اطبع هذه الصفحة


لقاء إذاعي بعنوان :
كيف نعيش شعائر العيد

د.عبدالله بن معيوف الجعيد
@abdullahaljuaid

 

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمدُ لله ربِ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على خيرِ خلقِ اللهِ أجمعين سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمدِ بن عبدِ اللهِ، وعلى آلهِ وصحبهِ ومن تبعهُ بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.
أما بعد: فإنَّ الأمةَ الإسلاميةَ تعيشُ في هذا الوقتِ من كلِّ عامٍ خيرَ الأيَّام، وهي أيامُ العشرِ من ذي الحِجَّةِ التي أقسمَ اللهُ ¸ بها في كتابهِ العزيز فقال:
{وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ }.

فهي أيامٌ وليالٍ شريفةٌ فاضلةٌ، يعمرُها ذكرُ الله وشكرُه، وأعظمُ الطاعاتِ والعبادات.

وهي خيرُ الأيامِ للاستكثارِ من الأعمالِ الصالحات، فقد قالَ صلى الله عليه وسلم :
«ما مِن أيَّامٍ أَعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أَحَبَّ إلَيهِ مِنَ العملِ فيهِنَّ مِن هذِه الأَيَّامِ العَشرِ؛ فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ».
أخرجه الإمام أحمد وأصله في البخاري ومسلم.


وقد كان بالأمسِ يومُ عرفةَ، وهو من خيرِ الأيّامِ عندَ الله، أما اليومَ وهو اليومُ العاشرُ من ذي الحجةِ فهو يومُ الحجِّ الأكبرِ، يومُ عيد الأضحى، يومُ النَّحر، وبعده ثلاثةُ أيَّام معدوداتٍ أمرنا اللهُ فيها بذكرِه.


العيد شعيرة من شعائر الإسلام

عن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ».
رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.


فالعيدُ سواءً كان عيدَ فطرٍ أو عيدَ أضحى من شعائرِ الإسلامِ ومظاهرهِ الجليلةِ، والتي تتجلَّى فيها رحمةُ اللهِ ¸ لعبادهِ المؤمنين، فالاهتمامُ بإحياءِ شعائرِ العيدِ وتعظيمُها من تعظيمِ شعائرِ اللهِ ¸، قال تباركَ وتعالى:
{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.

وليسَ العيدُ بلبسِ الجديدِ، والتفاخرِ بالعددِ والعديد، وإنما هو يومُ فرحٍ وسرورٍ لمن طابت سريرتُهم، وأخلصوا نيتَهم للهِ ¸، وأقبلوا عليه بالطاعاتِ في مواسمِها، وهو يومٌ يفرحُ فيه المؤمنون بطاعاتِهم وقرباتِهم إلى اللهِ ¸.

وترتبطُ الأعيادُ في الإسلامِ ارتباطًا بعباداتٍ مِن أصولِ الدينِ وأركانِ الإسلامِ، فعيدُ الفطرِ بعدَ ركنِ الصيامِ، وعيدُ الأضحى بعدَ ركنِ الحج.

كما أنَّ العيديْن مرتبطانِ بعبادةِ ذكرِ اللهِ تعالى، وهو عبادةٌ جليلةٌ، قال الله تعالى عنه، (ولذكر الله أكبر)، فشعارُ المسلمين في العيدِ: التكبيرُ والتهليلُ والتحميدُ، كما أن العيديْن تعتبرُ الصلاةُ شعيرةَ فيهما تُسمَّى صلاةَ العيديْن.

كما أن العيديْن يرتبطانِ بأفضلِ الأزمنةِ، فعيدُ الفطرِ يأتي بعدَ العشرِ الأواخرِ من شهرِ رمضانَ التي هي خيرُ ليالي العام، وعيدُ الأضحى يأتي بعدَ الأيامِ العـشرةِ الأولى من شهرِ ذي الحِجةِ التي هي خيرُ أيامِ العام.

فالأعيادُ الإسلاميةُ مواسمُ للأعمالِ الصالحةَ التي تنفعُ العبادَ والمجتمعاتِ، وتحملُ في طيَّاتِها دلالاتٍ متعددةً تحثُّ على العملِ لإصلاحِ نفسهِ واغتنامِ الأيامِ الفضيلةِ والتعرُّضِ فيها للنفحاتِ الإلهيةِ بالإكثارِ من الأعمالِ الصالحةِ وإتقانِها.

ولا يقتصرُ ذلكَ على الأعمالِ الفرديةِ، وإنما يتعدَّاها وصولًا إلى المشاركةِ في الأعمالِ التي تعودُ بالنفعِ على المجتمعِ الإسلاميِّ ككل، والمشاركةِ الإيجابيةِ في تقدمِ المجتمعاتِ والتعاونِ والتكاتفِ بينَها.
 

شعائر عيد الأضحى

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ». رواه أبو داود وصححه الألباني.

فقد أوضحَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ أن يومَ الأضحى هو خيرُ الأيامِ عندَ اللهِ ¸ يليه يومُ القَرِّ وهو اليومُ الثاني لعيدِ الأضحى الذي يقِرُ فيه الحجيجُ بمنى. قال الإمام ابن القيم ¬: (
يومُ النحرِ هو يومُ العيدِ، وهو يومُ الحجِ الأكبر، وهو يومُ الأذانِ ببراءةِ اللهِ ورسولهِ من كل مشركٍ).

وقد سبقت الإشارةُ إلى أن الأعيادَ في ديننا الإسلامي شُرعتْ عَقبَ أزمنةٍ فاضلةٍ وأوقاتٍ مباركةٍ، وأن اللهَ ¸ شرعَ أعمالًا صالحةً وعباداتٍ لها أجورٌ عظيمة ومنافعُ كثيرة.

وعيد الأضحى تختمُ فيه العشرُ الأوائلُ من شهرِ ذي الحجةِ والتي ميزها اللهُ بأن فيها اجتماعًا لعباداتٍ لا تتأتَّى في غيرها من الأيام، فقد شَرعَ فيها الحجَ والصلاةَ والصيامَ والصدقةَ وغيرَها من أوجهِ العباداتِ وللعيدِ مجموعةٌ من الشعائرِ التي نتعبدُ اللهَ ونتقربُ إليه بها.

ومن شعائرِ عيدِ الأضحى المبارك: التكبيرُ، وصلاةُ العيدِ، وذبحُ الأضاحي، وإشاعةُ مظاهرِ الفرحِ والسرورِ، وصلةِ الأرحامِ، والإحسانُ إلى الفقراءِ والمساكينِ.


أولا: التكبير:


التكبيرُ هو الشعارُ الجامعُ الذي أقرَّهُ الشرعُ الحنيفُ لعيدِ الأضحى المبارك، حيثُ يبدأُ المسلمون التكبيرَ فرادى وجماعاتٍ من يومِ عرفةَ وذلكَ بقولهم:
(اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، ولله الحمد، اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحدَه، صدق وعدَه، ونصر عبدَه، وأعز جندَه، وهزم الأحزاب وحدَه، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إيَّاهُ، مُخْلِصِين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا).

ويكثرون من هذا التكبيرِ في جميعِ أوقاتِهم سواءً بعد الصلواتِ المفوضةِ أو في سائرِ اليومِ، وفي الطرقاتِ والأسواقِ، ويستمرُّ هذا التكبيرُ خلالَ أيامِ العيدِ الأربعةِ: يومُ النحرِ، وأيامُ التشريقِ الثلاثةِ.
وذلكَ استجابةً لقولِ اللهِ ¸:
{وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، وتشبهًا بالحجاجِ وعملًا بسنةِ النبي صلى الله عليه وسلم .

ثانيا: صلاة العيد:


صلاةُ العيدِ سنةٌ مؤكدةٌ عن النبي صلى الله عليه، يجبُ على المسلمين الحفاظُ عليها وإقامتُها في وقتها كما فعلَ صلى الله عليه وسلم ، وتوقيتُ صلاةِ عيد الأضحى يبدأُ من بعدِ طلوعِ الشمسِ بمقدارِ رمحٍ، ويمتدُّ إلى ما قبلَ الزوالِ، أما إذا لم يعلمِ الناسُ وقتَ العيدِ إلا بعدَ زوالِ الشمسِ فإنهم يؤدونَ صلاةَ العيدِ في اليومِ التالي.

ولا يذبحون الأضاحيَ إلا بعدَ أن يؤدوا صلاةَ العيد.

أما كيفيةُ صلاةِ العيد فهي ركعتان يصلي بهما الإمامُ بالناسِ من غيرِ أذانٍ ولا إقامة، ويكبرُ الإمامُ سبعَ تكبيراتٍ مع تكبيرةِ الإحرامِ في الركعةِ الأولى، أما الركعةِ الثانيةِ فيكبرُ فيها خمسَ تكبيراتٍ بعدَ تكبيرةِ الإحرام.

ويُسنُّ للإمامِ أن يقرأَ في الركعةِ الأولى بعدَ فاتحةِ الكتابِ سورةَ الأعلى، وفي الركعةِ الثانيةِ بعدَ سورةِ الفاتحة سورةَ الغاشية ، كما يسن له قراءةُ سورةِ (ق) في الركعةِ الأولى وسورةِ القمرِ في الثانية، ويُسنُ للإمامِ التنويعُ فيقرأُ مرةً بهذه وأخرى بتلك.

وبعدَ أن يفرُغَ الإمامُ من الصلاةِ يقومُ فيخطبُ في الناسِ ويبدأُ خطبَتَهُ بحمدِ اللهِ ¸ وشكرِهِ والثناءِ عليه بما هو أهلٌ له، ثم يبينُ للناسِ الأحكامَ المتعلقةِ بذبح الأضاحي.


ثالثا: ذبح الأضاحي:


يسعى كلُ مقتدرٍ من المسلمين إلى اغتنامِ فرصةِ عيدِ الأضحى المبارك بالتقربِ إلى اللهِ ¸ بذبحِ الأضحيةِ، فهي من الشعائرِ العظيمةِ لعيدِ الأضحى، كما أنَّ لذبحِ الأضاحي ثوابًا عظيمًا.
فالأضحيةُ من السننِ المؤكدةِ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد شرعها اللهُ ¸ في كتابهِ حيثُ قال:
{إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}.
وقد كان من سنةِ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يتولى ذبحَ أضحيتهِ بنفسهِ.

فعن عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ:
«ضَحَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ». رواه البخاري.

وللأضحيةِ فوائدُ كثيرةً، ففضلًا عن أنها من شعائرِ اللهِ، فإن الذبحَ والتقربَ إلى اللهِ بالقرابين من أجلِ العباداتِ وأعظمِ الطاعاتِ التي يتقربَ بها العبدُ إلى ربهِ.

فعن عَنْ عَائِشَةَ ~ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلاَفِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا». رواه الترمذي وحسنه.

وقد رُويتْ أحاديثُ في فضلِ الأضحيةِ تكلم علماءُ الحديث في صحةِ هذه الأحاديث ِعن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيما ذكرناه كفاية.

ويبدأَ وقتُ ذبحِ الأضحيةِ من بعدِ الانتهاءِ من صلاةِ العيدِ إلى ما قبلَ غروبِ شمسِ اليومِ الثاني من أيامِ التشريق.

ولا يجوزُ ذبحُ الأضاحي قبلَ صلاةِ العيد وذلكَ لما جاءَ في حديثِ جُنْدَبِ بْنَ سُفْيَانَ البَجَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ
: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ». رواه البخاري.

رابعا: إشاعةٌ الفرحِ والسرورِ بين المسلمين:


مما جاءَت بهِ السنةُ مما يُشرعُ في العيدِ: إظهارُ الفرحِ والـسرورِ والتوسعةُ على النفسِ والأهلِ والأقاربِ والأصدقاءِ في أيامِ العيدِ والترفيهِ بالمباحاتِ شرعًا.

فهذه الأمورُ مما يتقربُ بها المسلمون إلى ربِّهم في أيامِ العيدِ، بل هي من مقاصدِ العيدِ فما جعلَ اللهُ العيدَ إلا ليفرحَ فيهِ المسلمون بطاعاتِهم والأعمالِ الصالحةِ التي يتقربون بها إلى اللهِ ¸.

ومن مظاهرِ إظهارِ الفرحِ والسـرورِ: صلةُ الأرحامِ، وزيارةُ الأقاربِ والأصدقاءَ والجيران.

ويُسنُ تبادلُ عباراتِ التهاني بأي لفظٍ من الألفاظِ المعروفةِ مثلُ تقبلَ اللهُ منا ومنكم سائرَ الأعمالِ الصالحة، وعيدُكم مبارك، فقد كان الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهم إذا التقوا يومَ العيدِ قالَ بعضُهم لبعض: (تقبلَ اللهُ منا ومنك).

وكما حثنا الشرعُ على إشاعةِ مظاهرِ السرورِ والبهجةِ في أيامِ العيدِ والترويحِ عن النفسِ في هذه الأيامِ المباركات، فقد شرعَ لنا أن نتلذذَ بما أباحَ اللهُ لنا من الطيباتِ في هذه الأيامِ فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
«يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ». رواه الترمذي وصححه

خامسا: صفاء النفوس وإفشاء روح التسامح:


 ومن الواجبِ علينا أن نحرصَ في هذه الأيامِ على صفاءِ النفسِ وتنميةِ مشاعرِ المحبةِ والمودةِ في المجتمعِ المسلمِ وسريانِ روحِ التآخي بين أفرادِ هذا المجتمع.

وإشاعةُ مثلِ هذه المشاعرِ في المجتمعِ المسلمِ في عيدِ الأضحى تقودُ الناسَ إلى الاجتماعِ والوحدةِ والتعاونِ على البرِ والتقوى، وشكرِ اللهِ ¸ وإعلاءِ ذكرِهِ ونشـرِ البهجةِ والسعادةِ بينَ أفرادِ المجتمع المسلم بمختلفِ طبقاتهِ، كما أن عيدَ الأضحى مناسبةٌ كريمةٌ تظهرُ من خلالها الصورةُ النموذجيةُ الراقيةُ للمجتمعِ المسلم، والتي ضربَ لها نبيُنا صلى الله عليه وسلم المثلَ بالجسدِ الواحدِ في التلاحمِ.

فعن عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم :
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

كما أن العيدَ مناسبةٌ مهمةٌ وفرصةٌ عظيمةٌ لإفشاءِ قيمةِ التسامحِ بين الناسِ، فهو مناسبةٌ متجددةٌ يتقاربُ فيها الناسُ من بعضهم؛ لينسوا ما بينهم من خلافاتٍ وينبذُوا ما بينهم من عداواتٍ، ففي هذه الأيامِ فرصةٌ عظيمة لنـشرِ قيمِ الخيرِ، مثل التسامحِ في المجتمعِ المسلمِ، والتي تعتبرُ الأساسَ الذي تقومُ عليه وحدةُ المجتمع المسلم، وسببَ قوتِه وعزتِه وتميزِه عن غيرهِ من المجتمعات.


سادسا: الإحسانُ إلى الفقراءِ:


تقترنُ شعائرُ عيدِ الأضحى المبارك بمعاني الإحسانِ الجليلةِ، ففي هذا اليوم الذي يمتلئُ بالتكبيرِ والتقربِ إلى اللهِ ¸ بالأضاحي، تظهرُ معاني الإحسانِ من أغنياءِ المسلمين إلى فقرائهم بتقديمِ لحومِ الأضاحي لهم، وسواءً كانت هذه الأضاحي من الحجاج في مكةَ أو من سائرِ المسلمين، فإنها ترسلُ إلى الفقراءِ لتتقاربَ من خلالها قلوبُ الفقراءِ والمساكين من المسلمين مع أغنيائِهم.

ويترتبُ على هذه الظاهرةَ التي يختصُّ بها المجتمعُ الإسلامي انتفاءُ مظاهرِ الحاجةِ والفاقةِ، حيثُ يأكلُ الفقراءُ والمحتاجون مما يأكلهُ الأغنياء، وهو ما يعززُ مظاهرَ الإحسانِ والسعادةِ بين أفرادِ المجتمع المسلم، الأمرُ الذي يسهمُ في تعميقِ التآخي بين أفرادِ المجتمعِ المسلمِ ويرسخُ عقيدةَ الإيمانِ لديهم لتتصلَ نفوسُهم باللهِ برباطِ التقوى.


سابعا: العبادةُ في عيدِ الأضحى:


إن شيوعَ مظاهرِ الفرحِ والسرورِ في العيدِ من إقامةِ شعائرِ اللهِ ¸ التي أمرَ بها، إلا أن المسلمَ يحرصُ على ألا يجعلَ اللهو واللعبَ هو الغالبَ على وقتِه في العيد حتى لا يلهيَه ذلك عن العبادةِ.

فالمسلمُ كما يحرصُ على أن يُظهرَ الفرحَ والسرورَ على نفسهِ وأهلهِ يجبُ عليه أن يحرصَ على أن يؤدي العباداتِ المفروضةَ في هذه اليومِ على أكملِ وجهٍ شكرًا للهِ تعالى على نعمه.

فالمقتدرُ يذبحُ الأضحيةَ ويتقربُ بها إلى الله، والحجاجُ يكملون ما عليهم من مناسكَ الحجِ، أما سائرُ المسلمين فيلتزمون بأداءِ العباداتِ اليوميةِ كالصلاةِ والذكرِ والتسبيحِ، بالإضافةِ إلى صلةِ الأرحامِ وزيارةِ الأقاربِ والجيرانِ والأصدقاء، ولا يتركُ فيه الأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر.

كما يُسنُ للمسلمين شراءُ الملابسِ الجديدةِ أو ارتداءِ أحسنِ الملابسِ في يومِ العيد، فقد كان النبيُ صلى الله عليه وسلم يلبسُ يومِ العيدِ بردةً حمراءَ.

ويُسنُ الخروجُ إلى صلاةِ العيدِ مع الزوجةِ والأبناءِ ليشهدوا الصلاة، كما يُسنُّ في عيد الأضحى بالخصوصِ تأخيرُ الإفطارِ إلى ما بعدَ الصلاةِ ليأكلَ من يضحي من أضحيتهِ، وقد كانَ النبيُ صلى الله عليه وسلم لا يَفطرُ إلا عندَ رجوعهِ من الصلاة.

--------------------------
أذيع في إذاعة نداء الإسلام يوم عيد الأضحى عام 1442
 

 
  • المقالات
  • العمل الخيري
  • الكتب
  • الصفحة الرئيسية