اطبع هذه الصفحة


توجيهات رمضانية (9)

الدعاء، آدابه وفضائله

خالد بن علي الجريش


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه وصلى الله وسلم على نبيه وصفيّه من خلقه وعلى آله وصحبه وبعد،،
إن معرفة العبد بشدة افتقاره إلى الله تعالى وحاجته إليه، هي من أجل العبادات القلبية، حيث يستشعر كمال معنى قوله لا حول ولا قوة إلا بالله، فهو لا يمكن أن يصنع شيئاً لولا القوة من الله تعالى وإمداده له عز وجل، وعندما يستشعر العبد ذلك المعنى فإنه يحرص كثيرًا على الدعاء بشتى المطالب الدنيوية والأخروية، كيف لا والله تعالى يقول (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان) ويقول عز وجل (ادعوني أستجب لكم) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء) فأنت أخي الكريم في شهر الكرم، وتتعبّد بعبادة الدعاء، وهي من أكرم العبادات لرب موصوفٍ بالكرم، فهنيئًا لك هذا الدعاء وتلك العبادة.

ودونك أخي الكريم خمسٌ وعشرون مسألة في الدعاء ينبغي لنا معرفتها وتطبيقها والعناية بها، وهي على النحو التالي:

المسألة الأولى:
لماذا كان الدعاء من أفضل العبادات وأجلها؟ ذلك لأنّ الداعي موقن وصادق وموحّد همّه في ربه ومتوكل عليه، عالم بأنه لا يُعجزه شيء، مع ما يصحب هذا من الرضا والتسليم والتضرع والتذلل وغير ذلك من أمهات العبادات، فلهذا وأمثاله كان الدعاء بتلك المنزلة لأنه يجمع عددًا كبيرًا من العبادات الجليلة.

المسألة الثانية:
للدعاء آداب ينبغي العناية بها عند دعائك، وقد جمعها ابن القيم بقوله: (وإذا جَمع مع الدعاء حضور القلب وصادف وقتا من أوقات الإجابة مع خشوع في القلب وانكسار بين يدي رب العالمين وكان مستقبلًا للقبلة وعلى طهارة ورافعًا يديه ومتوسلًا بالاسماء الحسنى ونحو ذلك، فإن هذا الدعاء لا يكاد أن يُرد) ومن الآداب للدعاء أيضًا تكراره واليقين بالإجابة وبدايته بالحمد وختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتقديم الصدقة ولو يسيرة بين يدي الدعاء، فاستحضرها ولو في غالب دعائك.

المسألة الثالثة:
اعلم أنك عندما تدعوا الله تعالى فلن ترجع صفر اليدين، فإن الرب كريم وشكور، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إحدى ثلاث، إما أن تُعجّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نُكثر، قال: الله أكثر) أخرجه أحمد والحاكم وصححه الألباني.
فهو كسائر العبادات تكسب من خلاله الأجور والحسنات، ولو لم يحصل لك ما سألت، فكما أنك تسبّح وتهلل وتكبر لكتابتها في صحيفتك، فكذلك الدعاء يُكتب في صحيفتك، سواءً أُعطيت أم حُرمت.

المسألة الرابعة:
عليك بالتوسل في بداية الدعاء والثناء على الله فيه، فهو من مفاتيح الإجابة، وإن الآيات الثلاث الأولى من سورة الفاتحة قد جمعت لك الحمد والثناء والتمجيد، فقولك في أول دعائك: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين) جمعت بقراءتك لهذه الآيات الثلاث من أول سورة الفاتحة، جمعت الحمد والثناء والتمجيد، فجميلٌ استحضار ذلك حال دعائك، والاسم الاعظم لله تعالى قيل: هو الحي القيوم، وقيل هو لفظ الجلالة، يا الله، وقيل غير ذلك، وإن جمع بينهما فهي نور على نور.

المسألة الخامسة:
عليك في دعائك بجوامع الدعاء فإنها شاملة لكثير من التفاصيل التي يلفظها الداعي، كقولك (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) فهي شاملة للدنيا والآخرة، ونحو ذلك من الجوامع المبثوثة في الكتاب والسنة، وهذه الجوامع من الدعاء قليلة المبنى كثيرة المعنى، فاحرص عليها.

المسألة السادسة:
عند دعائك أثناء صلاتك كقنوت الوتر أو سؤالك عند آيات الوعد أو الاستعاذة عند آيات الوعيد وأنت تصلي النفل أو وأنت تصلي الفرض عند من يقول به، فلا ترفع بصرك إلى السماء حال الدعاء، فإنك حينئذ منهيٌّ عن رفع بصرك أثناء الصلاة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم) وفي رواية أخرى (أو لتُخطفن أبصارهم) رواه مسلم.

المسألة السابعة:
استحضر واستشعر الإحسان حال دعائك، والإحسان هو استشعارك أن الله تعالى يراك حال دعائك، فتصور هذا الموقف مستحضرًا فقرك وحاجتك وكرم الله تعالى وغناه، ورؤيته لك وسماعه دعاءك، وبيده ما تريد، فإن هذا يحثك على الرغبة والإكثار والصبر وعدم الملل، بل إنك باستشعارك هذا تعيش السعادة الكبرى، أرأيت سعادتك ولله المثل الأعلى عندما تتحدث مع أحد الكبار من القوم، ولك طلب يستطيعه وأنت بحاجة ماسة إليه، كيف تكون رغبتك وصبرك؟ فالدعاء أولى بهذا الصبر وتلك السعادة، في حين أنك تجد البعض مع الاسف يغفل وهو يدعوا وهذا لا شك أنه نقص في الحكمة والحنكة.

المسألة الثامنة:
ما وضعك أخي الكريم وقت السحر، في ذلك الوقت الفاضل الجليل، وقت نزول الرب جل جلاله إلى السماء الدنيا نزولا يليق بجلاله وعظمته ، ولا يليق بك في هذا الوقت العظيم إلا أن تستشعر عظمة الله تبارك وتعالى، فهو ينادي بالمغفرة والتوبة والإجابة، فما هي حالك في هذا الجو الإيماني العظيم، لا شك أن العاقل الحصيف يستثمر مثل هذا بأنواع العبادات من صلاة ودعاء وذكر بأنواعه، لكنّ الحرمان يطوّق أعناق بعض الناس بحيث لا يُفرّقون بين هذا وغيره، فتجدهم في أحاديث جانبية أو وسائل تواصل لا طائل من ورائها، في حين أن اقوامًا كان حظهم التوفيق، فقاموا وعبدوا الله تعالى بشتى أنواع العبادة، وجعلوا بقية أعمالهم العادية في أوقات هي لها، وإن كنت من الصنف الأول فلا تحرم نفسك ولو بكُليمات ترفعها في هذا الوقت الفاضل، تسأل الله تعالى من خيري الدنيا والآخرة، أو بالاستغفار ولو كان قليلًا، مقرونًا بتوبة ولو لدقائق معدودة، فهي خير عظيم.

المسألة التاسعة:
احفظ وحافظ على هذا الذكر فهو خير لك من الدنيا وما فيها، وهو الوارد في حديث عُبادة، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من تعارّ من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استُجيب له فإن توضأ وصلى قُبلت صلاته) رواه البخاري
فهذه كلمات يسيرة لنحفظها ويحفظها صغارنا وكبارنا ثم بعدها نتيجة عظيمة وهي المغفرة والقبول، فهنيئًا لتلك النفوس الطيبة التي امتثلت ذلك وجعلته لها منهجًا في رمضان وغيره.

المسألة العاشرة:
في حال سجودك تكون في أقرب أحوالك إلى الله، فاطلب ما تريد وتيقّن الإجابة ولا تستعجل فيه.

المسألة الحادية عشرة:
اجعل دعاءك أحد الأسباب لحل مشاكلك ولا تُغفله فإنه سبب كبير لحل المشاكل، فربما انحلت المشكلة بدعوة صادقة.

المسألة الثانية عشرة:
اسأل الله تعالى جميع حوائجك صغيرها وكبيرها، وإذا أُجيبت فاحمد الله تعالى عليها، فستجد نفسك دعوت وحمدت الله تعالى ما لا يُحصى كثرة، وقد يغفل بعض الناس في حوائجه الاعتيادية البحتة، عن سؤال الله تبارك وتعالى.

المسألة الثالثة عشرة:
ادع الله أحيانًا بما يتناسب مع الأسماء الحسنى، كقولك: يا غفور اغفر لي، يارحيم ارحمني، يا لطيف الطف بي، وهكذا، فإن هذا من التوسل بالأسماء الحسنى، وهو من أسباب الإجابة.

المسألة الرابعة عشرة:
إذا كنت في حال سفرك فعليك بالإكثار من الدعاء واعلم أنك تخوض في وقت الإجابة ذاهبًا وآيبا، قائمًا وقاعدا، فلا تغفل عن الدعاء حال سفرك في جميع حالاتك.

المسألة الخامسة عشر:
دعوة الصائم هي أقرب من غيرها، فأكثر من الدعاء حال صيامك، ولعل من سبب ذلك اقتران الدعاء بتلك العبادة وما يصاحبه من حال استكانة وخضوع حال الصيام.

المسألة السادسة عشرة:
علينا بتعويد صغارنا على الدعاء، فإن صحائفهم بيضاء نقية من الذنوب، فليُكثروا من الدعاء، أو لندعوا نحن وليأمّنوا هم على دعائنا فيكونوا دعوا بتأمينهم.

المسألة السابعة عشرة:
ساعة الجمعة ساعة عظيمة فاستثمرها حال صيامك وحال فطرك وهي في أرجح أقوالها على قولين، القول الأول: بعد عصر الجمعة، والقول الثاني: حين يدخل الخطيب حتى تُقضى الصلاة، وقد كان السلف يجتهدون في هذين الوقتين.

المسألة الثامنة عشر:
للإجابة أوقات ومواطن، ومن ذلك ثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وحال السجود، والسفر، وساعة الجمعة، وعند الأذان، وغير ذلك، فتذكرها وذكّر بها.

المسألة التاسعة عشرة:
تجنّب آفات الدعاء وموانع الإجابة، كأكل الحرام والاعتداء بالدعاء والظلم، ونحو ذلك.

المسألة العشرون:
احرص على الدعاء لغيرك، فلك بمثل ما دعوت، يقول الملك: آمين ولك بمثل، فهو دعاء مضاعف لك ولغيرك فإنك دعوت لغيرك ودعا لك الملائكة الكرام.

المسألة الحادية والعشرون:
لا تنس الدعوات الثلاث المجابة فاحذرها، ومنها: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد على ولده، فلربما كانت إحداهما سببًا لمشكلة عويصةٍ عظيمة.

المسألة الثانية والعشرون:
استشعر القرب الإلهي من الداعي حيث قال تعالى (فإني قريب) ولم يقل: (فقل إني قريب) اللهم لك الحمد على ذلك كثيرا فاستشعارك هذا يحفزك على الدعاء .

المسألة الثالثة والعشرون:
لا تستعجل الإجابة حال دعائك، لكن تيقّن أنك حائزٌ على عظيم الجوائز من رب كريم شكور.

المسألة الرابعة والعشرون:
إياك وغفلة القلب حال الدعاء فإن الغفلة والإجابة متباعدان، وقد ورد في الأثر لا يستجيب الله من قلب غافل لاهٍ.

المسألة الخامسة والعشرون:
هي موقف لأحد العبّاد الزهّاد نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، حيث جاء هذا الرجل إلى هجرة يقطنها بعض البادية في شدة الحر، وقد كانوا بحاجة ماسة إلى الماء، وليس عندهم ماء، فعزموا على الرحيل بحثًا عن الماء، فأشار عليهم بالاستسقاء، فواعدهم، وخرجوا، وصلى بهم واستسقوا، فنزل ذلك الماء الزلال على مكانهم دون غيرهم، فرغبوا بعد ذلك وجلسوا، ونسمع كثيرًا من بعض الصالحين أنه عندما يريد أن يستسقي يقول لأصحابه: غدًا سنستسقي إن شاء الله تعالى فانظروا في بيوتكم، في مداخلها ومخارجها وطُرقها حتى لا تتأثر سلبًا بكثرة الماء عليها، ثم يدعون الله تعالى فينزل عليهم الماء والمطر في الحال أو قريبًا منه، وذلك لسلامة قلوبهم وأحوالهم، والله المستعان وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

خالد الجريش
  • مقالات موسمية
  • توجيهات أسرية
  • الصفحة الرئيسية