اطبع هذه الصفحة


انطلق على بركة الله.. وكُنْ داعيًا إلى الله..!

د. عبدالله بن معيوف الجعيد
@abdullahaljuaid

 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ والسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَبِيِّنَا مُحمَّدٍ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ ومَنْ وَالَاهُ.

أما بعد أخي المسلم فانطلق على بركة الله.. وكُنْ داعيًا إلى الله..!

فهذا شابٌّ في منتصف عمرِه يملُّ من حياته.. ينام ويصحو .. ثم ينام ويصحو..

كلَّ يومٍ يستيقظ وينام على سؤال يراوده: ما هذه الحياة التي لا تحتمل؟ هل الدنيا طعام وشرابٌ وعملٌ دائبٌ شاقٌّ ليلَ نهارَ؟!

كلَّ يوم يواجهه كمٌّ هائلٌ من المشكلات والأزمات التي لا تكاد تنتهي إحداها إلا وتبدأ أخرى.. أزماتٌ مع صاحب العمل.. مع الجيران.. ومع الأهل والخاصة والأصدقاء..

هل أنا أعاني من مرضٍ نفسي؟ وماذا يكون؟ هل أعاني من الاكتئاب.. هل أعاني من عقدة نفسية ؟؟

 ثم ينامُ ويصحو على هذه الحال.

كان شابًّا على قدرٍ متوسط من الاطلاع الشرعي والعلم في الدين..

يحفظ بعض السورِ وآيات من القرآن.. ويعرف جملةً لا بأس بها من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.. ويعلم أن من الأحاديث صحيحٌ وضعيفٌ وحسن.. ووتمتلئُ نفسه بحقيقةٍ واحدة تعينه على الصبر على نوائب الدهر وملمات الحياة.. لا يفتأ يردُّد علانيةً وسرًّا: المؤمن مبتلًى.

كان يُصبِّر نفسه بالنتيجة غير المضمونة.. هل يمكن أن أكون محبوبًا لله؟ وهل أنا مبتلًى بلاء أحباب الله الذين يمحصهم بالبلاء؟  ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أحب الله عبدًا ابتلاه"؟

كان حديثُ الشابِّ نفسَه في حدِّ ذاته مشكلةً.. وكانت حياته عبارةً عن أزمةٍ مستحكمة..

وكانت جحيمًا من القلق والاضطراب وعدم الرضا.

وباختصار كانت حياتُه أمواجا من التخبط.. يصحو كاسف البال، وينام على غير رجاءٍ في يومِه التالي.

غيرَ أنه كانت في حياته البئيسة المظلمة نقطةُ ضوءٍ خافت.. ظلَّت تتراقص أمامَ عينيه فتبعث في نفسه الأملَ.. وتمتد على طول طريقه كشعاع شمس الشتاء حين يطلع فيبدِّد الضباب.

إنَّها معرفته بأنه يحيا مشكلةً ويعيش أزمة، ويجب عليه أن يوجد منها مخرجًا ويستنبط حلاًّ... فانطلق!!

انطلق يطرح الحلول..

تارةَ يقول: أبدأ تجارةً كبيرة وأستكثرُ من المال؛ لأن في المال سعادة لا تتخطاها أعين الناظرين، والمال وحده قادرٌ على أن يحل لي مشكلتي؛ بل إنه يحلُّ كافة المشكلات..

ثم يقول: لا.. وكأيِّن من غني هو أشقى مني.. بل لعلي عندما أصبح غنيا أكون أشقى مني اليوم..

لا.. لا.. ليس هذا حلًّا.

ثم سائل نفسه: هل أنكب على الرياضة، وأستغرق في اللعب؟ وهل خُلق الإنسان منا ليلهو ويلعب؟ وهل تطرد الرياضة واللعب هذه الأفكار السوداوية من رأسي؟

لا أعتقد .. بل لعلها تزيدُها..

وماذا يفيدني اللعب إذ أظل وبالي مشغولٌ وفكري مشتَّتٌ؟

كلُّ ما في الأمر اهتمامٌ بجسدي، وفي المقابل أترك عقلي وروحي نهبَ الشيطان!

لا.. إن هذا ليس حلا.

إذن فلأنكبَّ على طلب العلم.. فأقتنيَ مزيدًا من الكتب..

ألست أحبُّ القراءة؟ ألست أجد فيها تسليتي ومتعتي؟

 والقراءة ـ بلا شك ـ ستشغلني عن التفكير السوداوي.. ثم ما أكثر من ينصحون بمعالجة الاكتئاب بالانكباب على القراءة.. فلأستزدْ إذن منها..

وبينما هو مستغرقٌ في شكواه لنفسه، يعصِف ذهنَه الحادَّ ليستخرج منه حلاًّ لإشكالاته التي ما تزال تراوده أنى توجه.. إذا بآيةٍ من كتاب الله تملأ أصداءَ المكان وتـسري إلى روحِه.. وتلامس شعورَه لأول مرةٍ، وهي قول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33] .

وإذا بصدى هذه الآية يغسل روحه، ويضيء حياته؛ فهبَّ يصيح: نعم.. نعم.. سأكون داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى.

فلو  كنتُ موظفًا بدواميْن، ووظيفتيْن لن يمنعَني ذلك من أكونَ داعيًا إلى الله تعالى.

ولو كنتُ تاجرًا ذا مشاريعَ تجاريةٍ لن يَحولَ ذلك بيني وبين الدعوة إلى الله تعالى.

ولو كنتُ طبيبًا أو ممرضًا أو مسعفًا سأظل داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى.

ولو كنتُ طالبًا أو معلمًا أو باحثًا أو عالمًا فسأكونُ داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى.

لو كنت غنيًّا أو فقيرًا أو عزَبًا أو متزوجًا، أو رجلًا أو امرأةً، أو صغيرًا أو  كبيرًا، أو متعلمًا أو غيرَ متعلم ... سأكون داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى على كل حال.. لأن محيايَ ومماتي لله رب العالمين.

والدعوة إلى الله هي سبيلُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأتباعِه..

وهيَ السبيلُ الواسعُ المستقيمُ الذي يجمعُ أشتاتَ السائرين إلى الله المبتغين لرضوان الله، وليس هناك سبيلٌ غيرُه يجمعهم، والله سبحانه وتعالى وتقدس منـزَّهٌ عن أن يكون في حاجةٍ إلى دعاة إليه..!! بلْ نحنُ العبادَ في أمسِّ الحاجة لأن نصيرَ دعاةً إلى الله..!!

إنها الدعوة إلى الله تعالى هي العلاجُ الناجعُ المضمون لما نستشعره في حياتنا من ذهاب أوقاتنا سُدًى، وهي المخرج من الأسئلة التي تلفُّ الحياة؛ فتجعلها لا معنى لها.

ثمَّ أخذ هذا الشابُّ الموفَّق يبحث ويستغرق تفكيرَه في جواب السؤال الذي بدأ يملأ وجدانه سعادةً، وحياته نعيما، ووقته شغلا: كيف أصبحُ داعيًا إلى الله..؟

فأنا منطلق على بركة الله .. داعيا إلى الله.. فاللهم إنا نسألك سؤال الصادقين أن تتخذنا دعاةً لدينك.. وأن تحشرنا في زمرة رسلك وأوليائك وخاصتك.. آمين.


 

 
  • المقالات
  • العمل الخيري
  • الكتب
  • الصفحة الرئيسية