقع في مقتل .

ص56 .

 

5 ـ قال الخطابي : وكان بعض مشايخنا يروي الحديث أن النبي نهي عن الحِلَق قبل الصلاة يوم الجمعة ؛ بإسكان اللام .

 

قال : وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلقُ رأسه قبل الصلاة . فقلتُ له : إنما هو الحِلَق ؛ جمع حَلَقة ، وإنما كرِهَ الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة ، وأمر أن يُشتغل بالصلاة ، وينصت للخطبة . فقال : قد فرَّجْتَ عليّ . وكان من الصالحين . وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب ، ويكثر السماع ، ولا يفهم ما حصل ! .

ص130 ـ 131 .

 

6 ـ ومن تلبيسه عليهم ( الفقهاء ) : أن يُحَسِّنَ لهم ازدراء الوُعَّاظ ، ويمنعهم من الحضور عندهم ، فيقولون : من هؤلاء ؟ هؤلاء قُصَّاص !

 

ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع . والقُصَّاصُ لا يُذمٌّون من حيث هذا الاسم لأن الله عز وجل قال : ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) وقال : ( فاقصص القصص ) . وإنما ذُمَّ القُصَّاص ، لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ، ثم غالبهم يخلط فيما يورده ، وربما اعتمد على ما أكثره محال . فأما إذا كان القصص صدقاً ، ويوجب وعظاً ؛ فهو ممدوح . وقد كان أحمد بن حنبل يقول : ما أحوج الناس إلى قاص صدوق.

ص138 .


 

فهد الجريوي
  • مع القرآن
  • مع السنة
  • العلم والعلماء
  • انتقاءات متنوعة
  • الصفحة الرئيسية