اطبع هذه الصفحة


دراسة  عقدية لقضية تربوية ( السلوك ـ العمل )

محمد جلال القصاص


بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
 
دراسة  عقدية لقضية تربوية ( السلوك ـ العمل ) [1]
 

الهدف الرئيسي من العملية التربوية هو ضبط السلوك ـ العمل ـ  . أليس كذلك ؟!
بالطبع هو كذلك .
وهذه دراسة تتناول أربع  مسائل  تتعلق بالسلوك ـ العمل ـ  :
المسألة الأولى : من الذي إليه القول بأن هذا العمل  منحرف أم غير منحرف ؟
المسألة الثانية :  العمل  الظاهر  عند التحقيق نابع عن عمليتين داخل الإنسان .
المسألة الثالثة : كيف يمكن ضبط العمل الظاهر ( السلوك )  ؟
المسألة الرابعة : تطبيقات .
 
المسألة الأولى : من الذي إليه القول بأن هذا الفعل ( العمل أو السلوك )   منحرف أم غير منحرف ؟
أو بتعبير آخر من الذي يقول هذا العمل جيد وهذا العمل سيء ، الشرع أم العرف ؟
 هذه نقطة جوهرية لا بد من الفصل فيها قبل التحرك يُمنة أو يسرة .
فمن البديهي أن الحكم على الفعل ( العمل أو السلوك )  يختلف بحسب الناظر للفعل .
فمثلا الحياء ، في الشرع ( الحياء كله خير أو خيرٌ كله  )[2] ، وفي غير الشرع سلوك انطوائي وسلبي  ـ أحيانا ـ و يبحثون له عن علاج .وهم مخطئون .
وفي الشرع لعقُ الأصابعِ[3] ، وهم يتقذذون منه . وهم مخطئون .
وفي الشرع قد يكون ذات الفعل  مطلوبٌ في وقتٍ ومحرمٌ في وقت آخر  . مثلا  الكذب الأصل فيه التحريم ، وقد يعتريه الإباحة في حال الحرب وعلى الزوجة وفي الإصلاح بين المتخاصمين  ــ  والأمر ليس بإطلاق والتفاصيل في كتب الفقه ــ .
 
المسألة الثانية : هذا السلوك الظاهر  عند التحقيق نابع عن عمليتين داخل الإنسان .
الأولى : معرفةٌ . . . علمٌ . أيا كان طريقة  اكتسابه . وهو ما يسميه علماء العقيدة ( قول القلب ) .
الثانية : تفاعل بالوجدان .  وهو ما يسميه علماء العقيدة عمل القلب ، والمقصود به  ما تنشئه المعرفة الخبرية في ذات القلب . من محبة أو بغض . . . رغبة أو رهبة . . الخ .
 
ينتج من هاذين الأمرين ( المعرفة أو قول القلب ) و ( والتفاعل الوجداني ـ عمل القلب  ) السلوك ولا بد .
 
  يعرف  الإنسان فيفكر ويخطط  ثم ينفذ ... هذه مراحل ثلاثة موجودة في كل عمل  يقوم به كل إنسان .
 
  1  ـ مرحلة المعرفة الخبرية : و يسميها علماء العقيدة " قول القلب ”         
 2 – مرحلة التفاعل بالوجدان : ويسميها علماء العقيدة " عمل القلب "                                                                
3  – مرحلة التنفيذ   : ويسميها  علماء العقيدة " عمل الجوارح "    كل الجوارح ومنها اللسان  .
 
نعم هكذا  ...  يعرف الإنسان فيُحِب ويَطلب  ، أو يعرف فيكره ويَبْعد . فهي معرفة تُنشئ أثرا في القلب تنقاد بموجبه الجوارح  خيرا أو شرا  .. قوة أو ضعفا .
 
فمثلا يسمع  الإنسان  عن  الجنة ... أفنانِها وأنهارِها  وقصورِها  وحورِها  وشبابِ أهلها ـ هذه كلها أخبار  ـ  تُولِّد في القلب محبة و شوقا  ثم تنقاد  الجوارح  فتأتي  كلَّ ما يقربها من محبوبها وتبعدُ عن كل ما يبعدها  عن محبوبها  , بل تدفعه إن أتاها .
 
 وكلما قويت المعرفة ( قول القلب )     قويت الإرادة ( عمل القلب ) وظهر ذلك على الجوارح .ولابد.  .
  
 لذا  { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ  } [ فاطر :من الآية 28 ] .لأنهم أعرف الناس به  كما قيل .
 
ولذا من أمحل المحال  أن يكون المرء  عالما بفرضية الصلاة  وعِظم أجرها  , وجرم تركها ، ومريدٌ ، ولا مانع يمنعه ثم لا يصلي  كما يقول شيخ الإسلام بن تيمية  .
ومن أمحل المحال أن يكون المرء محبا لله ورسوله  وعباده المؤمنين  ثم يعاديهم ويحب أعدائهم  , فيقينا { لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  } [ المجادلة : 22 ]
ومن يتدبر كلام العلماء في الولاية : يجد أنها تدور على أمرين   : محبة وهي عمل القلب الناشئ من معرفته ,  ونُصْرة  وهي عمل الجوارح  الذي هو ثمرة عمل القلب ولازمه .
 
فكل محبٍ  متبع ناصر . وكل مبغض مخالفٍ معاد . وتمام الولاية مع تمام المحبة .
أرجو قراءة السطر الأخير مرة ثانية  .!!
 
وأحيانا يسمع المرء آيات الله ويصدق ما يتلى عليه  ثم تصطدم هذه المعرفة الخبرية  ـ النظرية  ـ بعارض يحول دون حدوث  أثر لها في القلب ، مثل الكبر  وعرف الآباء والشهوة وغير ذلك . وبالتالي  لا  تنقاد الجوارح فيكون صاحبها مصدق  أو قل  مقتنع بعقله وهواه (عمل القلب )  مع آباءه وأجداده  أو إخوانه وأقرانه  وجوارحه مع من  يحب فتراه على ملة أبيه  , ومع إخوانه  في مراتع الفسق  ومواطن الشبهات .
فهو عارفٌ بالصواب ، ناطقٌ بالحق ، إلا أنه لا يمتثل بالجوارح . كأبي طالب فقد أقرَّ بصدق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  ونَصره  ، ولكن غلبهُ حُبُّ آبائه فمات على ملة أبيه .
وكيهود  . فيروى أن حيِّي بن أخطب ـ سيِّد يهود المدينة ـ وقف مع قريبٍ له ينظران رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين قدم المدينة مهاجرا فسأله صاحبه أهو هو  .؟ فأجاب : نعم هو هو  . فقال فعلام عزمت ؟ فأجاب حَيِّي : معاداته أبد الدهر[4]  . وصدق الله {  فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  }  [ البقرة : 89 ]
 
وهناك من يعرف ويستيقن  ولا تُنشئ المعرفة في قلبه أي شيء . بل يبغض ويكذب ويعادي  كفرعون موسى ومن معه { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً  } [ النمل : 14] 
أي ليس تكذيبا وجهلا .
وكفرعون الأمة أبو جهل  { فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }  [ الأنعام :33 ]
 
وهناك المنافقون  الذين يعرفون ويستيقنون فيبغضون  وظاهرا يتَّبعون  ثم هم يتربصون  حتى يجدون فرصة فينقلبون . أو عدوا غازيا فيتواطئون .
وهناك المعرضون الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمئنوا بها  والذين هم عن آيات ربهم  غافلون  , والمعرض هذا لم يعرض إلا  لأن قضية التدين عموما ليست  ذات أهمية عنده ، فأمور التجارة والسعي على الرزق ، أو  إشباع رغباته أكبر عنده من أن يلتفت إليها .
 
ومن يقرأ قليلا في حال من زالوا ومن لازالوا ، يجد أن أغلب من ينصرف عن الدين ليس يجهله ، ومن يعاديه يعاديه وهو يعلم ما فيه من الخير .... هذه حقيقة تشهد لها كل أحداث السيرة وينطق بها القرآن في كثير من صفحاته  . واسمع .
( قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (هود : 32 )
 
( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا . فلم يزدهم دعائي إلا فراراً . وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأسروا واستكبروا استكبارا  ) [  نوح :  5ـ7 ] .
(قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ) (الشعراء : 136 )
( . . .  وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (هود : من الآية  53]
 ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ) (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل :  56 (
وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) (الأعراف : 132 (
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل : 14)
 
نعم : معرفة الحق شيء وقبوله شيء آخر ، والإذعان له ( السلوك )  أمر ثالث .
 
 الأول ( المعرفة ) عمل ذهني بحت ، والثاني ( القبول ) عمل القلب ، والثالث ( الإذعان ) هو عمل الجوارح ومنها اللسان .
 
? المسألة الثالثة :  من أين نضبط السلوك ؟
 
البين أن كثيرا من المربين يُركز على معاجلة السلوك نفسه ، انطلاقا من قواعد وضوابط أخلاقية عامة أساسها العرف ... وكثيرا ما نسمع :  عيب  لا تفعل كذا ... إن رآك أحد ماذا يقول ؟! وهكذا .
أو باستخدام ما تعارف عليه أهل الحضارات الأخرى من قواعد للأدب .
 
فهناك حرص من عامة المربيين ـ في البيوت والمحافل التعليمية ـ على ضبط السلوك بالنهي والزجر وربما التأديب دون تصحيح المفاهيم .
وفضلا عن كون هذا الأمر  في حقيقته رد  إلى العرف وليس الشرع . فإنه أيضا يؤدي إلى ردة فعل عكسية تماما حين يذهب سلطان هذا المؤدب ، أبا كان أو معلما .
ولك أن تدبر في حال البيوت المحافظة تجد بعض أبنائها يخرج على غير النسق الذي تربى فيه وربما يصبح مُنَظِراً للاتجاه المعاكس ، وربما يكون السبب في ذلك أن التربية التي تلقوها كانت تتعامل مع السلوك فقط دون المفاهيم .[5] 
 
و المنهج الشرعي  في علاجه للسلوك يعود إلى مصدر التأثير في الإنسان ؛ وهو القلب . استناداً إلى أن الفعل السلوكي نابع عن تصور داخلي في قوة الإدراك في القلب ، وباستصلاحها يصلح السلوك ويستقيم ؛ لا بعلاج السلوك ذاته .
ومن يفعل ذلك  ـ من يعالج السلوك من غير مصدر التأثير في الإنسان ــ  كمن يعالج الأعراض ويترك أسباب المرض بلا علاج فلا يشفى جرح من علاجه .
 وبدون التأثير على مصدر التأثير ـ القلب ـ  لا يمكن الحصول على نتيجة متكاملة مستمرة .
نعم قد يكون نجاحا وقتيا ولكنه لا يستمر وبالتالي لا يثمر .
 
المسألة الرابعة : تطبيقات 
 
توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية .
 
توحيد الربوبية يعتبر كالمقدمة بالنسبة لتوحيد الألوهية . أو كالسبب له . 
ولا حظ المسميات :
* التوحيد العلمي الخبري ( توحيد الربوبية والأسماء والصفات ) ، والتوحيد الإرادي الطلبي ( الألوهية )
* توحيد المعرفة والإثبات ( توحيد الربوبية والأسماء والصفات ) ، وتوحيد القصد والطلب ( الألوهية )
 
لا حظ توحيد الربوبية يأخذ حيّز المعرفة التي هي قول القلب في مصطلح أهل الاعتقاد ، ويأخذ توحيد الألوهية عمل القلب ـ الناشئ من المعرفة التي هي قول القلب ، وعمل الجوارح ، إذ هما مرتبطان سويا وجودا وعدما ، قوة وضعفا كما قدمنا .
فجُعل توحيد الربوبية كالسبب لتوحيد الألوهية ، أو كالمقدمة له . وهذا كثير في القرآن الكريم .
من ذلك قول الله تعالى : { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }  [ البقرة : 255]
بدأت الآية الكريمة بجملة خبرية تقريرية   ( الله لا إله إلا هو ) ... لا معبود بحق إلا الله ، أو لا يستحق العبادة إلا الله ، ثم تبعت هذه الجملة بعدة جمل تعليلية  ، تبين سبب أحقية الله سبحانه وتعالى للتفرد بالعبادة ، وكأنه سأل سائل : لماذا ؟ فأتت الآية بعدها تعلل هذا الخبر ( الحي القيوم ) ( لا تأخذه سنة ولا نوم ) ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) ( وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما ) ( وهو العلي العظيم ) .
ومن ذلك قول الله تعالى :  { قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ فصلت:9 ]
والمعنى أن من خلق السموات والأرض في يومين لا يُكفر به ولا ينبغي أن يجعل له أندادا .
 
ومثله قول الله تعالى :  {  رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً  } [ الكهف: من الآية 14 ]
لأنه ربنا رب السموات والأرض ، لذلك لن ندعو من دونه إلها .
وهي قضية القرآن الأولى تتكرر بأسلوب لا يتكرر .
فانظر كيف يدلل على أحقية الله سبحانه وتعالى بالعبادة بما له من ربوبية وأسماء وصفات .
 
والمقصود من هذه النقطة هو بيان أن  ضبط المعرفة هو السبيل لضبط السلوك عند الفرد وعند المجتمع ، وأن التغيير يبدأ من القلب ... من ضبط المفاهيم والتصورات .
 
تطبيق 2 :   الخطاب الدعوي في العهد المكي ( قرآن وسنة)
 
الدعوة الإسلامية  لم تأت بماديات وإنما بمفاهيم وتصورات ، تم ضبط السلوك الخارجي من خلال ضبط المفاهيم والتصورات الداخلية .
فقد كان الخطاب الدعوي في العهد المكي يتضمن .
 
*    تعريف بالله . . . أسمائه وصفاته وآثار ذلك في مخلوقاته .
*   تعريف بما أعد الله للمتقين المذعنين من ثواب في الدنيا وفي الآخرة (القبر ـ يوم القيامة ـ والجنة ) .
*    وكذا تعريف بحال المتقين من قبل كيف نجوا ، وحال العصاة  من قبل ماذا حلَّ بهم من العذاب والنكال.
ü    ثم جاء الأمر والنهي بين يدي الثواب والعقاب .   
 
فلاحظ أن الثلاث الأول ( التعريف بالله ، والتعريف بالثواب والعقاب وحال من أطاعوا ومن عصوا ) هما لضبط القلب ( معرفته وعمله أو تصديقه ويقينه ) . والأخير هو للسلوك  .
 
توضيح :

بدأت الدعوة في مكة تعرف الناس بربهم  وبما أعده للطائعين ، وما توعد به العاصين ، وتقص عليهم أخبار من سبقوا . . . من أطاع منهم كيف نجاه الله وكتب الله له الغَلَبَة في الدنيا والآخرة ، ومن عصى منهم كيف أهلكه الله وكتب عليه البوار في الدنيا والآخرة . ثم جاءت التكاليف بين يدي ذلك كله .
قيل لهم ربكم الذي عرفتموه بأوصافه وصفاته يأمركم بالصلاة ومن فعل فله الجنة التي عرفوها ، ومن لم يفعل فله النار التي عرفوها .
ومن يتدبر آيات الأحكام  في  كتاب الله  يجد أن هناك إصرار  من النص القرآني على وضع صورة  الآخرة  عند كل أمر ونهي ضمن السياق بواحدة من دلالات اللفظ ، المباشرة منها أو غير المباشر ( دلالة الإشارة أو التضمن أو الاقتضاء أو مفهوم المخالفة .. الخ ) ،  فمثلا يقول الله تعالى { ويل للمطففين . الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون . ألا يظن أولئك أنهم مبعثون ليوم عظيم . يوم يقوم الناس لرب العالمين ... } [ المطففين : 1ـ 6 ]
فتدبر كيف يأتي الأمر بعدم تطفيف الكيل  حين الشراء  وبخسه  حين البيع ؟
ولا أريد أن أعكر صفو النص بكلماتي .
ومثله {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [ الملك : 15]
فهنا أمر بالسعي على الرزق ,  وتذكير بأن هناك نشور ووقوف بين  يدي الله عز وجل فيسأل المرء عن كسبه  من أين وإلى أين ؟
بل واقرأ عن الآيات  التي تتحدث عن الطلاق  في سورة البقرة تجد أنها تختم باسم  أو اسمين  من أسماء الله عز وجل " ... فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "  " ... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " " ... وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ "  " ... وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " " .... إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ "
وآيات الظهار  { فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [ المجادلة: 4]
 وجود صورة الآخرة  بما فيها من ثواب وعقاب وبيان أن الأمر من الله مالك يوم الدين واضح جدا مع كل أمر ونهي .
 
وهنا نسأل :

إذا كان هذا أسلوب القرآن العظيم في عرض قضايا الشريعة . وهو ما تربى عليه  الصحابة رضوان الله عليهم فلم يغيب الطرح الأخروي  عن المشاريع الفكرية التي تنتجها أقلام ( الإصلاحيين )  وخاصة حين يتكلمون إلى الكافرين أو العلمانيين ؟ . . . لم هذا الخطاب الدعوي المنقوص ؟
لم لا نخاطبهم :آمنوا بربكم الذي خلقكم ورزقكم وأحياكم ويميتكم ثم يحاسبكم ؟
 لم لا نناديهم : أسلموا قبل أن تكونوا من جثي جهنم  التي وصفها كذا وكذا ؟
أسلموا كي لا تحرموا جنة فيها  وفيها ...؟
ويدور الحوار حول دلائل صدق الخبر ومَطْلَب المخبر .
أسذاجة ؟
لا وربي .فهكذا نشأت خير أمّة أخرجت للناس ، ودونكم السيرة .
 
 ? تتمة :
 نوعية المتلقي لها أهمية ، فمع أن المربي الأول ـ صلى الله عليه وسلم ـ توفرت فيه كل صفات الكمال البشري ، ومع عصمة خطابه الدعوي  ، إلا أنه لم يستطع أن يؤثر في كل من استهدفهم بالعملية الدعوية .
وأيضا تبرز أهمية نوعية المتلقي من خلال ظهور بعض الفرق المنحرفة في عصر التابعين ، واختلافهم على الصحابة رضوان الله عليهم ، مع أنهم تلقوا منهم ، فلم تكن المشكلة مشكلة منهج بقدر ما كانت مشكلة مُتلقي .
لذا يسعنا أن نقول :
 من أجل إنجاز أي عمل دعوي لا بد من:
* سلامة المنهج 
* انتقاء الأفراد [6] .

---------------------------------------
[1] عرضت هذه الدراسة على أحد الزملاء المختصين بجامعة أم القرى الأستاذ عبد الله الطارقي ( ماجستير ) ، وطلب استبدال كلمة السلوك الشائعة عند التربويين ـ وهو منهم حفظه الله ـ  بكلمة العمل ، معللا ذلك بأن كلمة السلوك أتت إلينا من أخطاء المترجمين  ، وهذه الكلمة عند الأجانب تطابق كلمة العمل في الاستعمال الشرعي . وقد التزمت هذا التعديل  وقمت باستبدال كلمة السلوك بكلمة العمل أو الفعل ـ حسب السياق منبها في بعض المواضع بين قوسين  .
[2] جملة من حديث أبو نجيد عمران بن حصين الخزاعي عند مسلم كتاب الإيمان /54
[3] وهو من هدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم في الطعام ، وقد ورد هذا عند مسلم كتاب الأشربة /3795 من حديث أنس رضي الله عنه ، ونص الحديث ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ قَالَ وَقَالَ إِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى وَلْيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ الْقَصْعَةَ قَالَ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمْ الْبَرَكَةُ ) ، والسلت المسح والإزالة .
[4] ذكره بن هشام في سيرته .
[5] ولا ينبغي تجاهل العامل الوراثي فإن العرق دساس .
[6] من أجل تربية كوادر تتحمل هي تبعات الدعوة فيما بعد .
ونلاحظ تأيدا لهذا أن جزءا كبيرا من الدعوة قام على  الانتقاء ، فنستطيع أن نميز في مرحلة مكة المكرمة نوعين من الخطاب الدعوي :
خطاب عام في الأسواق والنوادي يستهدف عوام الناس .
وخطاب خاص ،  دعوة خاصة ( تربية ) لمجموعة منتقاه في البيوت ( دار الأرقم بن أبي الأرقم ) .
 
 

محمد القصاص
  • مقالات شرعية
  • في نصرة النبي
  • مقالات في فقه الواقع
  • مقالات أدبية
  • تقارير وتحليلات
  • رسائل ومحاضرات
  • مع العقلانيين
  • صوتيات
  • مقالات تعريفية بالنصرانية
  • رد الكذاب اللئيم
  • اخترت لكم
  • بريد الكاتب
  • الصفحة الرئيسية