اطبع هذه الصفحة


توجيهات رمضانية (10)

تربية الأولاد في رمضان

خالد بن علي الجريش


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد،،
إن نعمة الأولاد هي من زينة الحياة الدنيا وهم من كسبنا ويُرجى أن يكون عملهم من سعينا، فيُكتب لنا مثل أجورهم، فهم قُرة أعيننا بإذن الله تبارك وتعالى، وهم كأكبادنا وقلوبنا نُحب لهم ما نُحبه لأنفسنا ونكره لهم ما نكرهه لأنفسنا، وهذه فطرة فطرها الله في قلوب الوالدين، وتِباعًا لهذا تعيّن على الوالدين مقابلة ذلك الجانب بالتربية الجادة الصالحة في كل وقت عمومًا، وفي شهر رمضان على سبيل الخصوص، حيث إن شهر الصيام شهرٌ تهيّأت فيه النفوس للقبول، لقُربها من بعض ولخضوعها وخشوعها في صيامها، ولتصفيد الشياطين المردة ونحو ذلك، فكان التركيز في التربية خلال هذا الشهر فرصة للأبوين الكريمين أن يهتما في هذا الجانب، ويعتبرا شهر رمضان دورة تربوية إيمانية للأولاد، وهما القدوة في هذه الدورة المباركة، وإنني في هذا الموضوع سأطرح عليك أخي الكريم خمس عشرة وقفة لعلها تكون زادا لي ولك في هذا الباب، وفقك الله وأعانك.

الوقفة الأولى:
عليكما أخي الأب وأختي الأم بناء الارتباط معهم والاندماج في هذا الشهر أكثر من غيره، وذلك لتغيّر الجو الرمضاني عن الشهور الأخرى سواءً في العبادات الخاصة به أو العادات في طبيعة الناس بهذا الشهر، فهي تحتاج إلى نوع من التهيئة والتفاهم والتوازن حتى ينجح مشروعنا التربوي مع أولادنا خلال هذا الشهر المبارك.

الوقفة الثانية:
توجيه الأولاد في حُسن استثمار لحظات هذا الشهر وساعاته من خلال الجلسات العادية العائلية أو الأحاديث الثنائية معهم أو رسائل الواتس ونحو ذلك، بحيث يفهم هؤلاء الأولاد أهمية التوازن في حياتهم خلال هذا الشهر بين المرح والجد والنوم والعبادة ونحوها، فإن هذا يدفعهم بإذن الله تعالى إلى الشعور الإيجابي في معرفة حاجتهم التربوية والإيمانية للاستفادة من شهر رمضان المبارك.

الوقف الثالثة:
على المربي والمربية في هذه الأسرة عقد جلسة شبه يومية ولو كانت قصيرةً مع الأولاد أو بعضهم للحديث التربوي والإيماني عن مزايا هذا الشهر وفضائله، فإننا بذلك نبني هؤلاء الأولاد تربويًا وعلميًا وسلوكيًا، خصوصًا إذا جعلناهم فاعلين مشاركين في هذه الجلسة التربوية مع ما يكون فيها من مشوّقات من مأكول أو مشروب أو هدايا خفيفة ونحوها، مع تكليفهم أحيانًا بالطرح أو التعليق وقد نجحت كثير من الأسر في هذا الجانب في شهر رمضان وغيره، وكافيك من هذا المجلس المبارك حلول الملائكة في هذا البيت ونزول السكينة وغشيان الرحمة وأن يذكرهم الله تعالى في من عنده، ومِن واقع تجارب في هذا المجال فإن تلك الجلسات كان لها الأثر الفعّال والقوي في حلّ كثير من المشاكل الأسرية، كيف لا وهو متوافق مع الفطرة فلا يُصادمها ولا يُضادها فكن أخي وأختي من السابقين إلى مثل هذا المنشط في جميع شهوركم فأنتم الرابحون قبل أولادكم، كما يمكن أن يكون من نقاط هذا البرنامج سؤال أسبوعي أو يومي ويهدف هذا السؤال إلى جانب تربوي وعلمي يُستهدف فيه الأولاد، ويكون التكريم فيه فوريًا أو في نهاية الشهر.

الوقفة الرابعة:
إن أولادنا بحاجة إلى أن نناقش معهم أهمية قراءة القرآن من خلال هذا الشهر المبارك، وكيف يكون برنامجهم فمن الممكن أن يكون لكل واحد منهم ما يناسبه في هذا البرنامج قلةً وكثرة من القراءة، نظرًا للفروق الفردية بينهم، لكن الجميع بحاجة ماسة إلى لمساتك معهم وتوجيهاتك لهم حيال ذلك، فجلسة واحدة مع كل واحد منهم يُمكن فيها رسم برنامجٍ للشهر كاملا، كما أنهم بحاجة إلى التشجيع والتحفيز اللفظي فهو يعني لهم الكثير في تقوية العزيمة وشد الأزر ولعل هذا يعود للأبوين الكريمين مثله من الأجر حيث بذلا جُهدًا كبيرًا فيه.

الوقفة الخامسة:
إدراك فترة المراهقة وأنها تغير نفسي وعضوي ومزاجي فعلى الأبوين الكريمين معرفة ذلك، والتعامل معه بالطريق الأمثل لأن هذا هو زمن الولادة الثانية للأبناء، ليخرجوا من حياض الطفولة إلى حياض الرجولة فهم سيُرى منهم ما يحتاج معه الأبوان إلى الصبر والتوجيه المناسب، والسؤال عما أشكل في معاملتهم، فهي مرحلة لها برنامجها وتعاملها الخاص، فلا تغضب عندما تسمع أو ترى ما لا يُعجبك بل قُم بالتوجيه والتسديد والبيان والنظر في العواقب والمداراة حتى تسير تلك المرحلة بسلام، فهي مرحلة لها سماتها وصفاتها، ولها معاملتها الخاصة بها، فبعض الآباء يعامل المراهق وكأنه يُعامل رجلًا كبيرًا راشدا، فهو يريد من هذا ما يفعله هذا، وهذا لا يمكن أن يأتي دفعة واحدة، لكنه يحتاج إلى شيء من التأني والتوجيه والصبر، وسيوفق من هذا وصفه إلى النتائج الطيبة بإذن الله تبارك وتعالى.

الوقفة السادسة:
تعويد الأولاد في شهر رمضان خصوصًا وفي غيره عمومًا على الإحسان هو أمر مهم ومطلب طيب، فيُحسن الابن والبنت في لفظاتهم ونظراتهم وجلساتهم في أخذهم وعطائهم، وفي معاملتهم لربهم عز وجل في العبادة، وفي خدمتهم للآخرين بما يستطيعونه، وأيضًا بيان جزاء المحسنين وهو محبة الله لهم، ومعيّته ورحمته بهم وجزاؤه لهم بالإحسان، فسيكون هذا الابن وتلك البنت عضوًا فاعلًا في أسرته وفي مجتمعه.

الوقفة السابعة:
إن كان الخطاب موجهًا إلى الآباء والأمهات في التربية، فمن جانب آخر نهمس في آذان الأولاد الكرام، بأن يأخذوا تلك التوجيهات بصدر رحب، فهي من أسباب صلاحهم وبرّهم وجمع كلمتهم على الحق والهدى، فإنهم هم الركن الآخر في التربية، وبهذا يتكامل العقد التربوي في تلك الأسرة.

الوقفة الثامنة:
جميل جدًا تعويد أنفسنا وأولادنا على الجود والصدقة، لا سيّما في هذا الشهر المبارك، فلها قدرها فيه، ويُقترح في ذلك وضع صندوق في البيت يراه الجميع فيضعون فيه القليل والكثير، وفي نهاية الشهر يتم دفعه لمستحقّيه، ولعل هذا الشهر المبارك يكون انطلاقة في هذا المشروع لا سيّما أنه من الصدقة الخفية، التي يكون صاحبها تحت ظل العرش.

الوقفة التاسعة: إن تحفيز الأولاد وتشجيعهم على القيام بالوظائف الشرعية خلال اليوم والليلة أمر مهم جدًا وذلك كصلاة الوتر وركعتي الضحى والسنن الرواتب ونحو ذلك خصوصًا في شهر رمضان المبارك ليعتادوه فيكون سلوكًا لهم في سائر شهورهم وأيامهم.

الوقفة العاشرة:
علينا معشر الآباء عندما نريد إخراج زكاة الفطر أن نخرجها أمام أولادنا مع ما يصحب ذلك من توضيح لحكمها وحكمتها وأن يقوم الولد بنفسه بأخذها وقياسها، ثم تُدفع إلى الفقراء وبهذا يتخرج لدينا جيل يعلم حكمة الشرع وأحكامه، وإذا سلكنا هذا المسلك في أمورنا الأخرى فإن هذا الجيل سيكون واعيا وداعيا .

الوقفة الحادية عشرة:
من المطالب المهمة أن يفقه الأولاد معنى قوله عليه الصلاة والسلام (أو ولد صالح يدعو له) فحثّهم على هذا وتعليمهم إيّاه وتذكيرهم به هو من المكاسب العظيمة للوالدين، فلربما سعدا بدعوة ولدهما.

الوقفة الثانية عشرة:
لعله من المناسب أن يكون من برنامج الأسرة أن يحفظ الأولاد خلال شهر رمضان كل يوم ذكرًا وأدبًا من الآداب ويصحب ذلك الحفظ التطبيق والتنفيذ مع معاهدتهم على المراجعة، فتكون من ضمن سلوكهم في جميع شهورهم ويُنتقى ذلك مما يدور معهم في يومهم وليلتهم، ويُقترح في ذلك كُتيّب جميل جدًا بعنوان (مائة حديث من الصحيحين في عمل اليوم والليلة) وهو من إعداد مكتب الدعوة وتوعية الجاليات في جنوب بريدة بالقصيم، ويمكن تنزيله من الشبكة، فهو مُختصر ومفيد.

الوقفة الثالثة عشرة:
لابد من الاهتمام بمعرفة ثواب وأجر قيام ليلة القدر والحث على ذلك كثيرًا وتشجيعهم على قيامها واصطحابهم ومعرفتهم قبل ذلك لأحكامها وفضلها وشد أزرهم على الصبر خلال ساعاتها ولحظاتها، فهي خير عظيم لنا ولهم.

الوقفة الرابعة عشرة:
اغرسوا في أنفس أولادكم قيمة المراقبة للنفس، حتى يكون الأولاد هم يراقبون أنفسهم ويكفونكم المؤونة في كثير من شؤونهم، فمراقبة الجوارح ومراقبة الأرض بشهادتها على ما عُمل عليها من خير أو شر، ومراقبة الملائكة وتسجيلهم للحسنات والسيئات، مثل هذا يُغرس في نفوسهم ليعرفوا تلك القيمة ويتعلموها عمليًا.

الوقفة الخامسة عشرة:
لا تنسوا الدعاء لهم في كل وقت، فهو من أسباب صلاح وإصلاح الذرية، بل ومن أهم الأسباب، وفي مقابلة سريعة مع أب يحفظ ابناؤه وبناته القرآن وشيئًا من السنة، ويظهر عليهم الصلاح والسكينة والبر، قيل له: ما أعظم سبب تراه في صلاحهم بعد توفيق الله تعالى لك ولهم؟ فقال هو أنني لم أغفل عن الدعاء لهم في معظم أوقاتي، خصوصًا ساعات الإجابة، فلنكن نحن كذلك معاشر الآباء والأمهات، فقد يبحث الأبوان كثيرًا عن حل لمشاكل الأبناء، وينسيان سببًا بين أيديهم وهو الدعاء والابتهال فاجعلوا ذلك من أولوياتكم، ولا تملوا فلا تعلموا متى يقال: وجبت، وأنتم على خير عظيم في جميع أحوالكم ما دمتم داعين مبتهلين.

نسأل الله تبارك وتعالى الصلاح والإصلاح في النية والذرية، وإلى حلقة أخرى وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

خالد الجريش
  • مقالات موسمية
  • توجيهات أسرية
  • الصفحة الرئيسية